25 شعبان 1426

السؤال

سلام عليكم سؤالي: ما أهميه التاريخ الإسلامي لنا اليوم؟ وشكرا

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله وكفى ثم أما بعد: فإن لدراسة التاريخ وبالأخص الإسلامي فوائد كثيرة جمة, ولهذا عني القرآن الكريم وعُنيت سنة خير المرسلين _صلى الله عليه وسلم_ بقص أخبار الماضين, وذكر طرف من تاريخ الغابرين, بل أذن _صلى الله عليه وسلم_ في أن نحدث عن بني إسرائيل ولا حرج, وكل ذلك يدل على أهمية الاعتبار بأخبار السالفين ولعل ذلك يدخل في عموم الأمر "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا..."(النمل: من الآية69) في نحو أربع آيات من القرآن, فالسير سير حسي ومعنوي, وكذلك النظر. ولعل من أهم فوائد دراسة التاريخ الإسلامي الظاهرة ما يلي: 1. معرفة أخبار الأنبياء والمرسلين وحسبك بهذه فائدة تزيد الإيمان, فإن من الإيمان بالرسل معرفتهم, وقراءة ما أُرخ عنهم من جملة الأسباب المعنية على ذلك ولا سيما كتب التواريخ التي تهتم الأسانيد أو تذكر الصحيح. 2. معرفة أخبار المجددين والمصلحين, فإن العلم بأحوال هؤلاء يرفع الهمة, ويدفع اليأس, ويبقي في النفس أملاً, بل يوقد فيها جذوة العمل الدؤوب لأجل الإصلاح والدعوة. 3. معرفة عوامل قيام الدولة وأسباب سقوطها, فالتاريخ يلخص لك حقبة كاملة وعمر دولة عظيمة في سطور, والدول شأنها في هذه الحياة شأن كل شيء يجري عليها قانون للأسباب, ونواميس الكون وسننه فالمتأمل في صفحات التاريخ يلحظ سبب نشؤها ويجد أسباب قوتها, ويلمس أسباب ضعفها, ويرقب أسباب موتها أو قتلها. وإنك لتعجب عندما تجد حسن استقراء بعض الأئمة للتاريخ الغابر ومن ثم حسن انتزاعهم منه نواميس وقوانين يحكمون بناءً عليها فقل أن يخطأ حدثهم. فهذا ابن القيم الإمام يخبر عن شيخ الإسلام أنه أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة, وأن جيوش المسلمين تكسر, وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام, وأن كلب التتر يكون في الأموال, وهذا كله قبل أن يهم التتار بالحركة, ثم أخبر الناس والأمراء سنة ثنتين وسبعمئة لما تحرك التتار, وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم, وأن الظفر والنصر للمسلمين, وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يميناً, فيقال له: قل: إن شاء الله , فيقول : إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً, قال ابن القيم: وسمعته يقول: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا, كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة, وأن النصر لجيوش الإسلام, إلى أن قال ابن القيم: وكانت فراسته الجريئة في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر, قلت صدق الله: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين), ولكن من يستطيع قراءة التواريخ والسنن مثل شيخ الإسلام ؟ غير أن الأصل باق فإن قراءة التاريخ ومعرفة السن تشير إلى شيء من واقع الناس المرتقب, وقد مرّت بنا أحداث عظام قبل نحو اثنتي عشرة سنة, توسم فيها بعض العالمين بالسنن وتواريخ الأمم ما يمكن أن تمسي عليه الحال في الفراق وما تاخمها فكان كما رؤي وما ذاك عن رجم بالغيب أو كشف معجز، بل هي السنن وقراءتها في تواريخ الأمم وأهل الإسلام, والله المستعان. ومن نحو هذا القسمة التي تنبأ بها شكيب أرسلان إثر معاونة بعضهم لأهل الاستعمار في التاريخ القريب. 4. ومن خلال قراءة التاريخ تؤخذ المواعظ والعبر, ويذكر الناس ويرعوا, فإن الأمثلة الحية الواقعية والنماذج التي كانت ملء السمع والبصر, تؤثر في النفوس أخبارها. • فيرعوي المقصر المفرط حين يرى المثلات التي نزلت بالناس من قبله. • وينشط الخامل الكسول عندما يرى أحوال أئمة الدين من العلماء العاملين, والعباد الصالحين والأئمة المرضيين. • ويجد الخطيب أو الداعية نماذج تفيده في بيان عاقبة من امتثل الأمر والنهي, ونهاية من أعرض عن الذكر, كما يجد الموعظة الحسنة والحكمة البليغة. 5. ومن فوائد قراءة التاريخ طرد روح العجز وإبعاد الخور, وملء النفس بالتفاؤل وبث الأمل فيها وفي المجتمع, فكم من أمة بلغت من العتو والاستكبار مبلغاً فجاءها أمر الله ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس "وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ", "فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ", وكل ذلك في التاريخ المذكور مفصّل مأثور. هذا وكم من إنسان قرأ في تاريخ الإسلام ففاضت عينه ورق قلبه, وارعوى عن إثمه وترك غيه. فلا عجب أن ترى الدعاة الموفقين ليتلون من تاريخنا ما يكون لهم خير عون في هداية الناس. وفي قراءة التاريخ فوائد أخرى غير ما ذكر يعرفها من اشتغل به وأحسن قراءته وفق منهج مرضي لا يتسع المقام لبسطها, غير أنه يحسن التنبيه إلى أن الفائدة من التاريخ إنما تكمل إذا كان لدى المرء منهج وفهم عند قراءته فيعرف ماذا يقرأ وماذا يترك وكيف يحكم ويقيم ما يقرأ. أما من يقرأ ثم يأخذ ما هب ودب فقد يسيء ولهذا كان جديراً بمن أراد الانتفاع من التاريخ والسير أن يقرأ مقدمات في فهمها على أهل العلم الراسخين حتى تكمل فائدته, والله أعلم وأحكم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبدالعزيز بن باز رحمه الله
عبد الله بن حميد
عبد الرزاق عفيفي رحمه الله
عبدالعزيز بن باز رحمه الله