الحروف المهلكة ..
11 ربيع الأول 1439
د. خالد رُوشه

القلوب النقية تمر عليها مواقف الخلاف مرورا سهلا هينا ، تسامح وتصبر ، وتعفو وتغفر ، ترجو رحمة الله وتنتظر فضله وثوابه ..

 

مر الإمام أحمد برجل فاغلظ له القول حتى بلغ سبابه ، فلما ذهب عنه قيل له إنه أحمد ، فأسرع خلفه يرجوه أن يغفر له ويسامحه ، قال له أحمد : والله لقد سامحتك فور تركي إياك ..

 

والشافعي رحمه الله يختلف مع صاحب له فيشتد الخلاف ويغضب صاحبه ، فيمسك الشافعي بيه ويقول له : ألا يصح أن نكون إخوة مع اختلافنا في مسألة ؟!

 

و الربيع بن خثيم يشتمَه رجل، فيقول له: " يا هذا، قد سمع الله كلامك، وإنّ دون الجنة عَقبَة، إن قطعْتُها لم يَضُرَّني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شَرٌّ مما تقول"

 

والبخاري يقول له بعض أصحابه: «إنّ بعض الناس يقع فيك!». فقال : " إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا "

 

إن الشيطان ليغري في الخلاف أن ينتصر الشخص لنفسه ، ويدفع في الغضب أن يعلو المرء على صاحبه ، وينفخ في المشكلات حتى تصير أزمات كبرى ، وفي وسط أتون الصراعات الشخصية والمصلحية والحزبية , يسقط الكثيرون في وحل الانتقاص من مخالفيهم , يسبونهم , يغتابونهم , يسخرون منهم , يسمونهم بالنقائص والشينات , وربما أكثر !

 

لقد علمنا ديننا أنه مهما كان الخلاف أن يكون بالعدل منطقنا , ومهما كانت صراعاتنا الحياتية فقد أمرنا سبحانه بالعدل في الحكم على الناس " اعدلوا هو أقرب للتقوى "

 

إن داء سباب الناس واغتيابهم وانتقاصهم والنيل منهم لداء خبيث يصيب القلوب الخربة ، لك التي تجد راحتها في اذى الآخرين والإضرار بهم ، وتتصور أن انتقاصهم يرفع من شأنهم ويصب في مصلحتهم !

 

الكلمة السيئة المنتقصة للآخرين مرض , والوقوع في أعراض الناس كبيرة من الكبائر , فكيف نستبيح بكلماتنا أعراض القوم ؟! وكيف نستبيح غيبتهم ؟! وكيف نستبيح ظلمهم

 

إنه داء سببه ضعف الإيمان ونقص التقوى , وسيطرة الهوى , واشتداد التعصب , ما جعلت الساب والمنتقص ينسى الفضائل ولايهمه إلا النقائص , وسببه كذلك نسيان خطر الكلمة , والاستهانة بقيمتها وقدرها

 

لقد رفع أقوام بكلماتهم , وسقطت مدائن بأحاديث أبنائها , وأنشئت علاقات دولية بتعبيرات جادة , ونشأت حروب بخطب متغابية , تقارب أناس بتعبيرات صادقة وتفرق آخرون ببضع أحرف جافة !

 

والكلمة للدعاة إلى الله قيمة عليا , وحساب دقيق , وانتقاء دائم , ورؤى واضحة بينة  ، والكلمة للقائد فكرة , ومبدأ , والتزام , وعهد , وحسم وحزم وقرار .

 

إن أناسا قد استهانوا بمشاعر غيرهم فراحوا يكيلون لهم جارح الكلمات في وجودهم تارة وفي غيبتهم تارة , فكان لهم في كل ساعة كليم من حديثهم وهم لايأبهون .

 

قال سبحانه : " ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون , ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار " إبراهيم

 

لقد صورها القرآن إذن كأنها الشجرة ذات الجذور الثابتة والراسخة في الأرض، والأغصان العالية التي تكاد تطال السحاب ، لا تنال منها الرياح ، ولا تعصف بها العواصف ، فهي تنبت من البذور الصالحة، وتعيش في الأرض الصالحة، وتجود بخيرها في كل حين، ثم تنعم بالظلال الوارفة، وبالثمار الطيبة التي ينتفع منها الناس

 

أما الكلمة الخبيثة، فهي ضارة تضر صاحبها، وتضر ناقلها ، وتضر متلقيها، وتضر كل من نطق بها، وتسيء لكل سامع لها، فهي كالشجرة الخبيثة، أصلها غير ثابت، ومذاقها مر، وشكلها لا يسر الناظرين، أنها في حقيقة أمرها هزيلة ضارة

 

ولم يجعل القرآن الكلمات مجرد مقولة فقط , بل بين في موضع آخر وآية أخرى أنها مرتبطة بالعمل الصالح , فيقول القرآن الكريم : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " فأخبر أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وأخبر أن الكلم الطيب يثمر لقائله عملا صالحا في كل وقت ( إعلام الموقعين )

 

والرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد المقالة ويوضح الفكرة ويعلي المسئولية فيقول : " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات , وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالا يهوى بها في نار جهنم " ( البخاري )

 

بل إنه ليعتبر أن على المرء ألا يقول إلا خيرا ونفعا وأنه لو أراد أن ينطق غير ذلك فالأولى له أن يصمت , فهو نوع واحد يجب أن يدرب المؤمن لسانه عليه من الكلمات فيقول صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " ( البخاري )

 

فيا فلاح قوم راقبوا ربهم في كل حرف , وياويل آخرين ارتكسوا في حمأة الاجتراء على عباد الله !

13 + 1 =