رمضان شهر الصبر (2)<font color="#FF0000"><sub>للشيخ الحمد</sub></font>

فضيلة الشيخ/ محمد بن إبراهيم الحمد  | 9/9/1424

الحمد لله الحق المعين، والصلاة والسلام على سيد الشاكرين الصابرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد كان الدرس الماضي يدور حول الصبر، وأثرِ الصيام في اكتسابه، وحولَ بعض الأنواع من الصبر.
والحديث ههنا سيكون حول نوعٍ عظيم من الصبر، وصورة عالية من صوره؛ ذلكم هو الصبر على أذى الناس؛ إذ إن من أعظم الصبر ما يحصل للإنسان بفعل الناس في ماله، أو عرضه، أو نفسه؛ فهذا النوع يصعب الصبرُ عليه جداً؛ لأن النفسَ تستشعر المؤذيَ لها، وهي تكره الغلبة؛ فتطلب الانتقامَ؛ فلا يصبر على هذا النوعِ إلا الأنبياء، والصديقون.
وهذا النوعُ من الصبر عاقبتُه النصرُ، والهدى، والسرورُ، والطمأنينةُ، والأمنُ والقوة ُ في ذات الله، وزيادة محبة الله، ومحبةِ الناسِ، وزيادةُ العلم.
فحري بنا معاشر الصائمين أن نربي أنفسَنا، وأن نوطنها على هذا الخلق الجميل؛ لنحظى بتلك الفضائل، وأضعافها، خصوصاً وأننا في شهر الصبر، وهو موسم فاضل، وميدان فسيح للتدرب على الصبر.
وهناك أمور تعين على هذا النوع من الصبر، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة لطيفة عنوانها ((قاعدة في الصبر)).
أحدها: أن يشهد العبد أن الله_تعالى_خالق أفعال العباد؛ فلا يتحرك شيء إلا بمشيئته؛ فانظر إلى الذين سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك تسترح من الهم والغم.
الثاني: أن يشهد العبد ذنوبه، وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه كما قال
_تعالى_: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).
وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه، ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار_ فاعلم أن مصيبتَه حقيقيةٌ، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي صارت في حقه نعمة.
الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر كما قال
_تعالى_: (وجزاؤاْ سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لايحب الظالمين).
ولما كان الناسُ عند مقابلة الأذى ثلاثةَ أقسامٍ: ظالمٍ يأخذ فوق حقِّه، ومقتصدٍ يأخذُ بقدرِ حقِّه، ومحسنٍ يعفو ويترك حقَّه _ذكر الأقسام الثلاثة في الآية؛ فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.
الرابع: أن يشهد أنه إذا عفا، وأحسن أورثه ذلك مِنْ سلامة القلب لإخوانه، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذته، ومنفعته عاجلاً وآجلاً على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافاً مضاعفة، ويدخل في قوله _تعالى_: (والله يحب المحسنين).
فيصير محبوباً لله، ويصير كمن أُخِذَ منه درهمٌ، فَعُوِّض عليه ألوفاً من الدنانير؛ فحينئذٍ يفرح بما مَنَّ الله عليه أعظم فرح يكون.
الخامس: من الأمور التي تعين العبد على الصبر على أذى الناس: أن يعلم أنه ما انتقم أحدٌ قطُّ لنفسه إلا أورثه ذلك ذُلاً يجده في نفسه؛ فإذا عفا أعزه الله، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله: (وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) رواه مسلم.
السادس: أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نَفْسََه ظالمٌ مذنبٌ، وأن من عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن غفر غفر الله له.
السابع: من الأمور التي تعين العبد على العفو والصبر : أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسه بالانتقام ضاع عليه زمانه، وتفرق عليه قلبُه، وفاته من مصالحه ما لا يمكن استدراكه.
ولعل هذا أعظم من المصيبة التي نالته من جهتهم؛ فإذا عفا وصفح فَرَغ قلبُه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام.
الثامن: أن يستحضر أن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينتصر لنفسه قط مع أن أذاه أذى لله ويتعلق به حقوق الدين، وأن نفسَه أشرف الأنفس، وأزكاها، وأبرها؛ فكيف ينتقم أحدنا لنفسه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب.
بل العارف لا تساوي نفسه عنده أن ينتقم لها.
التاسع: أنه إذا أوذي في الله وجب عليه الصبر؛ لأن من كان في الله تلفه كان على الله خلفه.
العاشر: أن يشهد معية الله، ومحبته له إذا صبر، قال _تعالى_: (واصبروا إن الله مع الصابرين)، وقال: (والله يحب الصابرين).
الحادي عشر: أن يشهد أن الصبر نصف الإيمان؛ فإذا صبر أحرز نصفَ إيمانه من النقص.
الثاني عشر: أن يشهد أن صَبره حُكْمٌ منه على نفسه، وقهر وغلبة لها؛ فمتى كانت النفس مقهورة معه مغلوبة لم تطمع في استرقاقه،وأسره،وإلقائه في المهالك.
الثالث عشر: أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولا بد؛ فالله وكيل من صبر .
ومن انتصر لنفسه وكله الله إلى نفسه؛ فكان هو الناصر لها؛ فأين مَنْ ناصِرُه الله خير الناصرين؟ إلى مَنْ ناصرُه نَفْسُه أعجز الناصرين وأضعفُهم؟
الرابع عشر: أن صبره على من آذاه، واحتمالَه له يوجب رجوعَ الخصم عن ظلمه، ويوجب ندامته، واعتذاره، ولوم الناس له، فيعود بعد إيذائه له مستحيياً منه، نادماً على ما فعله، بل يصير موالياً له، وهذا معنى قوله _تعالى_: (إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم).
الخامس عشر: أنه ربما كان انتقامُهُ ومقابلتُه سبباً لزيادة شر خصمه، وقوة نفسه؛ فإذا صبر وعفا أمِنَ مِنْ هذا الضرر.
والعاقل لا يختار أعظم الضررين بدفع أدناهما.
وكم جلب الانتقامُ، والمقابلةُ من شرِّ عجز صاحبُه عن دفعه.
وكم ذهبت من نفوسٍ ورئاساتٍ، وأموال لو عفا المظلوم لبقيت عليه.
السادس عشر: أن من اعتاد الانتقامَ ولم يصبر لابد أن يقع في الظلم؛ فإن النفسَ لا تقف على قدر العدل الواجب لها، فإن الغضبَ يَخْرُجُ بصاحبه إلى حدٍّ لا يعْقِل معه ما يقول ولا ما يفعل؛ فبينما هو مظلوم ينتظر العزَّ والنصر إذا به ينقلب ظالماً ينتظر المقتَ والعقوبة.
السابع عشر: أن هذه المظلمةَ التي ظُلِمَها هي سببٌ إما لتكفير سيئة، أو رفع درجة؛ فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفِّرةً لسيئته، ولا رافعةً لدرجته.
الثامن عشر: أن عفوه وصبره من أكبر الجند له على خصمه؛ فإن من صبر وعفا كان ذلك موجباً لذل خصمه، وخوفه، وخشيته منه ومن الناس؛ فإن الناس لا يسكتون عن خصمه وإن سكت هو؛ فإذا انتقم زال ذلك كلَّه.
ولهذا تجد كثيراً من الناس إذا شَتَم غيره، أو آذاه يحبّ أن يستوفيَ منه المشتومُ والمُؤذى؛ فإذا قابله بذلك استراح، وأُلْقِى عنه ثقلاً كان يجده.
التاسع عشر: أنه إذا عفا عن خصمه استشعرت نفس الخصم أنه فوقه، وأنه قد ربح عليه، فلا يزال يرى نفسه دونه، وكفى بهذا فضلاً وشرفاً للعفو.
العشرون: أنه إذا عفا وصفح كانت هذه حسنة، فتولد له حسنة أخرى، وهكذا...
اللهم اجعلنا من عبادك المتقين الصابرين العافين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.


  

فضيلة الشيخ/ محمد بن إبراهيم الحمد

جزاكم الله خير ما جزي به دعاة الهدى و منابر الرشاد ، و جعل ما تقدمون من عظيم البيان في موازين صالح أعمالكم ،،

أسأل الله لك التوفيق و السداد فقد مررت على ما كتبه فضيلتكم في هذا الموقع المبارك سواء مقالا الدعاء أو الصبر ، فلله درك على ما نثرت من درر قيمة .

* نتبية للإخوة المشرفين عن وجود خطأ مطبعي في كتابة الآية ( فمن عغا وأصلح فأجره على الله ) و الصحيح ( فمن عفا )

جزى الله الجميع كل خير ، و جعله في موازين صالح أعمال شيخناو والدنا ابا بدر ، و زاده الله من صالح فضله


  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف