القرآن والصيام
11 رمضان 1425

عن عبد الله بن عمرو _رضي الله عنه_ أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان"(1).

إن بين القرآن والصيام علاقة متينة، فمن أعظم وأهم الحكم من مشروعية صيام نهار رمضان هو تهيئة القلب لتدبر القرآن حين القيام به في الليل، والمشاهد أن كثيراً من الناس يفوتون على أنفسهم هذه المصلحة العظيمة حينما يسرفون في الطعام والشراب وقت الإفطار والعشاء.

لقد أثبت الطب الحديث، والطب البديل أهمية الصيام لصفاء القلب وقيامه بوظائفه المادية والمعنوية.
ولا أريد التفصيل في هذه القضية، فالمقام لا يسمح لكني أرشد إلى بعض المراجع(2) وإن كنت على يقين من حكمة تشريع الصيام بدون عناء الرجوع إلى تلك الكتب وصرف الوقت والجهد في قراءتها يكفينا في هذا قول الله _تعالى_: "وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة: من الآية184) إنها رسالة من رب العالمين تحمل الكثير والكثير من الإشارات والإرشادات.

إن الله _تعالى_ يقرر لنا هذه القاعدة العظيمة: أن الصيام خير لنا، وإن من بعض خيره ما تم إثباته بالتجارب المخبرية ومن تجارب العلماء الذين يؤكدون على أهمية هذه العلاقة بين الصيام وبين التفكير والفهم والتدبر إن شواهد صحتها وأقوال أهل التجربة وأحوالهم من علماء المسلمين وغير المسلمين لا يتسع له كتاب، وما لم ينقل عنهم من أقوال وأحوال أكثر وأكثر، فالقليل منهم عبر عن حاله وذكر ما وجد وغيرهم كثير وجد ولم يذكر.

فإن أردت حقاً تدبر القرآن والتأثر به فعليك بهذا المفتاح العجيب ، وخاصة في رمضان إنه الصيام، الصيام الصحيح الذي يحرص فيه الصائم على تطبيق ما جاء في حديث المِقْدام بن مَعْدي كرِب قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شرّاً من بطنٍ، بحسب ابن آدم لقيماتٌ يقِمْن صلبَه، فإن كان لا محالة فثُلُثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روى أن ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة.
ليس معنى الصوم أن تمسك عن الطعام والشراب مدة ثم تلتهم أضعاف ما أمسكت عنه؛ هذا بكل تأكيد ليس صوماً نافعاً.

إن الصوم الذي ينفع صاحبه هو ما يقترن معه عدم الشبع حال الإفطار، إن بعض الشباب يقول: قد صمت فما وجدت الوجاء الذي أخبر به النبي _صلى الله عليه وسلم_؟ نقول: نعم إن كنت في وقت فطرك تتقاضى من وقت صومك وترد الصاع صاعين، فهذا ليس بصوم على الحقيقة، بل هو إرهاق للبدن وتعذيب له؛ لأن الهدف من الصوم حماية الجسد عامة والقلب خاصة من سموم الأطعمة والأشربة، وهذا معنى قول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "فإنه له وجاء" ذلك أن القلب إذا استراح من سموم الأطعمة صفا ورق.

قال المروزي: قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع قال: ما أرى، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع بإسناده عن نافع عن ابن عمر قال: "ما شبعت منذ أسلمت"، وروى بإسناده عن محمد بن واسع قال: "من قل طعمه فهم وأفهم وصفا ورق، وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد"، وعن أبي سليمان الداراني قال: "إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل"، وعن قثم العابد قال: "كان يقال: ما قل طعم امرئ قط إلا رق قلبه ونديت عيناه" ، وروى أيضاً بإسناده عن أبي عمران الجوني قال: "كان يقال: من أحب أن ينور قلبه فليقل طعمه"، وعن عثمان بن زائدة قال: "كتب إليّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل"، وعن إبراهيم بن أدهم قال: "من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح والمرح والضحك"، وقال أبو سليمان الداراني: "إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت ورويت عمي القلب"، وقال: "مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع"، وقال الحسن بن يحيى الخشني: "من أراد أن يغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه". وقال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث "ثلث طعام، وثلث شراب" وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدساً، وعن الشافعي قال: ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة أطرحها؛ لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة، وقالت عائشة _رضي الله عنها_: "أول بدعة حدثت بعد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: الشبع، إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بها نفوسهم إلى الدنيا".

________________
(*) منقول من كتاب (التفوق والنجاح في القرآن الكريم).
(1) مسند أحمد بن حنبل ج2/ص174 (6626)، وصححه أحمد شاكر، مستدرك الحاكم: 1-470 وقال صحيح على شرط مسلم، مصنف ابن أبي شيبة ج6/ص129 (30044)، صحيح الترغيب والترهيب للألباني: 1-483 (969).
(2) من ذلك: كتاب ريجيم الصوم نشر: دار طويق، الصوم والصحة، نجيب الكيلاني، صوموا تصحوا – دراسة علمية لفوائد الصوم: الشيخ سعيد الأحمري – دار المعارف، عالج نفسك بالصيام: محيي الدين عبد الحميد.

جميل و شكرا

جميل

شكرا عاى هده النصائح

شكرا على هته المعلومات

حلو

شكرا

جيد جدا
14 + 0 =