العودة إلى تركستان الكبرى.. أيمكن أن يتحقق الحلم؟
27 صفر 1439
أمير سعيد

طلقة أصابت رأس الأمير فأودت بحياته على الفور في الفندق الذي كان يقيم به في نيويورك منهية رحلة قصيرة بدأتها اليابان بإحياء فكرة إقامة إمارة (أو جمهورية) عثمانية في تركستان الشرقية بعد سقوط الخلافة بأكثر من عشر سنوات، وأنهتها الولايات المتحدة بالتواطؤ مع قوى دولية في اغتيال الأمير، وفي طمس معالم جريمة قتله، إذ صدرت صحف نيويورك حينها تدعي انتحار الأمير!

 

منذ رحلة الفرقاطة أرطغرل إلى اليابان وغرقها في العام 1890 تطورت العلاقة العثمانية اليابانية، وحاولت طوكيو استثمارها بعد نفي آل عثمان إلى خارج تركيا وإسقاط الخلافة العثمانية، إذ تراءى لها إضعاف أعدائها الأسيويين بمساندة الأمير عبدالكريم ابن الأمير سليم ابن السلطان عبدالحميد الثاني في إقامة دولة للعثمانيين في تركستان الشرقية، وهي دولة كانت تراها طوكيو تابعة لها – وفقاً للأرشيف العثماني – وكان الأمير عبدالكريم يتطلع إلى بعث الدولة العثمانية من جديد، كما بدأت بذرتها في آسيا الوسطى قبل سبعة قرون.

 

كان الأمير على ما يبدو حالماً بعض الشيء، إذ سرعان ما اكتشف خدعة اليابانيين باستخدامه، ومن ثم فر للولايات المتحدة التي ساهمت بقتله؛ فالجميع كان يدرك خطورة الانبعاث الإسلامي في أرض الترك الأصلية.

 

تركستان الكبرى، كانت ضحية مؤامرة دولية خبيثة؛ فجرى تفتيتها واقتسامها بين الروس والصينيين؛ فحصلت روسيا على تركستان الغربية، المكونة من كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، فعمدت إلى فصل لغاتها المحلية بعضها عن بعض، وفرض اللغة الروسية عليها كلغة رسمية إبان حكم الاتحاد السوفييتي لهذه البلاد التركية الشاسعة، وحصلت الصين على تركستان الشرقية، ففرضت الصينية عليها ثقافة ولغة. وكلا الدولتين المحتلتين لتركستان الكبرى فرضت عقيدتها الشيوعية وحاربت الإسلام بشراسة، وعملت على تغيير التركيبة الديموغرافية لتلك الأراضي العريقة في إسلامها المحافظة على هويتها على مر العصور، فوطنتا روساً وصينيين، واستولتا على ثروات تركستان الكبرى، ودأبتا في إبعاد سكانها عن هويتها وروابطها الدينية والقبلية، وتقطيع أوصالها للابتعاد أكثر عن الأمة التركية المسلمة الكبرى.

 

تركستان الشرقية تأخذ الأنظار كثيراً عند الحديث عن واحدة من أكثر الدولة المسلمة التي تعاني احتلالاً بغيضاً، يصادر حريتها ويقمع سكانها ويزدري دينها ويعمل على طمس كل معالم دينها وهويتها، لكن تركستان الغربية بدولها الكبيرة وأراضيها الشاسعة تعاني هي الأخرى، وإن بدرجة أقل، وفي الذاكرة عند كليهما أشجان وأحزان، وتاريخ عريق عظيم، كانت فيه تلك البلاد حامية الإسلام، كدرع وسيف، إذ كانت ذخيرة المسلمين على مر العصور. وكانت حواضرها منائر العلم والثقافة والإبداع، وقاطرات الحضارة المندفعة في شرق المحيط الإسلامي كغربه الأندلسي.  

 

"الإسلام، الحرية، العدالة والأخوة" كان شعار جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية التي أُعلنت في العام 1933م، مئات المسلمين من تركستان عاودوا اجترار ماضي تركستان الشرقية باحتفال في إسطنبول بمرور ذكرى مرور 85 عاماً على إعلانها قبل أن تسقط بتآمر روسي صيني فريد، يدرك من وراءهم من الإيغور وغيرهم في تركستان الشرقية أن هويتهم الإسلامية تلك هي التي استهدفت بشكل كبير قبل ثروات جمهوريتهم الثمينة، والتي تتنوع ما بين النفط والغاز واليورانيوم، والعديد من المعادن والمقدرات الأخرى.  

 

الإسلام هو المستهدف قبل كل ما هنالك من ثروات، وجميع القوى العالمية تدرك جيداً أن قيام انبعاث الشعور الإسلامي في هذه المنطقة يمثل تهديداً قوياً لنفوذها وربما وجودها، ولهذا لم يكن غريباً أن تتحالف الغريمتين روسيا والصين من أجل إسقاط الدولة المسلمة في تركستان قبل ثمانين عاماً، أو تجد اليابان والولايات المتحدة طريقاً واحداً للخلاص من الأمير عبدالكريم، أو تتعاون الصين والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والروس اليوم لإجهاض أي محاولة لحصول المسلمين في تركستان الشرقية على حقوقهم فضلاً عن نيل حقهم بالاستقلال أو حتى الحكم الذاتي الحقيقي. وليس غريباً أيضاً أن يمتد الصمت الغربي حيال الاستبداد الذي تعيشه دول آسيا الوسطى المسلمة لاسيما الدول التي انفرط بها عقد تركستان الغربية طوال هذه العقود سواء في الحقبة السوفييتية أو ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

 

لكن برغم تداعي الأمم هذا على تركستان الكبرى؛ فإن حلم التائمها من جديد، وتعرفها الوثيق إلى هويتها وعقيدتها وحضارتها مرة أخرى لابد ألا يغيب، والضعف الذي يعتري المسلمين هناك لا ينبغي أن ينسيهم أصل قضيتهم، ولا جامعتهم الصغرى من بعد الإسلام، وهي الجامعة التركستانية، في آسيا الوسطى. إن تركستان بشقيها وبفاصلها الجبلي العملاق، شرقيها وغربيها، كانت على الدوام عنواناً للوحدة الإسلامية، ووشائج العقيدة والحضارة والمصير والتاريخ لا يمكن أن تزال بممحاة حديثة لم تبلغ في عمر الأمم أكثر من قرن. إن الذاكرة لابد أن تبقى جذعة واعية حاضرة ولو وهنت الأيدي وتبعثرت الجهود وانسدت الآفاق.
 

 

8 + 1 =