عبدالرحمن بن عبدالعزيز اليحيى | 23/1/1425
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
(شيخنا أبو حامد غاص في بطون الفلاسفة وما قدر أن يخرج منها ) عبارة قالها أحد تلاميذ أبي حامد الغزالي في شيخة عندما أراد الغزالي أن يرد شبهات الفلاسفة في بغداد في ذلك الوقت .
وهذه الحالة قد تتكرر في أي وقت وأي زمن لكنها تختلف أشكالها وصورها فضلاً عن أشخاصها ، ولو فتشنا في التاريخ لوجدنا صورة تشبه حالة أبي حامد بل قد تكون أخطر منها من الناحية العملية ، مثل حالة الشيخ الأزهري محمد عبده ، فقد عاش الشيخ - رحمه الله - في قرن ساد في العالم الإسلامي التخلف العقدي والعلمي والاجتماعي ، فأصبح سمة ذلك العصر ، حتى قال الشيخ محمد عبده عن الأزهر: "لبثت سنين أكنس زبالة الأزهر من رأسي" وإن كان في العبارة مبالغة إلا أن من يعرف ذلك العصر لا يستغرب، في المقابل كانت أوربا تعيش ثورة علمية فكرية وثقافية وصناعية، في نفرة من دينها المحرف أو في كل ما له صلة بالدين ، مع تقديس للعقل فكل ما ليس ملموساً أو محسوساً فهو خرافة ودجل لا يستحق النظر إليه ، وقدست الطبيعة وجعلتها معبوداً خالقاً من دون الله.
في هذا العصر عاش الشيخ محمد عبده تتنازعه الهموم والآمال ، هموم مجتمعة الذي يرى أنه متخلف في كل شيء وخاصة الأزهر ، وآمال إصلاحه و تطويره ، لكنه اصطدم بمجتمع محافظ على دينه يشك في كل ما هو قادم من الغرب الكافر ، وأراد أن يقدم الإسلام للغرب فواجهه واقع يعيش تطوراً علمياً وثقافياً وصناعياً، متمرداً على دينه، ومنسلخاً من كل قيم ومبادئ يقدس العقل والطبيعة .
فسعى الشيخ لوضع منهج يجمع فيه بين الحضارة الغربية وما تملكه من علوم وثقافة وتكنولوجيا وفكر مبنية على إنكار الدين والغيبيات ، والإسلام الذي يأخذ الإنسان بكليته عقلاً وروحاً وجسداً، ويشمل الحياة بجوانبها المتعددة .
وهنا و قع فيما وقع فيه شيخ الإسلام أبو حامد الغزالي ، وإن كانت الحالة النفسية عند محمد عبده تختلف عن حالة الغزالي ، حيث إن الغزالي لما غاص في بطون الفلاسفة كان ينطلق من نفس عالية ورفيعة ، يرى أن الإسلام وما شرعة هو مصدر العز والتقدم والسعادة في هذه الحياة ، أما حالة الشيخ محمد عبدة فكانت مزيجاً من التردد والاضطراب ، فالصدمة النفسية لحملة نابليون ما زال تأثيرها حياً في النفوس ، و لا زالت صورة التفوق الغربي وتطوره العلمي مسيطرة على النفوس، وخاصة المفكرين وبعض العلماء ، عند ذلك لجأ الشيخ لتأول بعض الآيات و بعض الآراء الفقهية لتتوافق مع ما هو سائد في الغرب من آراء وأفكار .
من هذا المنهج و هذا المنطلق ، حصل الفصام النكد ، وظهرت إفرازات نكدة يعاني منها العالم الإسلامي حتى هذا الوقت ، ظهر تلاميذ كانوا هم القنطرة التي عبرت عليها العلمانية لدخول العالم الإسلامي أمثال : علي عبد الرازق ، وسعد زغلول ، ولطفي السيد ، أو ممن جاء بعدهم ممن أسسوا العلمانية في طورها الجديد في هذا الزمن .
و هذا المنهج الذي انطلق منه الشيخ ، هو حالة شعورية قد لا يدركها صاحبها عندما يريد الإصلاح ، يغذيها الإحساس بالدونية والانهزام النفسي الداخلي، والإعجاب بما لدى الآخر، وضغط القوي على الضعيف ، فيلجأ إلى محاباة الآخر ومجاملة مجتمعه - المتمسك بقيمه ومبادئه و لا يرضى عنه بديلاً-، فيلفق مفاهيما وقيما غير صحيحة ، ليتحاشى الصدام مع كلا الطرفين .
الذي دعاني لذكر هذه الإشارات السابقة هو ما اطلعت عليه في ورقة العمل المقدمة للحوار الوطني الثاني المنعقد في مكة المكرمة خلال المدة من : 4 وحتى : 8 / 11 / 1424 هـ بعنوان : المقررات الدراسية الدينية أين الخلل ؟ قدمها الأستاذان : إبراهيم السكران (المعد الرئيس)، و عبد العزيز القاسم (معد مساعد).
لقد ذكرا السبب الداعي لإعداد هذه الورقة والدافع لها بأنه "الظروف الدقيقة على رأسها حملات الإعلام الغربي ضد بلادنا، وتحميل المناهج الدينية مسؤولية العنف المسلح ضد الغرب" (ص4).
وأما الوسائل التي اعتمدا عليها، فهي:
1- استيعاب مجمل النصوص في القواعد التي يقررها المنهج خاصة في قضايا العلاقة مع الآخر.
2- مراعاة المنهج لتدرج الأولويات والكليات الشرعية.
3- مدى مراعاة المنهج لمبادئ العدل، خاصة في الحقوق الشرعية الأساسية للإنسان.
4- عناية المنهج للقواعد الشرعية في التعامل مع الحضارات والمعارف.
5- عناية المنهج بالمشاركة المدنية.
6- مدى وضوح المنهج في تكوين توازن لدى المتلقي وهو الطالب طبعاً بين توظيف وسائل البناء و تحقيق الأهداف . (ص1 وما بعدها).
ولكن حين تقرأ ورقة العمل هذه ولو بصورة عابرة تتذكر حالة الشيخ محمد عبدة النفسية والشعورية عندما أراد إصلاح الأزهر ، من حيث المنطلقات التي انطلقا منها، أو من حيث الأوصاف التي وصفا بها المقررات الدراسية ، أو الذين أعدوا المقررات أو المصادر التي اعتمدوا عليها، أو وصف المقرر نفسه وذاته .
أما المنطلقات التي انطلق منها المعدان، فهي كالتالي:
أن المناهج سبب من أسباب تصعيد العنف المسلح ضد الغرب، ولكنه ليس السبب الرئيس، و أن التصعيد موجود لكن مبالغ فيه "تحميل المناهج الدينية مسؤولية تحريك العنف المسلح ضد الغرب أمر مبالغ فيه، إذ لا يمكن أن يكون السبب الرئيس" (ص4).
والمقرر الدراسي الديني سبب في أذية المسلمين بعضهم مع بعض "ذلك أن أخطاء المناهج الحالية تؤذي علاقة المسلمين بعضهم مع بعض" (ص4).
والمقررات الدراسية تعبئ الطالب وتدفعه ضد الآخر "إن تقديم المقررات نصوصاً تدفع باتجاه تعبئة الطالب في حداثة سنه ضد المخالف المجهول الغائب عنه" (ص6) ترى من هو الآخر؟ ، ثم هل الآخر مغيب عنه؟
والتحذير من تأويل أسماء الله وصفاته - سبحانه وتعالى-، ونفي ما تدل عليه من المعاني هو (تصعيد للموقف الفقهي) (ص7).
· و القومية العربية والوطنية مبادئ حميدة تساعد على تمتين الروابط والوحدة وتطوير للثقافة والمشاركة مع الآخر، ولكن المقرر "قد بالغ في التصوير السلبي للدعوات القومية، حيث وصفها بأنها دعوة جاهلية إلحادية" (ص12).
الرأسمالية هي نظرية اقتصادية فقط كأي نظرية أخرى لا علاقة لها بالكفر والإيمان تقوم على الملكية الفردية، وأن من ينتمي لها هم مختلفو الأديان "ومع ذلك عدّ المقرر الديني أن أي مسلم يتبنى النظرية الرأسمالية فهو منافق نفاقاً أكبر مخرجاً من الملة حتى لو أعلن انتمائه للإسلام" (ص13).
تعميق أخلاقيات التواضع الفكري....، وتعميق الإيمان بالتعددية ......، وتعميق أخلاقيات التواضع الفكري.......، وتكريس قيم التعايش .......، كما احتضن المجتمع الإسلامي في تاريخه المديد شتى أنواع الطوائف والملل، فضلاً عن خلافات الداخل الإسلامي" (ص18)، وحتى تعرف نوع الاختلاف ومع من نختلف انظر ما سبق.
الشرك الأكبر مبالغة تكفيرية ومبالغة في تضييق أشكال العلاقة بغير المسلم، وإبراز جوانب العداء عندما يقول المقرر: "الشرك الأكبر يوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب" (ص14).
أما صورة ووصف معدو هذه المقررات الدراسية فإليك صفتهم في الورقة المقدمة:
المجازفة في التكفير وتجاهل الأعذار، وأنهم لا نصيب لهم من الموضوعية، حيث يقول المؤلفان: "وبعد هذه المجازفات التكفيرية التي لا نصيب لها من الموضوعية والدقة" (ص13) ، ويقولان: "كما يتجاهل عذر المتأول فيوحي بإطلاق الكفر على كثير من المذاهب المخالفة كما في موضوع الموقف من الصفات الإلهية" (ص27).
القصور في التأصيل والتعميق للمسائل العلمية تجاه الحضارة والمدنية المعاصرة و "لم يحاول المقرر الديني تقديم تكييف فقهي لمفهوم الحضارة"، ويقولان: "كما لم يحاول المقرر تعميق شرعية القيم المدنية المشروعة" (ص26).
التردد والاضطراب، فقد "قدم المقرر موقفاً مضطرباً متردداً، فتارة يؤكد .......، وتارة يتجاهل الإيجابيات ...." (ص27) ويقولان: "إلا أن المقرر يضطرب مرة أخرى فيقدم صورة قاتمة عن المجتمع" (ص20).
التهور والمبالغة في إطلاق بعض الأوصاف، حيث "إن المقرر أحياناً يتهور في إطلاق بعض الأوصاف التي تحمل قدراً من التهويل ضد المؤسسات الاجتماعية" (ص20)، ويقولان: "ويبالغ المقرر أيضاً في تصوير الخلل والثغرات التي يرتكبها الإعلام" (ص21).
التعميم في الأحكام وعدم العدل وتوريط الطالب "ومن نماذج تعميم أحكام المحاربين ما يقوله المقرر" (ص15)، ويقولان: "كما أدى إلى توريط الطالب في نيران معارك فكرية لا حاجة له بدراسة ظروفها وإجاباتها" (ص 42).
وكل من درس في مدارس المملكة منذ تأسيسها يعلم أن من ألف المقررات الدينية في جميع المراحل هم من العلماء، بل من هيئة كبار العلماء .
أما وصف مصادر المقررات الدراسية في السعودية، فهي على النحو التالي :
· افتقارها للعدل وأخلاق الاختلاف "وأقل ما يقال في هذه الرسالة التي أحال إليها أنها تفتقر إلى الحد الأدنى من قواعد العدل وأخلاق الاختلاف المقررة في الشريعة" (ص8).
التناقض مع الأسس الشرعية "وهذه العبارات نقلت من بعض المصادر المولودة في ظروف استثنائية، ولا تصلح قاعدة عامة لمناقضتها جملة من الأسس الشرعية" (ص14).
أن مصادر المقرر كتب كتبت للمجادلات الفكرية والمعارك السياسية والدينية "ذلك أن المقررات تعتمد حالياً على مصنفات جرى تدوينها في ظروف المجادلات الفكرية والمعارك الدينية والسياسية" (ص42).
والكل يعرف ويعلم أن المقررات الدراسية، وخاصة مقرر التوحيد في جميع المراحل تعتمد على كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وأئمة الدعوة السلفية .
أما وصف المقرر نفسه في ورقة العمل، فإليك هذه النماذج:
الاضطراب الشديد في المنهج العلمي والقضايا الجوهرية، ومخالفة أصول الشريعة، فهو يقدم "اضطراباً شديداً يموج بمحتوياتها في قضايا جوهرية تمس طمأنينة الطالب وحقوق المسلمين وأصول التعامل مع غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين، وقواعد التعامل مع المعارف والحضارات، وهو اضطراب يخالف أصول الشريعة" (ص4)، وأما من ناحية الاضطراب في المنهج العلمي فإن "الخلل في المنهج إعطاء العبارات التلقائية والعضوية أبعاد أضخم من حجمها الطبيعي أو تحميلها بالدلالات الشركية" (ص40)، ويضيف "وكثير من الأحكام التي يضطرب فيها المنهج العلمي وتحمل تعنتاً في التفسير تكون مدفوعة في الغالب بقلق عقائدي" (ص38)، وأضاف "ومن ظواهر الاضطراب في المنهج العلمي أن المقرر عقد درساً لموانع التكفير، وهي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه، وقدم فيها مجموعة من التفصيلات والأدلة ...... إلا أنه في التطبيق العملي يتجاهل" (ص37) لكن ما هو التطبيق الذي يقوم به الطالب في المقرر الدراسي.
التكفير والتعنت العقدي "ومن نماذج التعنت العقائدي أيضاً أن المقرر يجعل من صور اتخاذ الأنداد مع الله من يقول: لولا الحارس لأتانا اللصوص" (ص40)، ولذا يجب "تنقية المقررات من النزعات التكفيرية التي يضطرب بها" (ص 43)، والمقرر "يجازف أحياناً برسم صورة تكفيرية شمولية عن العالم الإسلامي" (ص 11)، بل إن المقرر يهدر الدماء "ويلقي الكثير من عبارات إهدار الدماء واستباحة الممتلكات وينثرها في ثنايا المقرر بشكل فوضوي غير منظم المعنى والمعايير" (ص11).
المقرر يغرس مفهوماً خاطئاً تجاه الدول المتقدمة والحضارة المعاصرة" (ص29) "كما يدعو المقرر إلى تعميق الكراهية ضد المسلم المقصر" (ص 10) "وفي مناسبات أخرى يقدم خطابا تصعيدياً متوتراً يركز فيه على الإدانة، ويختصر الآخر في السلبيات فيرتبك الطالب إزاء هذا الاضطراب" (ص 27).
المبالغة وتعبئة الطالب "ويبالغ المقرر أيضاً في تصوير الخلل والثغرات" (ص 21) و "يحاول المقرر دوماً إشعار الطالب بأنه يسير بين المزالق والبدع، ويحوم على شفير الردة" (ص 24) "والحقيقة أن مثل هذه المبالغة في تصوير الانحراف تهز انتماء الطالب لعالمه الإسلامي" (ص20) "كما أدى إلى توريط الطالب في نيران معارك فكرية لا حاجة له بدراستها" (ص42) كما أنه "يحاول في مواضع أخرى المبالغة في تضييق أشكال العلاقة بغير المسلم" (ص14).
أما النتيجة من هذا المقرر الذي أعده كبار العلماء في هذا البلد ، واعتمدوا فيه على كتب أئمة الدعوة السلفية، فإننا "نستخلص مما تقدم أن المقرر لم يعط أصول الاختلاف وقواعد التعامل مع المخالفين" (ص ) "كما أنه لم يحاول تقديم تكييف فقهي لمفهوم الحضارة" (ص 26) "ولم يحاول تعميق شرعية القيم المدنية المشروعة" (ص 26) و "لم ينجح في تقديم رؤية متسقة في هذه القضايا، بل كان الاضطراب والتناقض فيما عرضه من أصول وتعليمات" (ص5)، بل إنه "يقدم ما يكاد يناقض هذه المبادئ ويتعارض مع ما قررته قواعد الشريعة" (ص 6) "فأي أخلاق إسلامية يقدمها المقرر للطالب في هذا المقام" (ص 30).
وبعد هذا الاستعراض الذي يصيب الرأس بالصداع والغثيان نتذكر قول الشاعر:
| وظلم ذوي القربى أشد مضاضة | على المرء من وقع الحسام المهندِ |
طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :