صناعة الكاتب
10 ذو القعدة 1439
أحمد العساف

لصناعة الكاتب حضور قديم في تراثنا الحضاري، وألّفت فيه كتب طويلة ومختصرة، كما حظي النّابهون بعناية فائقة ممّن حولهم؛ لينالوا شرف الحياة مع القلم وليس التّكسّب الآثم به، وليبلغوا عزّ الكتابة بالتّأثير والخلود، وأصبح للكتّاب مكانة بارزة، حيث تبّوأ بعضهم مناصب خطيرة، وغدوا من رجال الدّولة، كما أشار الجهشياري في كتاب الوزراء الكتّاب.

 

 

ومع التّدهور الحضاري، ضمر الاهتمام بصناعة الكاتب لأسباب منها:

    التّراجع المعرفي الذي أصاب الثّقافة العربيّة وحملتها.
    انصراف جلّ النّاس لشؤونهم اليوميّة.
    المشكلات التي تصاحب مهنة الكتابة وعمل الكاتب، والمصير المخيف لبعضهم.
    الخوف الزّائد على الثّوابت، وهو علامة على ضعف البناء العلمي والإيماني، ونقص الوعي.
    انصراف الحكومات عن هذا الهاجس، وخوف بعضها من صناعة معارضين، أو حتى مستقلين.

 

 

وليس من الدّقة والإنصاف تحميل طرف واحد مهمّة صناعة الكاتب، وما يترافق معها من نواقص وموانع؛ فصناعة الكاتب عمل يمكن أن يؤديه القطاع الحكومي، أو القطاع الخاصّ، أو القطاع غير الرّبحي، أو أصحاب الاهتمام من الأفراد، ويمكن أن يجتمع عليه بعض هؤلاء، فتتكامل جهودهم، وتنضج ثمارهم، وهو الأفضل، والأنفع، والآمن.

 

 

وأتصوّر أنّ المجتمع العربي جاهز لاستقبال مشاريع صناعة الكاتب، والتّفاعل الحميد معها، وينتظر من ينهض لها وبها، فكثيرًا ما يرد السّؤال عن الكتابة، وصناعتها، وبرامجها التّدريبيّة. وأجد لهفة من الشّباب والفتيات على الكتابة، وإقبالًا كبيرًا على برامجها، ولاحظت ذلك أثناء مشاركتي في إدارة بعضها، أو التّدريب على الكتابة، أو من خلال التّواصل مع المهتمين، ومتابعة بعض الأنشطة الثّقافيّة، وأذكر أنّي سمعت مسؤولًا عن أحد الأندية الأدبيّة، يقول عبر الإذاعة: لقد ذهلنا من الأعداد المتقدمة لبرنامج واحد حول كتابة الرّواية!

 

 

والمشروع المرتبط بالكتابة والكاتب عمل مهاري صرف، وشرط نجاحه خلّوه من أيّ حمولة فكريّة، وارتباطه الوثيق بالأدوات، والتّقنيات، والجوانب الفنيّة، التي يتلقاها المشارك أيًّا كانت حضارته، ولغته، وبلاده، دون أن يجد أحد منهم نكيرًا في نفسه تجاهها، أو تقف في حلقه غصص موروثة ضدّها، ولن تعدم الحسناء مذمّة ظالمة!

 

 

ولا يعني هذا انتفاء القيم من هذه البرامج والأنشطة، فالصّدق، والعدل، والموضوعيّة، وغيرها من أخلاق كريمة مطلوبة من الكاتب، ولا يكاد يختلف حولها أحد نظريّاً على أقلّ تقدير، وإنّما تصاب هذه الصّناعة الرّاقية بمقتل؛ حين تنوء بأعباء فكريّة ثقيلة، فالأصل تعليم النّاس الطّريق، وكلّ أحد مسؤول عن كيفيّة سلوكه، وعمّا يعمله بناء عليه. وإنّ تحرير أيّ مشروع تنموي من الارتباط الفكري، يعين على نجاحه، وكم من فشل أصاب مشروعات صناعيّة، واقتصاديّة، وثقافيّة، واجتماعيّة؛ لأنّها كانت ستارًا لنشر أفكار، وجلب عادات، وتغيير أخرى.

 

 

وقد كتبت قديمًا برنامجًا مقترحًا لصناعة الكاتب، وسبق تنفيذه غير مرّة، وهو الآن في طور التّحسين وإعادة التّنفيذ، وتقوم محتوياته على أربعة محاور أساسيّة هي:

 

المحور الأول: التّدريب بطرق مختلفة على التّفكير، والقراءة، والبحث، والكتابة.

 

المحور الثّاني: التّطبيق العملي أثناء التّدريب وبعده.

 

المحور الثّالث: التّقويم العلمي والتّحسين المستمر.

 

 

المحور الرّابع: التّسويق والنّشر.

ويكاد أن يكون المحور الأوّل نادرًا إلّا من تجارب قليلة في الرّياض والكويت وجدّة حسب إطلاعي، وقد يوجد غيرها، بيد أنّها تظل في مربع النّدرة، أو تكتفي بالتّدريب على الكتابة فقط دون ما يسبقها وهو من لوازم إتقانها، وكم نحتاج لهذه البرامج؛ ففرنسا على صغر حجمها، يوجد فيها مئات البرامج التّدريبيّة على الكتابة، بينما نضطّر في عالمنا العربي الفسيح إلى عمليات تنقيب شاق كي نجد المتوافر والمتاح منها.

 

 

وأمّا المحور الثّاني فمخدوم بسبب انفتاح الانترنت، وكثرة منصّات النّشر، وانتفاء الاحتكار كما كان فيما مضى، والمحور الثّالث مفقود بدرجة كبيرة؛ لانحسار النّقد الهادف تبعًا للمجاملة أو التّحامل، وغفلة بعض الكتّاب أحيانًا عن تطوير أنفسهم، وهذا المحور تؤديه أندية الكتّاب، وروابط الأدباء والمفكرين، لو كانت موجودة وفاعلة، فضلًا عن النّاصح الصّادق العارف من الأصدقاء وغيرهم، وأمّا المحور الرابع فلّجة مظلمة تغرق من يخوض فيها دونما بصيرة، وربّما تقذف به بعيدًا عن هذا العالم الفكري والعلمي؛ لكثرة الغشّ، والتّدليس فيها.

 

 

وسوف تنجح صناعة الكاتب حين تراعي عدّة أمور على رأسها:

    أن ينتقى المشاركون بناء على الأهليّة طبقًا لمعايير علميّة وفنيّة، بعيدًا عن أيّ محرّكات فئويّة.
    أن يقوم عليها خبراء أصحاب تجربة من أهل صنعتي الكتابة والتّدريب.
    الالتزام بالمهنيّة في العمل بعيدًا عن أيّ إطار.
    الشّموليّة في الجوانب النّظريّة التي يحتاجها الكاتب.
    احتوائها على أدوات وتقنيات وليس معلومات فقط.
    إتاحة التّدريب العملي مع التّقويم والتّطوير أثناء البرنامج وبعده.
    الالتزام بالمساندة المعنويّة والماديّة والنّظاميّة.
    تعاون مؤسسات حكوميّة ومجتمعيّة وأهل التّجربة.
    تسهيل النّشر في المنصّات الأكثر جاذبيّة ومتابعة.

 

وأتمنّى أن يكون هذا العمل المؤثّر من صلب اهتمامات مؤسسات الثّقافة، فلا معنى للثّقافة ألصق من القراءة والكتابة، ولا أنفع للبلاد والمجتمعات، من انتشار القراءة الواعية، والكتابة المسؤولة، والتّفكير السّليم، والله يعين المسؤولين فيها على ما كلّفوا به؛ حتى يؤدّوا الأمانة على الوجه الصّحيح، ولا يخلطوا بين الثّقافة وما دونها.

 

كما أنّ الجامعات، والمكتبات العامّة، والجمعيّات العلميّة، وأندية القراءة، والنّوادي الأدبيّة، يمكن أن يكون لها يد طولى فاعلة في هذا الشّأن، وستجني هي والمجتمع بأسره من ثمار هذا الغراس الطّيب، أدبًا، وثقافة، وفكرًا، وعلمًا، وياله من نتاج لذيذ يغري كلّ ذي لب أن ينال نصيبه منه غير منقوص، وكم ترك الأوّل للآخر.

 

وبمرور الوقت، مع مزيد الأناة والصّبر، وتكرار هذه البرامج، ومتابعة المشاركين فيها، سيكون المنتج المحلي آية في الإبداع والتّجويد، ويمتلك أصالة وعمقًا، وقدرة إبداعيّة على صناعة الفكرة، وبالتّالي فسوف يتجاوز الخريطة الإقليميّة إلى منافسات عالميّة، وجوائز مشهودة، وآمل أن يكون هذا الطّرح مع غيره سببًا لانتشار هذه البرامج، وإتاحتها لمن يستحق ممن تنطبق عليهم شروط المشاركة فيها، والتي تنحصر في طلاّب وطالبات المرحلة الجامعيّة، مع وجود الرّغبة، والجديّة، والشغف الثّقافي، والجرأة على التّجربة.

 

 

المصدر/ الموقع الشخصي للكاتب

6 + 1 =