20 رمضان 1426

السؤال

مشكلتي أنني لا أستطيع المواجهة, بمعنى أنني في بعض الأحيان أهرب من المشكلة ولا أواجهها، ولا أفصح عنها لأحد, وأكون قلقة جدا وغاضبة ولا أحد يعلم ما بي, إنني لست راضية عن نفسي, أرجوكم ساعدوني.

أجاب عنها:
د. خالد رُوشه

الجواب

بداية أرى أنه من الإيجابية بمكان ملاحظتك لمشكلتك وتحديدها والبوح بها وهذا في حد ذاته خطوة لازمة في سبيل الحل, إضافة إلى ذلك فإنك قد وصفت مشكلتك توصيفا دقيقا – بحسب رؤيتك – وهذا أيضا يضاف لإيجابيتك في ذلك, وكان توصيفك لها كالتالي: أن مشكلتك تحديدا هي: ضعف القدرة على المواجهة بالعموم سواء للمشكلات أو للأزمات المفاجئة أو للصدمات.. وسعيك للهروب منها بطرق مختلفة. كذلك فإنك تستخدمين الكتمان كحيلة نفسية داخلية للهروب من المواجهة وذلك يسبب لك عدم الرضا النفسي الداخلي الذي هو نتيجة مباشرة لذلك الكتمان والهروب. وأحب في البداية أن أثبت هنا أن كل واحد منا لديه شعور نفسي بكره المشكلات والأزمات والمصائب وأن جميعنا يود لو ابتعد كليا عن مشكلاته وأزماته, ولكن الأمر يختلف نسبياً بقدر أهمية حل تلك المشكلة لاستمرار الحياة والإنجاز, ومن هنا فإن الهروب من بعض المشكلات لا يمكنني أن أنظر إليه أنه عرض مرضي, وإنما الخطر والمرض إذا صار الأمر صفة دائمة هي الهروب الدائم من المواجهة.. ونحاول الوقوف على بعض أسباب تلك المشكلة ومن ثم طريقة العلاج: أولا: الأسباب: يتولد الشعور الداخلي بعدم القدرة على المواجهة من خلال وجود بعض الأسباب المتعاضدة والتي بدورها تدفع الشخص – لا شعوريا - إلى استخدام ذاك الأسلوب المشكو منه (أسلوب الهروب) ومن أهم تلك الأسباب ما يلي: 1- فقدان الدعم النفسي: وأعني به هنا ما ينتج من شعور المرء بوحدته وقلة أو انعدام المقربين إليه ومن يشعرونه بالدعم الحقيقي وبالوقوف بجانبه في مشكلاته وأزماته المتعاقبة, سواء كان هذا الدعم من الوالدين أو الأصدقاء المقربين أو المربين أو غيرهم.. فيتولد عنده شعور بالخوف من المواجهة لما قد يحصل له.. 2- الخلفية الذهنية التاريخية: وأعني بها الأحداث التي تعرض لها الشخص من قبل من خلال تجاربه السابقة وخصوصا في مرحلة طفولته ومراهقته فالشخص الذي تعرض لبعض المواقف المزعجة والمؤلمة وذات النتائج المحبطة في سنوات عمره الفائتة تراكم لديه شعور الكراهية المتزايد تجاه شتى المشكلات التي تمر به من دون تمييز لنوعية تلك المشكلة, فتراه عازفا بالكلية عن مواجهة مشكلاته, مهما صغرت وضعف أثرها. 3- التأجيل: بمعنى تأجيل البت في مشكلته وإبعادها عن جدوله اليومي العملي, فتأجيلها يكبرها في عينه ويشعره بثقلها على نفسيته, ومن ثم يهرب من مواجهتها, ولاشك أن تأجيل النظر في مشكلته والبحث فيها لحلها ومواجهتها يتعلق هو الآخر بما ذكرناه في السبب الأول من العامل التاريخي 4- الحساسية الشخصية المفرطة: وأعني بها أن معظم الشخصيات التي تهرب من مواجهة مشكلاتها هي شخصيات لا تحب النقد, وتتأثر به بشكل كبير جدا, وعلى النقيض فهي تحب المدح والتجمل أمام الآخرين ومن ثم فهي تبتعد عن مواطن الاستهداف التي قد تكون في هذه المشكلة أو تلك..فتفضل النأي بنفسها عنها.. 5- الطبيعة الانطوائية: وأعني بها تلك الصفة التي قد تتميز بها الشخصية الغير محبة للمواجهة والمسماة بصفة (الانطواء), فتلك الشخصية الانطوائية لها عالمها الخاص بها والمتكونة عناصره ذهنيا في تصوراتها التي كثيرا ما تحب تشكيلها في وحدتها أو في خصوصيتها الخاصة.. وهي في ذلك تتفزع كثيرا إذا هتكت تلك الخصوصية بشيء يقلقها أو يفسد حياتها تلك الخاصة. ثانيا: طرق العلاج: 1- الدعم الإيماني: لاشك أنها الخطوة الأهم والأولى في طريق التقوية النفسية والدعم النفسي تجاه الشعور بالضعف, فالمرء بحاجة دائماً إلى الركون إلى جانب قوي قادر يستشعر بحمايته وحفظه كما يستشعر بقدرته على توفيقه وهدايته إلى صواب القول والفعل والتدبير, وما من ركن أقدر على ذلك من التوكل على الله _سبحانه_ واستشعار الاعتماد عليه والركون إليه وتفويض الأمر كله له لا إله إلا هو القادر العظيم, نواصي العباد بيده, ماض فيهم حكمه, عدل فيهم قضاؤه.. ومن ثم صار التوكل عليه _سبحانه_ أعظم العلاجات وأنجعها في الحل, قال الله _تعالى_: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا " والنبي _صلى الله عليه وسلم_ مازال ينصح أمته بذلك يقول: " إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ", فالمتوكل على الله _سبحانه_ تتضاءل أمامه كل المشكلات وتصغر في عينه أكبر الأزمات فهو يستطيع مواجهتها ويستطيع مدافعتها إذ إن لسان حاله يقول: " اللهم دبر لي فإنني لا أُحسن التدبير " 2- الصداقة المخلصة والأخوة في الله: فالمرء كثيراً ما يفتقر إلى صديق صدوق وأخ مؤمن مخلص يسدي إليه النصح ويعضد جانبه عند الضعف ويعينه ويثبته في الملمات والآلام, ومن وفقه الله إلى صديق مخلص ولأخ مؤمن فقد أعانه على كثير من أمره, فليبحث من يشكو تلك الشكوى عن أخوة إيمانية في الله صادقة باذلة تنصح في الخير وتعيين على الإيمان. 3- محاولة تغيير العادات: فهناك من العادات ما يساعد على تضخيم المشكلة في عين صاحبها كما يساعد على إشعاره بعدم قدرته على مواجهتها وإليك بعض النصائح العملية في ذلك: أ – سارعي بالبحث في مشكلتك وحاول تشخيصها جيدا بصراحة وحيادية تامة, وليكن ذلك بينك وبين نفسك فقط. ب – اسألي من هم أكثر منك خبرة عن مشكلتك وحاول تجميع آراءهم واستعراضها أمامك. ج – أمسك بورقة وقلم وضع الخطوط العريضة المقترحة للحل من وجهة نظرك. د – لا تؤجل مقابلة الناس المتعلقين بالمشكلة بل بادر بالمقابلة واللقاء واعلم – كما قال ابن حزم _رحمه الله – اللقاء في المشكلات يحل نصف أزمتها, ولتبدأ بلقاء غير الخصوم وغير المخالفين لرأيك ثم المخالفين ثم الخصوم وهكذا.. ه – اعلم أنك كلما بحثت في مشكلتك ونظرت فيها انحل جزء كبير منها.. وأن نهايتها قريبة جدا.. و – اجعل من مناجاتك لربك ومن استخارتك له _سبحانه_ والتبتل إليه وسؤاله عضدك الشديد وركنك الركين فاجعل إليه الملتجأ وبث له الشكوى وحده لا شريك له. ز – لا تتعجل في اتخاذ قراراتك بل تأن واصبر، واعلم أن النصر مع الصبر. س – الهروب والنوم وافتعال الانشغال عن مشكلتك لن يحلها فواجهها ولا تخش شيئا فكل الناس لديهم مشكلات وأزمات ومصائب وإنما الدنيا كبد ونصب والعاقل من استشار الخلق واستخار الخالق, فاعلم أن المواجهة أول خطوات النجاح. وأخيرا فليعلم كل من يهرب من مواجهة الناس أو عناصر المشكلات المحيطة به أن الفاشلين فقط هم الذين يهربون من واقعهم الذي يعيشون فيه وينسجون من خيالهم عالم كاذب غير واقعي ولكن الناجحين وأصحاب الإنجازات الكبيرة هم الذين يعيشون الواقع بكل عناصره الحقيقية ويواجهون متطلباته فتنفتح لهم آفاق جديدة.

أميمة الجابر
د. صفية الودغيري
د. صفية الودغيري