يخافون الفلسطيني حياً ويخافونه ميتاً
13 شعبان 1439
نردين أبو نبعة

الغربة صباحها وحشة بلا رائحة قهوة! ليلها رسائل مقروءة وأنفاس مرتعشة.. نصفها جنون وجنونها عقل! يوسف.. عين رأسه في ماليزيا.. أما عين قلبه فترنو للقدس! عندما أخبرني صديقي بأن يوسف قد مات وعلينا أن نقوم بإجراءات كثيرة لأن وصيته أن يُدفن في فلسطين.. ساعتها انعقد لساني ولم أعلق على ما قال! أحسست أن الكلمة قزمة لا يمكن أن تطاول الحدث!

 

عندما رأيته ممدّداً في ثلاجة الموتى، بجسد غض نحيف، بسمرة خفيفة، بملامح دقيقة وبابتسامة ساخرة بكيت! شاب في الثلاثينات من عمره، سرق الاحتلال طفولته وسرقت الغربة شبابه! لملمتْ الصورة الباردة حكايا ساخنة كان يحكيها لي في كل مرة ألتقي به. في كل مرة يتذكر حادثة أو مشهداً تاه في زواريب الذاكرة، ينفض عنه الغبار ويعيده متألقاً حياً!

 

يتذكر فلان أو فلانة، يضيف بعض المشاهد التي تسربت دون أن يدري، يتجاهل بعض المشاعر لأنه لا يقوى على استعادتها، فما حصل له في قريته المهجرة عصي على النسيان وأقرب للخيال، في كل مرة ينفتح الكلام.. يرتعش، يضطرب، يحدق طويلاً.. ثم يلقي بذاكرته أمامي ويتجول في زواريبها.. يخرج كل ما في جعبته.

 

كان يجهز نفسه لفصل الصيف ككل سنة، يلتقي بأمه العمياء وشقيقاته الخمس. قبل أيام فقط ذهبت بصحبته إلى البريد ليبعث برقية إلى أمه يخبرها بموعد حضوره. الحكايا الساخنة تخرج الآن.. أسمعه يحكي عن قصة اقتلاعهم من قريته.. كان أبي مع ثلة من المجاهدين، ٤٠٠ مقاوم فلسطيني يحملون بنادق خفيفة ولأن أبي نجاراً دهن البواريد ولّمعها ولبّسها وجه خشب وانطلق مع المجاهدين وهو يوصينا بألا نخرج مهما كانت الأسباب!

 

خرجت أمي ولم تغلق الباب، تركنا كل شيء وراءنا، لم نطعم العنزات ولا الدجاجات. ولم نترك لهم طعاماً، خرجنا بعد صلاة العصر وكان ليهود قد دخلوا البلد عند آدان الفجر تقريباً

 

خرجنا وأمي وأخواتي الست، كنت أمسك بثوب أمي من الخلف، حافي القدمين، زائغ العينين، كلما مشيت خطوة نظرت للوراء علني أرى أبي! وضعت أمي أختي الرضيعة في سلة قش على رأسها.. أخواتي الخمس كن خلفها يركضن بفزع بعدما رأوا العروس وعمها ملقيين في وسط البلد (عرس تزوجت حديثاً قتلها اليهود برصاصة في فمها فاندلق لسانها إلى الخارج وزوجها كان مع المجاهدين) أتى اليهود بالعروس القتيلة وعمها ووضعوها في وسط البلد ليثيروا الرعب في قلوبنا!

 

خرجت أمي ولم تغلق الباب، تركنا كل شيء وراءنا، لم نطعم العنزات ولا الدجاجات. ولم نترك لهم طعاماً، خرجنا بعد صلاة العصر وكان ليهود قد دخلوا البلد عند آدان الفجر تقريباً، احتلوا القسم الجنوبي من البلد.. ورويداً رويداً دخلوا وسط البلد وطوقوها من جميع الجهات وأخذوا يطلقون النار على كل شيء يتحرك..

 

أخذوا يلقون القنابل داخل المنازل ومع هذا بقيت أمي في المنزل ولم تخرج بناء على وصية أبي بألا نخرج، لكن عندما بدأ القصف بالطائرات ودخلت المصفحات براً وجواً في ٢٣ تموز ١٩٤٨ وفي عز الحر حملتنا أمي وهربت والنيران تلحقنا من مكان إلى آخر وقد أضحت البلد خالية تماماً من أهلها.

 

أمي تركض وصوت أبي في أذني: إياكم أن تخرجوا مهما حصل.. أردده لأمي: أبوي قال لا تطلعوا.. فتشد يدي وتسرع أكثر وأكثر. قريتنا سقطت بعد ثلاثة أشهر من سقوط حيفا.. فقد شكلت مع قرى عين غزال وجبع ما سمي بالمثلث المرعب؛ لأن هذه القرى صدت الهجمات الصهيونية ومرغت أنف الصهاينة وأسرت عدداً كبيراً منهم.. ليس هذا فحسب بل لقد منعت حركة مواصلات العدو الصهيوني على امتداد الطريق الساحلي!

 

كنا موحدين وصامدين وكان معنا الجيش العراقي الذي بقي معنا ثلاثة أشهر يمدنا بالمواد الغذائية وبعض الذخيرة.. كانوا يهرّبون لنا الذخيرة على الجمال.. ومما زاد في معنوياتنا أن الجيش العراقي القريب منا طرد اليهود من جنين وانتصر عليهم.. ولكن هذه المرة وعندما استنجدنا بالجيش العراقي القريب منا، وكنا نجري الاتصالات معهم عبر جهاز اللاسلكي.. كان الرد يأتينا من قائد الوحدة: ماكو أوامر.

 

طبعاً بعد ذلك اكتشفنا أنّ ثمة قراراً متخذاً من قبل قادتهم بعدم التدخل! ونفدت الذخيرة وتخلى عنا الجيش العراقي ولم تأتِ نجدات من الجيوش العربية كما وعدنا! فهربنا والنيران تلحقنا.. خرجنا عصراً من قريتنا.. ووصلنا صباح اليوم التالي إلى قرية مجاورة ليس معنا ماء ولا طعام ولا ثياب.. حفاة.. شعثاً. الناس يتدافعون.. الصغار يبكون.. الشمس دبوس ينخر الأجساد والرؤوس.. جاء الجيش العراقي لينقلنا إلى جنين.. لكن أمي رفضت أن تركب حتى يعود خالي.

 

أدخل الآن إلى بيت يوسف وكأنني أدخله لأول مرة.. أتأمل اللوحات التي يمتلئ بها بيته.. لوحة علّق عليها قوشان أرضه في فلسطين.. مفتاح الدار التي لم تُغلق
رجع خالي محمد، نظراته زائغة بلا قرار.. سمعت خالي يقول: البلد بلد أشباح يختي، شُفْتْ ست ختيارات محروقات ما عْرِفْتِشْ أميِّزْهنْ، متْكوْمات فوقْ بعضْهن، النّار لسّه مْشَعْلِة في البلد! عندما وصلنا جنين قال قائد القوات العراقية لأهالي جنين.. إن الذي تعلمناه في الكليات العسكرية في سنتين وأكثر تعلمه أهالي جنين في شهرين.. لقد استماتوا في الدفاع عن أرضهم! في جنين التقى الوصي على العراق بالأهالي ودعاهم ليكونوا ضيوفاً على العراق لمدة بسيطة إلى أن يُطرد اليهود.. صعد الناس إلى عربات الجيش العراقي.. الذين صعدوا هم كبار السن والأطفال والنساء.. أما الشباب فظلوا ولم تُعرف أي أخبار عن أبي! ظل خالي مع الشباب.. صعدت أمي وهي توصيه أن يبحث عن أبي!

 

لحق أبي بخالي في جنين.. ثم وصلا مع مجموعة من أهالي المهجرين إلى بغداد! أنزلونا في مدارس دار المعلمين.. بقينا في المدارس مدة بسيطة، ثم نقلونا إلى بيوت مهجورة كان يسكن فيها يهود عراقيون غادروا إلى فلسطين! ما زلت أسمع صوت الرجال في المدرسة التي نزلنا فيها بداية.. يتحدثون عن الإنجليز الذين كانوا يقصفون القرى مع اليهود، عن السلاح الفاسد واليهود والحكام العرب والمؤامرة الكبرى.. يتحدثون عن الخيانة والطعن في الظهر، أصواتهم ما زالت ترن في أذني!

 

أدخل الآن إلى بيت يوسف وكأنني أدخله لأول مرة.. أتأمل اللوحات التي يمتلئ بها بيته.. لوحة علّق عليها قوشان أرضه في فلسطين.. مفتاح الدار التي لم تُغلق.. تدخل طفلته حنان ذات الأربع سنوات فجأة.. تجلس في حضني.. أشتم رائحة يوسف من خصلات شعرها الأسود وعينيها الخضر

اوين.. أخذنا جوازات السفر من زوجته لنرتب لهم إجراءات الخروج من ليبيا وحمل الجثمان إلى عمان ومنها لفلسطين!

 

عندما اتصلت بزوجة يوسف في عمان كي أطمئن عليها وأعرف هل دخل جثمان زوجها إلى فلسطين أم لا.. جاء صوتها هشاً ضعيفاً: أخرجوه حياً ورفضوه ميتاً! لقد رفضت إسرائيل دفنه في فلسطين لدواع أمنية! قلت لها وأنا أمثل القوة: كنا نعرف النتيجة مسبقاً، الصهاينة يخافون الفلسطيني حتى وهو ميت،.. يخافونه حياً ويخافونه ميتاً.

 

مهداة إلى الشهيد فادي البطش.

 

1 + 0 =