علاج المرض النفسي بالدبلوماسية!
6 ربيع الأول 1439
أمير سعيد

يقولون في الأمثال: "الدراهم مراهم" أو "الدراهم لجروح الدهر مراهم".

هكذا إذن تم العمل على شفاء المريض إبراهيم الجعفري من مرضه النفسي الذي ألم به قبل سنين وفقاً لصحيفة ذي اندبندنت البريطانية، التي عنونت افتتاحيتها في 19 نوفمبر الحالي، بعنوان مثير جداً: "وزير الخارجية العراقي مريض نفسي أخذ معونات اجتماعية".

 

باتريك كوكبرن مراسل الصحيفة في بغداد أعد تقريراً تحدث عن فترة إقامة وزير الخارجية العراقي إبراهيم أحمد الأشيقر (الجعفري) الطويلة في لندن قبل أن تغزو الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق (12 عاماً حصل خلالها على الجنسية البريطانية)، والذي جاء فيه إن الجعفري قد "فشل في عمله الطبي لعدم تمكنه من اجتياز الاختبار اللازم، لحالته النفسية الصعبة والدقيقة التي حولته الى لجنة طبية بريطانية متخصصة أصدرت تقريرها النهائي، وشخصت حالته بكونه يعيش هستيريا حادة تقتضي منعه من العمل، وإحالته للتقاعد وصرف رواتب الضمان الاجتماعي ليعيش حياته بهدوء بعيدا عن التوتر في الجزر البريطانية".

 

التقرير تحدث بإسهاب عن تقلب الجعفري ما بين الطب ثم الوعظ فالقراءة على النساء ثم المعارضة ثم السلطة ليقفز إلى رئاسة حكومة العراق ثم اضطرار واشنطن إلى خلعه نظراً للتدهور الحالة الأمنية في العراق وشهوده أبشع الفترات حيث الجرائم الوحشية والمذابح قد نفذت بعهده ضد المعارضين.

 

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تؤمن هي الأخرى بأن "الدراهم مراهم"، إذ يقول كوكبرن في تقريره الذي ترجمته "الحرة الحدث" إن (الجعفري) قد التقاه في لندن قبل غزو العراق بعام واحد، وأسر إليه شخصياً بأنه يعاني من ضائقة مالية شديدة، وأنه لهذا يطلب إعانة لأن المبلغ الذي يستلمه من البلدية لا يسد حاجته، إذ سرعان ما امتلك الجعفري عقاراً بإحدى ضواحي لندن – وفقاً للصحيفة – تبلغ قيمته نحو 6.5 مليون دولار.

 

الحديث عن الفساد في العراق ليس جذاباً بما يكفي لكتابة هذه السطور بالطبع، إنما اللافت للنظر هو أن كوكبرن لم يكن هو وحده قطعاً يدرك طبيعة اضطراب الرجل عندما التقاه في لندن قبل خمس عشرة سنة؛ فالإدارة الأمريكية وقبلها الحكومة البريطانية كانتا تدركان الحالة النفسية التي يمر بها وزير الخارجية الحالي في هذا الوقت، ومع هذا لم تضع إحداهما خطاً أحمر على تسلمه لسلطة بلد عريق كالعراق، ولم تمانع حتى الآن في أن يكون هو رأس الدبلوماسية العراقية!

 

لم تكونا تغفلان عن ذلك، ولم تكونا تجهلان أيضاً آرائه الدينية والسياسية التي ساهمت في أن يرتقي في فترة حكمه للعراق مئات آلاف الشهداء شاهدين على واحدة من أعظم فترات حكم العراق سواداً وظلمة في العصر الحديث. إن بلداً متنوع العقائد والقوميات والأفكار والثقافات كان يستحق حكماً يعلي من قيمة العدالة ويحارب الظلم ويحقق الأمن ويؤمن القيم والأرواح والأعراض والممتلكات، لم يكن أبداً يستحق تجربة مريرة كهذه. لكن متى كان المحتلون يسعون لغير الفتن والفوضى والإفقار والتجهيل والتحريش بين الشعوب وهضم الحقوق وكسر الإرادات؟!