النفوس الكبيرة 2/2
8 ذو القعدة 1425

يواصل الدكتور عبد الكريم بكار – حفظه الله – حديثه عن سمات أصحاب النفوس الكبيرة بعد أن ذكر السمة الأولى، وهي: التوازن في النفس والسلوك لينتقل إلى السمة الثانية، وهي:
2 – لا تكون النفس كبيرة إذا لم تكن (لوامة)، تلوم صاحبها على بعض ما يقول ويفعل، إنها نفس تسكن في ذات متفتحة على مفردات المنهج الذي تؤمن به، ومتفتحة على خبرات الحياة ودروس التاريخ. في داخل تلك الذات حوار دائم بين العقل والنفس، وذلك الحوار يتغذى على المفاهيم التي يؤمن بها الشخص: مفاهيم ما يجوز وما لا يجوز، وما يليق وما لا يليق، حيث المقارنة المستمرة بين المحاسن والمساوئ والميزات والعيوب، وحيث الاستفادة من الأخطاء والسعي المستمر إلى ما هو أحسن وأجمل وأكيس.

إن من أخطر ما نواجهه في حياتنا مشكلة (الاسترسال) والمضي إلى آخر الطريق دون امتلاك أي قدرة على المراجعة والنقد والتوقف أو التراجع إذا اقتضى الأمر، والله – جل وعلا – شرع التوبة لتكون حاجزاً لنا عن الاستمرار في السير نحو الهاوية، وأصحاب النفوس الكبيرة يسألون أنفسهم باستمرار عن مدى سلامة الوضعية النفسية والسلوكية التي هم عليها؛ لأنهم يعتقدون أن التدحرج نحو القاع يظل خطراً كامناً في الطريق، كما يعتقدون أن آفاق التحسن في كل الأمور تظل ممتدة إلى آخر لحظات العمر.

النفوس الصغيرة تولد مرة واحدة، ثم تنمو نمواً عشوائياً تحث تأثير الظروف العمياء والحاجات والضرورات الخرساء، ولذا فإنها نفوس مشوهة ومثقلة بالقبائح والنقائص. وأصحابها سادرون غافلون، وهم غير قادرين على إصلاح ما يلمسونه في أنفسهم من عيوب؛ لأن إرادتهم مشلولة وعزائمهم خائرة.

أما النفوس الكبيرة فشأنها مختلف، إنها تنمو وتنضج وتكبر مستجيبة للنمو العقلي والخبرات المتراكمة؛ ومع الأيام يتضاءل ارتهانها للظروف والدوافع والحاجات، وتصبح في تبعية الروح والقرار الحكيم والتسامي نحو الفضيلة، إنها تكتسي حلة النفس المطمئنة الراضية، ومع أن اللوم لا يفارقها إلا أن نوعية ما تلوم صاحبها عليه ترتقي وتدق، حيث المحاسبة على أمور لا يرى فيها أكثر الناس شيئاً يستحق العتاب. يقول الحسن البصري – رحمه الله-: «إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي... وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه».

3 – من سمات النفوس الكبيرة أنها تختزن في داخلها طاقة جيدة على الحضور، حيث يوجد صاحبها وحيث يكون. الحضور القوي والملائم لمتطلبات الزمان والمكان والمناسبة، يدل على يقظة القوى الروحية والعقلية والشعورية لدى صاحبه، وهو ما يحتاجه المسلم المعاصر أشد الاحتياج، حيث ارتفعت وتيرة التحديات، كما زادت فرص النمو والارتقاء، ولا يمكن مواجهة تلك والاستفادة من هذه إلا عن طريق امتلاك درجة عالية من الفاعلية الشاملة.

قد مضى الزمان الذي يستطيع فيه الإنسان تحقيق ذاته وإثبات وجوده مع قلة الاكتراث ومع الفوضى النفسية والشعورية، وأظلنا زمان مختلف كل الاختلاف، ولعلِّي أشرح ما أريده من قوة الحضور في النقاط التالية:
أ – اهتمام المرء بالأحداث الجارية، ومحاولة استخلاص العبرة منها، والاهتداء إلى سنة الله – تعالى– فيها، والاهتمام كذلك بالأفكار والطرق الجديدة التي تحسِّن نوعية الحياة.

ب – التركيز في العمل، بمعنى إعطاء العمل الذي ندب إليه الواحد منا نفسه الجهد المطلوب، حتى يتمكن من الوصول إلى إنجازات ونتائج جيدة. وهذا كثيراً ما يفرض على المرء أن يضحي بشيء من راحته ونومه وترفيهه، كما يقتضي العودة إلى التعلم والتدرب واكتساب مهارات جديدة ودخول بعض الدورات... وعلينا أن نفعل هذا بحماسة وعن طيب خاطر حتى نستفيد منه الفائدة المرجوة.

ج – متابعة الشخص للأعمال والمشروعات التي أسسها، حيث تثبت التجربة أن كثيراً من أشكال الإخفاق يأتي من وراء الإهمال وضعف المتابعة، وكثيراً ما يتجسد الفرق بين الإداري الناجح والإداري غير الناجح في أن الأول منهما يملك القدرة على متابعة موظفيه والتأكد من إنجاز المهام المسندة إليهم.

د – الدقة في التعبير عما نريد والدقة في فهم مرادات الآخرين وفي تصوير المشكلات وفي التخطيط والبرمجة... إن زماننا هو زمان الأشياء الدقيقة، ولن نستطيع أن نعيش فيه على النحو المطلوب من غير أن نجعل من الدقة روحاً يسري في حياتنا الفكرية والشعورية والسلوكية.

هـ - الإصغاء الجيد من خلال التحفز الكامل وصرف الانتباه إلى كل كلمة يقولها مَن يتحدث أمامنا في أمور جادة، ولا يكفي أن نحاول فهم دلالات الألفاظ التي يستخدمها، بل لا بد من الوقوف على الدلالات الإضافية التي تشي بها خلفية المتحدث عمّا يتحدث فيه، وتلك التي يحاول المتحدث إيصالها إلينا من خلال حركة اليدين وتعبيرات الوجه.

والحقيقة أن حسن استماعنا لشخص لا يعبر عن احترامنا له فحسب، وإنما يعبر إلى جانب ذلك عن حبنا للمعرفة والاستفادة مما لدى الآخرين. إن الاستماع الجيد عبارة عن فاعلية سلبية لكنها مهمة؛ لأنه لا قيمة لكلام المتكلمين بدونها.

4 – من أكبر الفوارق بين الإنسان والحيوان أن الحيوان لا يعرف شيئاً اسمه (تأجيل الرغبات)، حيث إن الخطوط الغريزية لديه تدفعه باستمرار نحو الإرضاء المباشر لكل رغبة تلحُّ عليه، أما الإنسان فإنه كما يملك القدرة على المغايرة والمخاطرة يملك القدرة على تأجيل الرغبات، ويملك القدرة على تأجيل بعض مشتهيات النفس ومقاومة إلحاحها إلى الوقت الملائم.

وهكذا كلما كانت النفوس كباراً استطاع أصحابها الفكاك من أَسْر الرغبات والعمل على تلبيتها بالقدر وفي الوقت المناسبين، وبما أن كثيراً من الرغبات يتسم بالجموح والطلب لإرواء غير محدود، فإن صاحب النفس الكبيرة يلبي رغباته في إطار المشروع والمباح، وعلى العكس من هذا فإنه كلما غلبت الغرائز على إنسان وجد نفسه قريباً من الحيوان، يسارع إلى العبّ من الشهوات دون رادع من دين أو عقل أو مروءة ودون خوف من جزاء أو عاقبة.

ومن الواضح أن الحضارة الحديثة أضعفت إرادات الناس بما أحاطتهم به من المغريات والملهيات، وبما زينته لهم من المتع والملذات، وبات على المسلم أن يزيد في تصليب إرادته وأن يحسِّن في مستوى مقاومته لنزوات النفس وإلا جرفه التيار وغمرته أمواجه العاتية!

إن من المهم جداً أن ندرك أنه من غير تأجيل الرغبات نستطيع أداء واجباتنا الشرعية، كما أننا لن نستطيع أداء أعمالنا على الوجه المنتج والمثمر، ولو أن الواحد منا حَسَب استجاباته للأمور التافهة التي تصرفه عن الاستمرار في عمله كل يوم لوجد أنها قد لا تقل عن عشر، وقد تصل إلى ثلاثين! أعمار وأوقات طويلة تهدر وتضيع من غير أن ندرك حجم الخسائر الفادحة التي نتكبدها!

5 – التوثب والانفتاح والإقدام سمات مهمة من سمات النفوس الكبيرة، إنهم يتمتعون بقدرات واضحة على تجاوز الأمراض والمفاهيم التي تنبت في البيئات المتخلفة، وتلك الأمراض كثيراً ما تحوِّل من يصاب بها إلى إنسان مشلول نفسياً، حيث يبدو كأنه مغزو في داخلة ومسكون بالكثير من الخوف والقلق.

أصحاب النفوس الكبيرة يعبرون عن ذواتهم بوضوح على حين يُشعرك الآخرون بأنهم أنانيون نرجسيون، يعشقون ذواتهم إلى حد الهوس. حين تلتقي بواحد من أصحاب النفوس الكبيرة فإنك تلمس الاستقلالية في الأحكام، كما تلمس الحرية والموهبة في مواجهة المشكلات، والتماسك والتطلع نحو الأحسن، كما تلمس الامتلاء الداخلي.

أما أصحاب النفوس الصغيرة فإنك تلمس منهم في مقابل هذه الصفات التبعية والسلبية والانتظار والهروب من المشكلات والقوقعة والخوف والقلق والانطواء على الذات والفراغ الداخلي، وهذه الوضعيات والحالات النفسية تنشأ نتيجة التربية الخاطئة والظروف السيئة والصعبة والموروثات الثقافية البالية.

وبما أن كل ما ذكرناه من سمات حسنة وخلال سيئة هو شيء نسبي، فإن لنا أن نعتقد أن كل أوضاعنا النفسية قابلة للمعالجة والاتجاه بها نحو الأفضل، والأحسن إذا أدركنا حجم المسؤولية والأمانة التي يتحملها كل واحد منا.

____________
(*) من كتاب (جدد عقلك).

أنت أكثر من رائع دكتور
5 + 0 =