فرنسا المضطربة بين سياستها وإعلامها
2 ربيع الثاني 1439
منذر الأسعد

فرنسا –في الوقت الحاضر- تعاني من تناقضات صارخة على الصعيدين السياسي والإعلامي، لكنها لا تستشعر هذا التناقض الذي أثار بعضاً من نخبتها المفكرة!
 

سنحاور عدو السوريين!

لا أحد يدري كيف استطاع الرئيس الفرنسي أن يدلي منذ يومين بأغرب تصريح عن مأساة الشعب السوري يهدم أولُه آخرَه..
فقد وصف أمانويل ماكرون رئيسَ النظام السوري بشار الأسد بأنه (عدو للشعب السوري) مشيراً إلى أن شهر شباط/فبراير المقبل سيشهد نهاية تنظيم داعش في سوريا.. وأما الخاتمة الغريبة فكانت قول ماكرون: بعد ذلك لا بد من محاورة بشار الأسد.

 

وسرعان ما انتهز الأخير هذه الفرصة "الذهبية" ليهاجم فرنسا ويتهمها برعاية الإرهاب!! فلمَ يكون بشار استثناء من بين المتاجرين الأمميين الذين يتقاذفون الاتهام برعاية الإرهاب؟ فواشنطن تتهم موسكو بالتواطؤ مع داعش من خلال صفقات مافيوية مريبة شارك فيها بوتن شخصياً، بحسب تسريبات أمريكية!
 

والروس من جانبهم سبق لهم اتهام واشنطن بتدريب مئات من فلول داعش، في نطاق تكوين "الجيش السوري الجديد" في مناطق سيطرة المليشيات الكردية التي تساندها الولايات المتحدة والمعروفة اختصاراً باسم: قسد..
 

صحيح أن الأسد ليس رئيس دولة فعلياً، فهو خاضع خضوعاً علنياً مهيناً لكل من الكرملين وطهران،لكنه يستشعر حصانته الدولية في وجه فرنسا ذات الحضور الهامشي بالنسبة إلى تقرير مصيره.. وهو يتكئ على حماية لا نظير لها يوفرها له نتنياهو، وهي التي فرضت على اللاعبين الكبار بقاءه وإعادة تأهيله في أقسى ازدراء لملايين السوريين الذين نكبهم بالقتل المجاني والتعذيب حتى الموت وتشريد من نجا منهم من قبضة مليشياته والمليشيات الطائفية المجلوبة إيرانياً تحت سمع العالم وبصره.
 

الصرخة المخنوقة

في المقابل، عرضت قناة فرانس2 فيلماً وثائقياً مرعباً بعنوان: الصرخة المخنوقة la Syrie: le crie étoufféبما تضمنه من توثيق لسياسة اغتصاب النساء السوريات في سجون (عدو الشعب السوري) –بحسب تسمية الرئيس الفرنسي.
 

إحدى الضحايا تروي في الفيلم الرهيب كيف اغتصب عسكر الأسد بناتها الأربع أمامها، ثم قتلوا زوجها وأولادها!
وقد كتبتْ عنه الباحثة باتريشيا نيفيس مقالاً مطولاً، قالت فيه: في الفيلم الوثائقي الصدمة الذي كتبه: مانون لوازو وأنيك كوجان "سوريا: الصرخة المكتومة،" والذي بث يوم 12 ديسمبر على قناة فرنسا 2،

 

تتحدث النساء السوريات عن الجرائم التي كانوا ضحايا لها عند نظام الأسد، بما في ذلك "الأسوأ" من بينهن جميعا: الاغتصاب.
وأضافت: في هذا الفيلم الوثائقي المروع أدلت سبع نساء بشهاداتهن بشجاعة وتواضع
"في ذلك اليوم وفي "مكتب جميل" مع "الكراسي الجلدية" أو في مراكز مليئة بالجثث" الملقاة، هزت حياتهم.
مخبأة أو غير مكتشفة.
إنها تعطي التواريخ والأماكن والأسماء.
الأوصاف تقشعر لها الأبدان من الدقة.

 

"كيف تقول ذلك؟"، ومع ذلك تتساءل مريم، وهي برتبة نقيب سابق في الجيش السوري ومنشقة عنه. كيفية العيش مع هذه الصور؟ صديقتها اغتصبت أمامها، قبلها.
 

امرأة حامل لمدة سبعة أشهر "انتهكت" حتى أنها انتهت بالولادة. واحد من الجلادين، الملازم سليمان الذي كان يأكل الفستق الحلبي أمامهن غير مبال، "كل يوم كان الشيء نفسه: الضرب في الصباح والاغتصاب في المساء".
 

كل يوم "العميد، ثم عندما ينتهي، يدخل الثاني، والثالث، والرابع... صرخت ولكن من الذي سمعني؟ من يستطيع أن يسمعني؟" تقول الشابة وهي تغرق بالبكاء...
 

///ويذكر أنه منذ بداية الثورة السورية تم اعتقال أكثر من 50.000 امرأة وتم اغتصاب أكثر من 90 % منهن وتم تصويرهن أثناء الاغتصاب وإرسال الفيديوهات إلى أهالي المعتقلات في أقبية المخابرات السورية///
في سوريا، وعلى الرغم من فظائع النظام، فإن عدداً قليلاً من النساء يجرؤ على الكلام).

 

مناشدة ماكرون للتدخل

بعد أيام من بث الفيلم / الصاعقة نشر المفكر الفرنسي فريدريك لونوار رسالة بعث بها إلى رئيس بلاده ماكرون، هذا نصها:
السيد رئيس الجمهورية،
الاغتصاب باعتباره سلاحاً من أسلحة الحرب في سوريا، جريمة مرت بصمت (تم تجاهلها) منذ بداية الثورة السورية عام 2011.

 

عشرات الآلاف من النساء السوريات كن ضحايا، ولا تزال الآلاف في سجون النظام السوري اليوم حيث يعانين من أسوأ الانتهاكات.
 

الاغتصاب يمثل "تابو" (موضوعا محرما) في سوريا، وهؤلاء النساء يتعرضن لخطر مزدوج، وعندما يطلق سراحهن من السجن، يواجهن برفض أسرهن أو يبتن ضحايا جرائم الشرف.
 

للمرة الأولى، تجرؤ بعض النساء على الكلام، وأحيانا مع وجه غير مغطى (مكشوف)، في الفيلم الوثائقي "سوريا، الصرخة المخنوقة" الذي بث على قناة "فرنسا 2" يوم الثلاثاء 12 كانون الثاني/ديسمبر 2017، الساعة 11 مساء، وهو فيلم من إخراج "مانون لوازو، والكاتب المشارك "إنيك كوجيان"، بمساعدة الباحثة الليبية "سعاد وحيدي".
 

في هذا الفيلم، تروي النساء السوريات بألم ما عانينه من الاعتقال، مع ذكر أسماء الجناة وأماكن التعذيب. لقد كانت سياسة الاغتصاب سلاح حرب متعمدا (مدروسا) وممنهجا منذ بداية الصراع لكسر الثورة والمجتمع السوري. (كان الاغتصاب) جريمة كاملة لأن الضحايا لا يتكلمن أبدا.
 

جميع النساء اللواتي قدمن شهاداتهن كن أمهات وربات أسر، في يوم من الأيام كن يحلمنّ، كان لديهن أمل كبير في أن تكون الديمقراطية والحرية بمتناول أيديهن، فخرجن إلى الشوارع ليتظاهرنّ مع أولادهن وأسرهن، لقد قمن أحيانا بتصوير صحوة (هبة) شعبهن. ثم وصل القمع، بسرعة، بسرعة كبيرة، وحشية وحشية جدا. لذلك كن يتولين تضميد جروح المصابين، وأحيانا حتى جروح جنود جيش النظام، لقد حاولن إنقاذ الأرواح، ثم ألقي القبض عليهم، وتحول مصيرهن إلى الظلام (المجهول) والوحشية.
 

إذا كن قد تجرأن اليوم على كسر الصمت، مع كل المخاطر التي ينطوي عليها ذلك، فلأنهن يردنّ تحدينا، ويردنّ أن نساعدهن في النهاية، نحن أمم الغرب، من أجل التأكد من أن نظام بشار الأسد أطلق سراح جميع النساء اللواتي ما زلن محتجزات، وأن الجناة سيتلقون يوما جزاء جرائمهم.
 

ولأننا لا نستطيع أن نواصل صم آذاننا عن معاناتهن وندائهن، نطلب منكم، السيد رئيس الجمهورية، أن تساعدوا على إسماع أصواتهن وأن تبذلوا كل ما في وسعكم للوصول إلى تحرير آلاف النساء ممن لازلن رهن الاعتقال في سوريا.
مع تقديرنا الفائق.

1 + 2 =