12 رمضان 1434

السؤال

حين أمر عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ أبي بن كعب للصلاة أنكر ذلك، وقال: ذلك شيء لم يكن .. كما في هذا الحديث<BR>عن أبي العالية عن أبي بن كعب _رضي الله عنه_ أن عمر أمر أبي أن يصلي بالناس في رمضان، فقال: إن الناس يصومون بالنهار ولا يحسنون أن يقرؤوا, فلو قرأت القرآن عليهم بالليل, فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيءٌ لم يكن. فقال: قد علمت ولكنه أحسن, فصلى بهم عشرين ركعة.<BR>أخرجه الضياء المقدسي في (المختارة 3/367 رقم1161)، وقال: محققه ... إسناده حسن – و(كنز العمال 8/409/34719).<BR><BR>وفي حديث البخاري حين قال عمر: "نعمت البدعة هي"... فقد فسرها أهل العلم بأنها بدعة لغوية. <BR>وما هي البدعة اللغوية !! .. إن البدعة لها معنى واحد فقط .. هو إحداث أمر جديد لم يسبق إليه ..<BR><BR>فقول عمر _رضي الله عنه_ لأبي : قد علمت ولكنه أحسن ... إذن فهو علم إنها بدعة لكنه استحسنها، وهذا أحد اجتهاداته _رضي الله عنه_ كما هو معروف.<BR><BR>أرجو إفادتي يا شيخ _جزاك الله خيراً_ .. أرجو أن ترد علي لأني لم أجد رداً من أي شيخ .. فالكل يقول نفس الكلام بلا إجابة على تلك الاستداراكات.<BR><BR>وللعلم صلاة التراويح لم يجمع عليها المسلمين، فهناك صحابيان وعالمان عارضوا التراويح في المسجد.<BR>أما الصحابة فهم أبي بن كعب _رضي الله عنه_ كما تقدم.... و ابن عمر _رضي الله عنه_.. وأبو أمامة الباهلي _رضي الله عنه_<BR>وكذلك الإمام الصنعاني في (سبل السلام) والإمام صديق حسن خان في (فتح العلام).<BR>

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اله وبعد،
فإن الأثر الذي أشكل عليكم وهو عند الضياء في المختارة، ذكره أهل العلم، وقالوا: "مراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها فمنها أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً.."ذكره ابن رجب، وعلى كل هذا الأثر الذي أشكل عليكم ضعيف لا تثبت به حجة، بل الصواب أنه منكر، فهو من رواية أبي جعفر عيسى بن ماهان الرازي عن الربيع، وأبوجعفر مختلف فيه وأحسن أحواله أنه صدوق سيء الحفظ، غير أنه منكر الرواية عن الربيع، فقد نص غير واحد من الحفاظ أن الناس كانوا يتقون من حديث الربيع ما كان من رواية أبي جعفر، وقالوا كل ما في أخبار الربيع من مناكير فهي من جهة أبي جعفر، وقد كان أبو جعفر يتفرد بالمناكير عن المشاهير.
وقد ضعف الحديث غير واحد من أهل العلم، منهم الألباني في التراويح.
كما أن الجملة التي أشكلت عليكم بغير التأويل الذي ذكره ابن رجب وغيره، تخالف صريح النصوص الصحيحة التي جاءت في الصحاح واتفق عليها الشيخان، فقد ثبت عند البخاري ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان.
وجاء عند الترمذي وغيره عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فلم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح قلت له وما الفلاح قال السحور قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. وزاد أبو داود والدارمي وغيرهما قوله: ثم لم يقم بقية الشهر.
فكل هذه أحاديث صريحة تفيد أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ صلى التراويح بالمسلمين جماعة _والحمد لله_.
أما قول عمر _رضي الله عنه_: "نعمت البدعة"، فهو مثل قول ابن عمر _رضي الله عنهما_ في صلاة الضحى عندما سئل عنها فقال: بدعة ونعمت البدعة، وهذا الأثر عند ابن أبي شيبة وقد صححه ابن حجر في الفتح، قال ابن كثير –وغيره من أهل العلم _عليهم رحمة الله_: "والبدعة على قسمين؛ تارة تكون بدعة شرعية، كقوله فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وتارة تكون بدعة لغوية: كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم نعمت البدعة هذه".
والبدعة في الشرع تطلق على مقابل السنة وهي الإحداث في الدين ما ليس منه وإطلاقها في اللغة أعم فيشمل هذا وكل ما كان على غير مثال، فاتخاذ المخترعات الحديثة كالسيارة مثلاً بدعة من حيث اللغة، ولكن أصول الشرع تفيد حلها لأنها ليست في الدين، وما صنعه عمر –رضي الله عنه- له أصل في الشرع كذلك، ولكن لم يكونوا جماعة على إمام واحد، بل كانوا يصلونها جماعات متفرقة أو في البيوت أو منفردين، وليست في كل الشهر، وهذا أيضاً ما أراده ابن عمر في صلاة الضحى فقد قصد الاستمرار والمواظبة عليها، وقد روى مالك في الموطأ وغيره عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل فجمعهم على أبي بن كعب قال ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يعني آخر الليل.
فثبت أن الناس كانوا يقومون أوله فجاء عمر فجمعهم على إمام واحد ورتبها لهم في الشهر أجمع وهذا ما لم يكن قبل، ولهذا سميت بدعة من حيث الإطلاق اللغوي فما صنعه جديد، وإن كانت أصول الشرع تدل عليه أو جاءت به. قال ابن رجب –رحمه الله- في جامع العلوم والحكم: "وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة" ولهذا قال شيخ الإسلام: " أما صلاةَ التراويح فليست بدعةً في الشريعة ، بل هي سنة بقول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وفعله ، فإنه قال : " إن الله فرض عليكم صيام رمضان ، وسننت لكم قيامه " ، ولا صلاتها جماعة بدعة ، بل هي سنة في الشريعة ، بل قد صلاها رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين ، بل ثلاثا. وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات ، وقال : " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة " ، لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن ، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد .
وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام ، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقاً ، وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده _صلى الله عليه وسلم_ و يقرهم ، وإقراره سنة منه _صلى الله عليه وسلم_".
هذا وأنبه إلى أنه جاء في بعض الروايات نص عمر بقوله: "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة" وقد أشار إليها المباركفوري في تحفة الأحوذي، وكذلك في العون ومن قبله ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وهي في كتاب الصيام للفريابي.
وأخيراً لا يفوتني التنبيه على ما ذكرته من أن هناك صحابيان عارضوا التراويح في المساجد...، فأما ما نقل عن أبي رضي الله عنه فلا يصح كما سبق ولو صح ما صح الاستدلال به، وكيف يستدل به وهو قد صلى بالناس بعد ذلك!
وأما أبو أمامة الباهلي _رضي الله عنه_، فقد نقل عنه كما في الأوسط للطبراني ما يفيد الأمر بالمداومة عليها، وفيه قوله: " وإنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها"، كما أن هذا الأثر ضعيف لا يثبت فإن فيه زكريا بن أبي مريم وهو ضعيف، ومن فهم منه أنها لم تكن قبل عهد عمر أو لم يجمع لها الناس قبله ففهمه مخالف للنصوص الصحيحة الصريحة التي تقدم ذكر طرف منها، وكلها تفيد صلاته _صلى الله عليه وسلم_ لها جماعة بل وإقراره الصحابة من بعده على صلاتها جماعة، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين