معالم تربوية للنهوض بالأجيال
3 ذو الحجه 1424

مقدمة:
لا يخفى على الإنسان المنصف ما اشتمل عليه الإسلام من محاسن وخصائص عديدة، منها: أنه جاء بمنهج شامل قويم، في تربية النفوس وتنشئة الأجيال، وتكوين الأمم وبناء الحضارات. قال الله - تعالى -: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (المائدة:15، 16)

برنامج شامل وبداية مبكرة:
يتصف المنهج الإسلامي في التعامل مع الناشئة بأنه يبتدئ مع نمو الطفل في أسرته التي هي الخلية الاجتماعية الأولى؛ حيث يرتب له برنامجاً عملياً شاملاً، يهدف إلى تحقيق التربية الإسلامية الصحيحة ضمن معالم وعناصر صالحة لكل زمان ومكان.

أهم هذه المعالم التربوية:
تقوم رعاية الأبناء ومعاملتهم في مراحلهم العُمْرية الأساسية على مجموعة أصول ومبادئ، من أهملها ما يلي:
أولاً: تهذيب نفوسهم، وتربية وجدانهم، وتقويم ألسنتهم.
ثانياً: تمكين كل فرد منهم من أن يعمل بمقدار طاقته عملاً يمكن للمجتمع أن يستفيد منه مستقبلاً.
ثالثاً: غرس روح الجماعة في نفس كل فرد منهم؛ ليقوم – على أكمل وجه – بإعداد وإنجاز النشاطات الاجتماعية ولو بعد حين.
رابعاً: تعويدهم على حياة البساطة وعلى تحمل الخشونة، وشحذ إرادتهم للتحكم في رغباتهم؛ حتى يكونوا على المستوى المأمول في بناء المجتمع وتنميته وحمايته.
هذه أهم معالم وعناصر تربية الناشئة في المنظور الإسلامي.

متطلبات المرحلة العمرية الأولى:
يجدر بالأسرة – في المرحلة الأولى من عمر الناشئ – التركيز على تهذيب أخلاقه وسلوكه، وتقويم لسانه، وإيقاظ نباهته وحثه على التفكر والتأمل، وتنشيط قدرته على الحفظ، ولفت نظره إلى ما يقع تحت بصره من الأمور والأشياء المتوافقة والمختلفة، في حقائقها وصفاتها وألوانها وأحجامها ووظائفها، وبعث كل ما اختزن في عقله وقلبه ونفسه وطاقاته من ينابيع صالحة معطاءة، وتطلعات وآمال مفيدة، وبخاصة أن الدراسات النفسية والتربوية المعاصرة تؤكد على أن معالم شخصية الطفل المستقبلية، إنما تكون في السنوات الأولى من بداية عمره.
هذا وقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) أن سهلاً بن عبد الله التستري (أحد الأئمة الصالحين والفضلاء الأخيار المتوفى سنة 283هـ) قال: "كنت وأنا صبي ابن ثلاث سنين أقوم في الليل، فأنظر إلى خالي محمد بن سوار، فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك: الله معي، الله شاهدي، الله ناظر إليَّ، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته، فقال: قل ذلك في كل ليلة سبع مرات، فقلته وأعلمته، فزادني إلى إحدى عشرة مرة، فقلته، ووقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك وداوم عليه، ثم قال لي: يا سهل! من كان الله معه وناظر إليه هل يعصيه؟ قلت: لا. قال: إياك والمعصية، ثم لما بلغت ست سنين حفظت القرآن كله، وكنت أصوم الكثير من الأيام"، وفي هذه المرحلة العُمْرية أيضاً يحتاج الأبناء إلى إكسابهم عادة النطق الصحيح، وتزويدهم بعدد وافر من الألفاظ اللغوية الجميلة، والمفردات والعبارات والجمل اللطيفة ذات الدلالات الكريمة الفاضلة، وأفضل وأقصر طريق لذلك ربطهم بالقرآن الكريم، تلاوة وحفظاً وفهماً يناسب هذه المرحلة. قال عتبة بن أبي سفيان (أمير مصر من أخيه معاوية) لمعلم أولاده: "يا عبد الصمد! علِّم أولادي كتاب الله، ولا تُمِلَّهم فيه فيتركوه، ولا تقطعهم عنه فيهجروه، واقرأ لهم من الحديث أفيده وأنسبه لهم، ومن الشعر أعفَّه".
وهذه المرحلة الأولى تتطلب أيضاً تعليم الأبناء فرائض الإسلام وأركان الإيمان، وترغيبهم بالصلاة والصدق والأمانة والنظافة والطهارة ونحوها من الأخلاق والقيم الفردية والاجتماعية الفاضلة، ومن هذا المنطلق قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين..." رواه أبو داود والحاكم.
ومع هذا المنحى التربوي ينبغي على الأسرة الاهتمام بالرياضة البدنية المفيدة، وترغيب الأبناء فيها وحثهم عليها، وتيسير أسبابها لهم ضمن حدود الآداب الإسلامية والأهداف السامية. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "روِّحوا القلوب ساعة وساعة" رواه الديلمي.
بل إن المأثور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينظِّم بعض مسابقات الجري بين الأطفال؛ حيث روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفُّ عبد الله وعبيد الله وكثيِّراً أبناءَ العباس، ثم يقول: من سبق إليّ فله كذا وكذا، قال: فيتسابقون إليه فيقعون على ظهره وصدره، فيقبِّلهم ويلزمهم".
وقد أدرك عمر – رضي الله عنه – قيمة الألعاب الرياضية في صياغة شخصية الطفل وصقل نفسه وعقله وجسمه، فقال: "علِّموا أولادكم السباحة، والرماية، وركوب الخيل". وكانت هذه الألعاب هي المتاحة والمنتشرة في ذلك الزمان.
ولا شك أنه إذا التزمت الأسرة بما سبق بيانه حققت لأبنائها منذ نعومة أظفارهم ديناً قوياً راسخاً، مع استقامة في الخلق والسلوك، وعقلاً ناضجاً واسعاً، وإرادة حازمة، مع بناء نفسي وجسمي صحيح متكامل.

متطلبات المرحلة العمرية الثانية:
أما في المرحلة العُمْرية الثانية من أعمار الناشئة، فينبغي أن تراعى فيها الميول والاتجاهات النفسية المناسبة، وتستثمَر في الأبناء المراهقين القدرات الذهنية والعضلية والإبداعية النظرية أو العملية؛ فمن ظهرت ميوله نحو الثقافة والتعلم شُجِّع عليه ورُغِّب فيه وسُهِّلت له أسبابه، ومن بدت ميوله نحو الميادين والمهارات العملية أو الصناعية أو الفنون الدقيقة أُعين على ذلك، ومن وقف به ذكاؤه وميله دون هذا أُرشِد إلى ما يناسبه من أعمال يدوية أو عضلية؛ لأن المجتمع بحاجة إلى كل هذه الاختصاصات والاهتمامات. قال الله - تعالى -: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل:78). وشُكْر الله - تعالى - إنما يكون بالعمل فيما يرضيه وينفع عباده، وقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني: "اعملوا فكل ميسَّر لما خُلِقَ له".
وهكذا تكون المرحلة العُمرية الأولى من حياة الأبناء لبعث مواهبهم وتنشيطها، فضلاً عن تثقيفهم وتسديد سلوكهم في المجالات والميادين الشخصية والاجتماعية، وتكون المرحلة الثانية من أعمارهم لتوجيههم وإرشادهم نحو المسارات العملية في الحياة المستقبلية، كل ذلك بالقدر الذي يناسب ويوازي ميولهم النفسية وإمكاناتهم الجسمية.

متطلبات المرحلة العمرية الثالثة:
وأما في المرحلة العمرية الثالثة من نشأة الأبناء، فهي مرحلة التعمُّق والتخصص، وهي تكون غالباً لمن بزغت شمس ذكائهم، وبدا نورها يبشِّر بأن هذا الشاب ستكون للمجتمع منه فائدة عظيمة محققة إذا تابع تخصصه الذي نبغ فيه، راغباً في الاستزادة والتعمّق فيما لا يستغني عنه المجتمع.
وينبغي أن يعتمد أولاً على ميول الشاب في هذه المرحلة، من أجل استقرار التوجيه والتوزيع في الاختصاصات، مع ملاحظة مدى قدرة الشاب على متابعة السير في هذا التخصص، ويمكن أن يطلق على هذه الطريقة في المرحلة العُمرية الثالثة من أعمار الأبناء (طريقة الانتخاب الطبيعي) التي هي بعيدة كل البعد عن التوجيه الذي نشاهده غالباً في حياة أبنائنا وبناتنا اليوم، علماً بأنه لا ينبغي لأحد أن يكلف نفسه معاكسة طباعه واتجاهاته، والسير ضد ميوله وقدراته الذاتية؛ لأنه لن يفلح في تحقيق الغاية التي أُكره على ركوب مسارها.

كل التخصصات والأعمال مطلوبة، وهي عبادة في الإسلام:
مما ينبغي أن يكون واضحاً في أذهان الآباء والأبناء وكافة أفراد المجتمع: أن التخصص والتعمق في شتى مجالات الثقافات والعلوم والفنون والاختراعات والأعمال والمهن، هي من فروض الكفاية على مجمل أفراد المجتمع؛ لأنه يجب أن يكون في المجتمع المسلم علماء دين، وقضاة، ورجال دفاع، ورجال أمن، وأطباء، ومهندسون، وتجار، وخبراء، ومهنيون، وعمال، وغير ذلك مما يحتاجه المجتمع.
هذا، ولا يخفى أن جميع النشاطات والميادين السابقة هي في منظور الإسلام من العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله - تعالى - ما دام يقصد من ورائها طاعة الله - تعالى -، ونفع خلقه، وصيانة نفسه عن الحاجة إلى الآخرين. روى الطبراني: أنه مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فرأى الناس من جَلَده ونشاطه وقوّته، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنْ كان خرج يسعى على وُلْده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه فهو في سبيل الله".
وبهذا نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى كل عمل نافع يبذله المسلم بُعداً دينياً واجتماعياً وإنسانياً، بل وجعله نوعاً من الجهاد الذي يثاب عليه فاعله إن أخلص النية وابتغى طاعة الله فيما يقوم به.

الخاتمة:
وهكذا يتضح مما سبق: أن المنهج الذي رسمه الإسلام في رعاية الأبناء ومعاملتهم وتنشئتهم، ابتداءً من انطلاقهم الأسري فالاجتماعي، هو منهج موضوعي متكامل يناسب عموم الزمان والمكان، وهو في تدرُّجه يشبه الهرم؛ حيث تتسع قادته العريضة لأفراد الأمة كلهم؛ فإذا علا ضاق واقتصر على ذوي المواهب، وكلما علا اقتصر على أصحاب النبوغ الأرقى والمواهب الأغزر، حتى إذا علا إلى قمته لم يتسع إلا لذوي الكفاءات العالية النادرة الذين ينهضون بالمجتمع وبالإنسانية إلى معارجها السامية، على أن عظمة المجتمعات تكون بكثرة نابغيها وقوتهم وجَوْدة نوعيتهم، لا بعدد المتعلمين ووفرتهم.

2 + 2 =