أصول حفظ الكليات الخمس في بيّنات القرآن
30 ربيع الأول 1439
خباب الحمد

حين نتلمّس ملامح المقاصد الشرعيَّة على مبدأ حفظ الضرورات الخمس التي جاءت بها مقاصد الشريعة، فسنجد ما يسعفنا كثيراً من كتاب الله تعالى، حين نتدبَّره لاستخراج عدد من الآيات المتعلِّقة بها، والتي لم يأت بها أهل العلم اعتباطاً، وإنَّما ذكروا هذه الضرورات الخمس؛ كونهم قد استخرجوها من القرآن الكثير من النصوص التي استنبطت هذه الضرورات بناء على النظر فيها.
 

إنَّ هذه الضرورات الخمس مرتَّبة على النحو التالي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسب، حفظ المال.
 

قال الغزالي رحمه الله: "إن مقصود الشرع من الخلق خمسة : أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة" ([1])، ويُبيِّن أبو عبد الله بن الأزرق سبب الاهتمام بهذه الضرورات الخمس : "لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها، بحيث لو انحرفت لم يبق للدنيا وجود من حيث الانسان المكلف، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها.. فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى. ولو عدم الإنسان لعدم من يتدين. ولو عدم العقل لارتفع التدبير. ولو عدم النسل لم يمكن البقاء عادة. ولو عدم المال لم يبق عيش"([2]).
 

وإنَّ من أهم مهمَّات قضايا بحثنا في تدبُّر مقاصد القرآن الكريم، ألاَّ نُدير طرفنا عن قضيَّة أولاها أهل العلم – عليهم الرحمة والرضوان - في البحث الاستخراجي من نصوص القرآن الكريم ما يسند مبدأً عظيماً بمعرفة حفظ الضرورات الخمس التي حثَّت عليها مقاصد الشريعة وتضمَّنتها، بما يجعلنا نجزم أنَّه ما من صفحة من كتاب الله تعالى إلاَّ ونقرأ فيها آية كريمة تحثُّ على ذلك.
 

وهذه الضرورات هي على النحو التالي، وقد حاولت النظر في كتاب الله تعالى، فجمعت بعض النصوص الدالَّة على كلِّ ضرورة من هذه الضرورات الخمس التي تُعبِّر عن مقاصد القرآن في حفظ هذه الضرورات الخمس؛ لكلِّ بني الإنسان!
 

1.    حفظ الدين:

لقد جاءت النصوص القرآنية متوالية تترى في حفظ الدين وحمايته، وحماية كيانه، وصيانة بيضة الإسلام من أن يخدشها أي خادش، فوضع الحمى التي تحمي حظيرة هذا الدين، وصان كرامة المسلمين؛ لئلا يقع منهم ما يُغضب ربَّهم تبارك وتعالى.
وفي هذا يقول العلاَّمة المقاصدي الطاهر ابن عاشور: "مراد الله في كتابه بيان تصاريف ما يرجع إلى حفظ مقاصد الدين، وقد أودع ذلك في ألفاظ القرآن التي خاطبنا بها خطاباً بيناً وتعبدنا بمعرفة مراده والاطلاع عليه"([3]).

 

وقد قرَّر الإمام الشاطبي - رحمه الله- أنَّ حفظ الدين يقوم على قضيتين:
الأول: حفظ الدين من جانب الوجود، وذلك بالمحافظة على ما يقيم أركانه ويثبت قواعده.
الثاني: حفظ الدين من جانب العدم، وذلك برفع الفساد الواقع أو دفع الفساد المتوقع"([4]).

 

من أجل ذلك جاءت نصوص كثيرة زاخرة مُزهرة تحثُّ على حفظ الدين وحمايته، وحفظ كيانه، تأسيساً وتثبيتاً لوجوده، ودفعاً ورفعاً لكلِّ ما يُقصد إليه من مجاوزة حدوده.
 

إنَّ الآيات التي جاءت قاصدة بالحث على حفظ الدين كثيرة، سواء أكان ذلك من حيث التأكيد والتوكيد على الالتزام به والتديُّن، أو النهي عمَّا يُضادُّه من ألوان الكفر والشرك والنفاق ولعلَّنا نذكر طرفاً منها في هذا الصدد:
 

فلقد بيَّنت شرعة الإسلام أنَّه لا دين إسلامي صحيح غير الإسلام فقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [آل عمران: 85]..
 

وقال {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُر بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَريعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19].
 

وبيَّن لنا أنَّ هذا الدين كامل، فلا يجوز لعبد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه لأنَّ من شرعه هو ربُّ العالمين، وليس للعبد أن يتدخَّل في شريعته فقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].
 

لأجل ذلك كانت دعوة الأنبياء والمرسلين إلى عبادة الله والكفر بالطاغوت، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
 

ولهذا حثَّنا تعالى على الدعوة إليه، فقال:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[النحل: 125].
 

وحفاظاً على الدين شرع الله الجهاد للدفاع عن عقيدة التوحيد، فقال:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}[الأنفال : 39].
 

وأمرنا الله تعالى بتحكيم شريعته فقال:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة : 50 ].
 

وبيَّن أنَّ من لم يتحاكم إلى شريعته فهو غير مؤمن، قال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء: 65].
 

كما أنَّه تعالى نهى عباده عن الشرك وحذَّرهم منه فقال:{ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس : 105].
وقال عزَّ وجل: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 64].

 

وقال عزَّ من قائل:{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}[النساء: 36] ونهى عن طاعة المشركين وبيَّن أنَّه المرء يُشرك به في طاعتهم فقال:{ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}[الأنعام : 121].
 

إلى غير ذلك من النصوص المتتابعة الحاثَّة على قضية هذا الدين، وأهميّة حفظه وحياطته، والنهي عمَّا يُماسُّه من الشرك والنفاق والكفر بالله.
 

2.    حفظ النفس.

لقد نهى الله تعالى عن قتل الإنسان لنفسه، بما يُسمَّى (الانتحار) فقال تعالى:{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [النساء: 29].
 

وجاءت الشريعة بحفظ روح الإنسان، وألاَّ يلقي بنفسه إلى التهلكة، فقال تعالى:{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195].
 

ونهانا عزَّ وجلَّ عن قتل الآخرين إلاَّ بالحق، فقال تعالى {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151].
 

ونهى تعالى على قتل المسلم لأخيه المسلم، فقال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:92].
 

وكتب الله القصاص على كلِّ من قتل المسلم قاصداً فقال تعالى:{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} [البقرة:178].
 

وبيَّن تعالى أنَّ من قتل نفساً بغير حق فكأنَه قتل جميع الناس؛ لما في ذلك من الاعتداء على كرامة الإنسان معصوم الدم، فقال تعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}[ المائدة: 32].
 

وبيَّن تعالى أنَّه قد حرَّم على الناس بعض المطعومات لما فيها من ضرر بالغ على أنفسهم، وقياماً منهم بعبوديّة الله والانصياع لأوامره، والانزجاء عن نواهيه، وفتح للناس مخرجاً شرعياً في ذلك بجواز الطعام منها في حالة الاضطرار الملجئ، فقال:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل:115]، وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119].
 

وحثَّ تعالى على حفظ الأنفس وعدم الإسراف بالطعام لئلاً يختل بنيان الإنسان، فقال : {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [سورة الأعراف:31].
 

وقد حثَّ تعالى عباده على حفظ ألسنتهم من الاعتداء على الآخرين بقولهم وكلامهم، فقال تعالى قال تعالى: {وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا} [الإسراء53].
 

3.    حفظ العقل.

حثَّ الله تبارك وتعالى على القراءة والتعلُّم، والأداة الحقيقيَّة التي يُمكن للمرء أن يقوم بها لأجل ذلك هي أداة العقل، فقال قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق: 1–5].
 

وقد أزرى الله تعالى ونعى على الكفرة والمشركين الذين عطَّلوا ملكة العقل والتفكير في آيات الله وآلاءه، ولم يطلبوا الحق ليدركوه، قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان:44].
 

وفي القرآن الكريم عشرات الآيات التي تُخاطب العقل؛ علَّه يتَّعظ ويعتبر ويُفكِّر في هذا الكون الفسيح، وباستعراض بعضها يتبيَّن معناها الذي يُخاطب العقل:
 

قال سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي رفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْر عَمَدٍ تَروْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرشِ وَسَخَّر الشَّمْسَ وَالْقَمَر كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّر الْأَمْر يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ ربِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرضَ وَجَعَلَ فِيهَا روَاسِيَ وَأَنْهَارا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَار إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرونَ * وَفِي الأَرضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْر صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 2 – 4].
 

وقال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَر فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرونَ * وَسَخَّر لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار وَالشَّمْسَ وَالْقَمَر وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون} [النحل: 10 – 12].
 

وقال تعالى: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ يُريكُمُ الْبَرقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 24].
 

لقد جعل الله تعالى العقل البشري مناط التكليف؛ ولهذا فمن نام أو جُنَّ أو لم يبلغ، فإّن القلم مرفوع عنه، فللعقل منزلة في التشريع الإسلامي واهتماماً بالغاً، بل إن العقلَ معيارٌ للتصرف في المال فقال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } [النساء: 5].
 

وقال تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} [النساء:6] فمن كان رشيداً يحسن التصرف فإنَّه يحسن تصرفه بالمال، ومن كان سفيهاً فلا يجوز أن يُعطى المال.
 

كما جاء كتاب الله حافلاً بصيانة العقل الإنساني، وحياطته من كل ما يُذهب فكره، ويُعطِّل مَلَكَته، فنهي عن تناول الخمر لما لها من تأثير بالغ على ذلك فقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
 

وبيَّن تعالى أنَّ الخمر له تأثير سيء على الناس بوقوع العداوة والبغضاء التي تجري بينهم، فمن احتسى ذلك وسكر وغاب عقله، فإنَّه لا غرابة أن يعتدي على الناس ويقع في ألوان المُحرَّمات والمعاصي، وذلك كلُّه مُفرح للشيطان الذي يريد لك ويتغيَّاه، ولهذا نهى تعالى عن الخمر فقال:{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة:91].
 

4.    حفظ (العرض/ النسل).

في كتاب الله تعالى عشرات النصوص التي تحثُّ على حفظ المرء لعرضه ونسله، وحفظه لعرض الآخرين ونسلهم كذلك.
 

فالله تعالى حثَّ على النكاح والزواج فهو الطريقة الشرعية التي تقبلها النفوس الطيبة، والفطر السلمية، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا}[النساء: 3].
 

وبيَّن أنَّ الطريقة الشرعية في النكاح استئذان الأهل، دون أن يكون هنالك محبَّة ماجنة وعلاقات سابقة فقال:{فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء : 25].
 

وأمر تعالى بغض البصر؛ سداً لذريعة التوصُّل لكل حرام بالمرأة الأجنبية، وكذلك حثَّ تعالى المرأة على غض بصرها، فقال تعال:{قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}‏‏[النور: 30].
 

ونهى عزَّ وجل عن مجرَّد الاقتراب من الفاحشة فقال:{ولا تَقْربُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا}. [الإسراء: 32] وقال تعالى: {ولا تَقْربُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. [الأنعام: 151]].
 

ونهى تعالى عن إيذاء المؤمنين والمؤمنين بقذفهم في عرضهم أو عرضهنَّ، وبيَّن أنَّ من فعل ذلك فقد تحمَّل الإثم الكبير، فقال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}[الأحزاب: 58] وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النور:23].
 

وبيَّن سبحانه أنَّ من قذف المحصنات ولم يأت بأربعة شهداء على زعمه، فإنَّه يُجلد، فقال عزَّ وجل {وَالَّذِينَ يَرمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4].
 

ونهى تعالى عن غيبة الآخرين وهمزهم ولمزهم والسخرية منهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَر قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرا مِنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرا مِنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رحِيمٌ } الحجرات : [11 – 12].
 

وحثَّ تعالى على احترام وبر من كان سبباً لإخراج المسلم إلى هذه الحياة وهما الوالدين فقال تعالى: {وَقَضَى ربُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَريمًا}. [الإسراء: 23].
وبيَّن عزّ وجلَّ أنَّ التبني الذي كان يُعمل به في الجاهليَّة حرام، حتَّى لو كان الشخص يُنسب لمحمد بن عبد الله صلَّة الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، قال: "إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن.. {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورا رحِيمًا}[سورة الأحزاب: 5]([5]).

 

5.    حفظ المال:

لقد بيَّن تعالى أنَّ المال هو ماله تعالى وهو مالكه فقال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }[آل عمران : 180] فهذا المال من فضله تعالى، وهو عزَّ وجلَّ الذي أعطاه لعباده وآتاهم إياه، فقد قال تعالى :{ وَالَّذِينَ يَبتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَت أَيمَانُكُم فَكَاتِبُوهُم إِنْ عَلِمتُم فِيهِم خَيرًا وَآتُوهُم مِن مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُم} [النور: 33]، لذلك جعلنا عزَّ وجل مستخلفين فيه، فقال تعالى:{ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْر كَبِير} [الحديد: 7].
 

وحثَّنا تعالى على الأكل من رزقه تعالى، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك:15].
 

وأرشد سبحانه لكتابة الدين والإشهاد عليه حفظاً لحقوق الناس المالية، قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ}إلى قوله:{وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ}[البقرة:282].
 

ونهانا عن أكل أموالنا بالباطل، فقال:{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة، الآية 188].
 

وطلب تعالى من عباده القيام بالصدقات على من كانوا يستحقون ذلك، فقال تعالى:{وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبّهِ كَفُورًا} [الإسراء:26، 27].
 

ونهانا عن إتيان الأموال للسفهاء حتى لا يضيع المال، وفي المقابل يقوم القائم على أموالهم بحفظها ورعايتها، والإنفاق عليهم منها، فال تعالى:{وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء:5].
 

وبيَّن تعالى أنَّ من وقع في جريمة السرقة وثبت ذلك في حقًّه فإنَّ يده تُقطع، فقال:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 38-39].
 

ولقد ذكر بعض العلماء أنَّ هذه الضرورات الخمس التي جاءت مقاصد الشريعة بحفظها، قد تضمنَّتها بعض الآيات بكاملها، ومنها قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا* وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.[الإسراء: 23-36].
 

ففي هذه الآيات العظيمات، يُمكن استخراج الضرورات الخمس منها:
1.    حفظ الدين، لقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}.
2.    حفظ النفس، لقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}.
3.    حفظ النسل، لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}.
4.    حفظ المال، لقوله تعالى:{ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}إلى قوله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} إلى قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}.
5.    حفظ العقل: فلا يمكن لغير المُكلَّف العاقل أن يقوم بهذه الجوانب، ومن كان عقله فاسداً، فإنَّه سيقوم بنقيضها!

 

كما ذكر أنَّ هنالك آية أخرى جاءت بحفظ هذه الضرورات، كقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[الممتحنة: 12].
 

وفي هذه الآية العظيمة نستخرج الضرورات الخمس منها:
1.    حفظ الدين، لقوله تعالى:{لا يشركن بالله}.
2.    حفظ النفس، لقوله تعالى:{لا يقتلن أولادهن}.
3.    حفظ النسل، لقوله تعالى:{ولا يزنين}.
4.    حفظ المال، لقوله تعالى:{لا يسرقن}.
5.    حفظ العقل، لأنَّ من يقوم بذلك فعقله صحيح راجح، ومن فعل خلافه فعقله فاسد طالح.

 

وقال تعالى: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ} [الأنعام: 151-153].
 

هذه الآية العظيمة اشتملت على هذه الضرورات الخمس:
1.    حفظ الدين، لقوله تعالى:{ أن لا تشركوا به شيئاً} وقوله تعالى: {وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.
2.    حفظ النفس، لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم} وقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}.
3.    حفظ النسل، لقوله تعالى:{ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}.
4.    حفظ المال، لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم} وقوله تعالى : {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط}.
5.    حفظ العقل، وذلك بأنَّ هذه الجوانب لا يقوم بها إلاَّ المُكلَّف الذي يقوم بحفظ هذه الضرورات بما فيها من أوامر ونواهي، ولهذا خاطبه بذلك لكي يتعقَّل، فقال تعالى:{ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون}.

 

_________________________________

1.    المستصفى، الغزالي، دار الكتب العلمية، سنة النشر: 1413هـ/1993م، رقم الطبعة: ط1، ص:174.
2.    بدائع السلك في طبائع الملك، ابن الأزرق :(1/194-195).
3.    التحرير والتنوير، ابن عاشور : (1/ 39)، دار ابن سحنون.
4.    الموافقات، الشاطبي: (2 / 18) تحقيق: مشهور حسن آل سلمان.
5.    صحيح البخاري، رقم: (4782).

12 + 1 =