استدامة المصلي الصلاة في مكان المكتوبة
8 ربيع الأول 1439
د. عبد الرحمن بن عوض القرني

1-    عن المغيرة بن شعبة-رضي الله عنه- ‏قال‏:‏‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه». ‏رواه أبو داود ‏‏وابن ماجه(1).
 

2-    وعن أبي هريرة ‏-رضي الله عنه-  عن النبي صلى الله عليه وسلم‏ قال‏: ‏«‏أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله». ‏رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه(2).

 

حكم استدامة المصلي الصلاة في مكان المكتوبة.

اتفق الفقهاء على أن تطوع الإمام في مكان الفريضة قبلها جائز(3).

 

واختلفوا في التطوع في مكان الفريضة بعدها على ثلاثة أقوال:

القول الأول:

أنّ استدامة المصلي الصلاة في المكان الواحد سواء كان إماما أو مأموماً مكروهة، وأن السنة هي أن يتحول عن مكان الفريضة.
وهو قول ابن عباس، وابن الزبير، وإحدى الروايتين عن ابن عمر -رضي الله عنهما-(4)، وهو قول المالكية(5) والشافعية(6)، ورجحه النووي(7)، وابن تيمية(8)، وابن حجر(9)، والشوكاني(10).

 

القول الثاني:

أنه يكره للإمام فقط دون المأموم وبه يقول:علي -رضي الله عنه-، وإحدى الروايتين عن ابن عمر -رضي الله عنهما-(11)،وسعيد بن المسيب(12) والأوزاعي والثوري(13)، وهو قول الحنفية(14) والحنابلة(15).
 

الثالث:

الجواز مطلقاً للمصلي أن يتنفل في مكانه الذي صلى فيه، وبه يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-، وسعيد بن المسيب(16) وهو ظاهر صنيع البخاري(17).
 

أدلة الأقوال مع المناقشة والترجيح:

أدلة القول الأول.

1-    استدل أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة في المطلب الأول "أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله".
ووجه الدلالة منه أن لفظة أحدكم تفيد العموم(18) .
ونوقش:
بأن الحديث ضعيف.

 

2-    عن السائب بن يزيد قال: صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج(19).
 

ووجه الدلالة منه:
ما قاله النووي: فيه دليل لما قاله أصحابنا أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره ليكثر مواضع سجوده ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة ا.هـ(20).

 

3-    أن في ذلك تكثيرا لمواضع عبادة المصلي وهو أمر مستحب ومرغب فيه(21).
 

4-    عن عبدالله بن رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر فقام رجل يصلي فرآه عمر -رضي الله عنه-فقال له: اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحسن ابن الخطاب»(22).
 

ووجه الدلالة منه
ما قاله ابن رجب: وهذا الحديث يدل على كراهة أن يَصِل المكتوبة بالتطوع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم(23).

 

5-    عن عطاء قال رأيت ابن عمر صلى الجمعة ثم تنحى من مكانه فصلى ركعتين فيهما خفة ثم تنحى من مكانه ذلك فصلى أربعا هي أطول من تيك(24).
 

أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1-    حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- (لا يصلي الإمام في مقامه).

 

ووجه الدلالة منه:
هذا الحديث نص في المسألة بأن الإمام لا يتنفل في مكانه.

 

ويمكن مناقشته:
بأن تخصيص الإمام هنا لأنه آكد من غيره لئلا يظن الداخل أنه في فرض.

 

2-    عن علي -رضي الله عنه-: من السنة إذا سلم الإمام أن لا يقوم من موضعه الذي صلى فيه يصلي تطوعا حتى ينحرف أو يفصل بكلام(25).
 

3-    وعن الشعبي عن ابن عمر -رضي الله عنه-أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه ولم ير به لغير الإمام بأسا(26).
 

ويجاب عن هذه الآثار:
بأنها تؤكد هذا الحكم في حق الإمام ولا تنفيه عن غيره من المصلين.

 

4-    ولأنه إذا تنفّل مكانه ظن الداخل أنه في الفرض(27)
 

أدلة القول الثالث:

1- عن نافع عن ابن عمر أنه كان يؤمهم ثم يتطوع في مكانه، قال وكان إذا صلى المكتوبة سبح مكانه(28).
 

ونوقش:
بأنه محتمل الدلالة بأنه فصل بينهما بكلام من ذكر أو غيره.

 

2- عن شيخ قال سئل ابن مسعود -رضي الله عنه- عن الرجل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة قال: لا بأس به(29).
 

ونوقش:
بأنه ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود، وعلى فرض صحته فلا يعارض ما ثبت من المرفوع.

 

الراجح:

هو القول الأول وهو كراهة استدامة المصلي الصلاة في المكان الواحد.
وعدم الفصل بين الفريضة والنافلة بالمكان أو الكلام لقوة أدلتهم وصراحتها، ولعل الإمام أولى من غيره في الحكم لأنه يقتدى به.

 

دلالة النهي عن استدامة المصلي الصلاة في مكان المكتوبة

تقدم ثبوت النهي عن استدامة المصلي الصلاة في مكان المكتوبة والخلاف الأقوى كان في تخصيصه للإمام أو تعميمه لكل مصلي مع اتفاق الجميع على الكراهة حيث لا قائل بالتحريم هنا ولم يذكر أحد صارفاً للحكم وتقدم ترجيح تعميمه لكل مصلي.
ولعل الصارف هنا هو ما تقدم من آثار الصحابة والله أعلم.

 

_______________________________

(1)رواه أبو داود.الصلاة باب الإمام يتطوع في مكانه(616) وابن ماجه.إقامة الصلاة والسنة فيها (1428)  وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
(2) أخرجه أحمد (2/425)، وأبو داود.الصلاة باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة (1006)، وابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1427)، والبيهقي (2/190) وأخرجه عبد الرزاق (3918) وضعفه البخاري أيضا في الصحيح فقال: (باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام)...، ثم قال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه ولم يصح.الفتح(2/426)"  وضعفه الأرنؤوط في تحقيق المسند (9496). والله أعلم.
(3) فتح الباري لابن رجب(6/114).
(4)مصنف ابن أبي شيبة(2/208).
(5)الفواكه الدواني (2/365)، مواهب الجليل(2/ 67).
(6)المهذب(1/91،92)، مغني المحتاج (1/183).
(7)المجموع 3/491-492
(8)الفتاوى 24/202
(9)فتح الباري (2/426).
(10)نيل الأوطار 3/197
(11)مصنف ابن أبي شيبة(2/209).
(12)المرجع السابق.
(13) فتح الباري لابن رجب(6/114).
(14)بدائع الصنائع(1/285)، وفتح القدير(1/438).
(15)المغني(1/403)، الكافي(1/262).
(16)مصنف عبدالرزاق(2/418)، ابن أبي شيبة(2/209).
(17)صحيح البخاري مع الفتح (2/425).
(18)عون المعبود شرح سنن أبي داود(1/243).
(19) رواه مسلم كتاب الجمعة باب الصلاة بعد الجمعة(73)(883).
(20) شرح صحيح مسلم للنووي(2/477).
(21) استدلوا على هذه المسألة بقوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [سورة الدخان: 29]. قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [سورة الزلزلة:4].
    قال الشوكاني في نيل الأوطار (3/197): والعلة في ذلك تكثير مواضع العبادة كما قال البخاري والبغوي لأن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي تخبر بما عمل عليها وورد في تفسير قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} أن المؤمن إذا مات بكي عليه مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء، وهذه العلة تقتضي أن ينتقل إلى الفريضة من موضع نفله...إلخ ا هـ.
(22) رواه أحمد(5/368) وهذا سياقه وأبو يعلى(7166) ورواه أبو داود. الصلاة، باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة (1007) بسياق آخر. وإسناد أحمد صحيح صححه الأرنؤوط(23121) وجهالة الصحابي لا تضر. وأما إسناد أبي داوود فهو ضعيف ضعفه الألباني في ضعيف أبو داود، ومشكاة المصابيح(972).
(23) فتح الباري لابن رجب(6/114).
(24) مصنف ابن أبي شيبة في المصنف(2/139). وسنده صحيح. وقد أخرجه البيهقي (3/240-241).
(25)أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/209) والبيهقي في السنن (2/191)قال ابن حجر في الفتح(2/426):إسناده حسن.
(26) أخرجه ابن أبي شيبة(2/209) وهذا إسناد ضعيف فيه حجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس(التقريب1172) ولم يصرح هنا بالسماع، وأبو إسحاق السبيعي ثقة إلا أنه  واختلط (التقريب5100). وقد روى عبدالرزاق(3921)عن ابن المسيب هذا المعنى أيضاً.
(27)الجوهرة النيرة للعبادي(1/72).
(28)أخرجه عبدالرزاق(3922).
(29)أخرجه عبدالرزاق في المصنف (3925) وابن أبي شيبة(2/209) والبيهقي في السنن (2/192). وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.

3 + 5 =