الجهاد الكبير

الشيخ فهد العيبان  | 4/5/1426

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
فإن القرآن العظيم الذي أنزل على محمد _صلى الله عليه وسلم_ منةٌ كبرى من الله _سبحانه_ لهذه الأمة وهدايةٌ للعالمية ورحمة للمؤمنين وبشرى للمتقين ونذيرٌ للكافرين.

لقد أنزل الله هذا الكتاب بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة فكان البرهان العظيم والنور المبين والصراط المستقيم لمن اهتدى بهديه واقتفى أثره، كما أنه أصبح غصة في قلوب الكافرين والمنافقين المعرضين شرقت به حلوقهم وأنكرته قلوبهم فزادتهم آياته رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون.
فنصبوا له العداوة منذ فجر نزوله على محمد _صلى الله عليه وسلم_ وإلى يومنا هذا.
فقد كذب الكافرون والمنافقون الأولون بالقرآن وتنادوا لتكذيبه وعدم سماعه والاستهزاء به كي يصدوا عن سبيل الله من آمن.

يقول _سبحانه_: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً" (الفرقان: من الآية32)، "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" (سـبأ: من الآية31)، "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" (فصلت:26).

كل ذلك وغيره كثير تنادى به المشركون من الوثنيين وأهل الكتاب والمنافقين ليصدوا الناس عن السماع لهذا القرآن حنقاً وغيظاً لما رأوه من هداية هذا الكتاب للناس ونفوذه إلى قلوبهم وأسره لألبابهم، ولما رأوه من فضح هذا القرآن العظيم للمكر الكبار الذي يمكره الملأ المستكبرون بالمستضعفين من العباد، فانهارت بهذا القرآن أصنام الباطل ورايات الكذب وزعامات الغدر والخيانة وأبواق الرذيلة والبطون المنتفخة بالربا وأكل أموال الناس بالباطل.
كل هذا الزيف زهق واندرست معالمه وارتفعت بهذا الكتاب رايات العدل والرحمة للعالمين فلا عبودية إلا لله ولا حكم ولا خضوع ولا انقياد إلا له _سبحانه_.

لقد كان القرآن العظيم أشدّ على الكفار والمنافقين من ضرب السيوف ووقع النبال لأجل هذا عادوه وكذبوه وسخروا منه وتنادوا بعدم السماع له.
ولا يزال هذا النعيق والصياح والتنادي لحرب القرآن وأهله باقياً إلى يومنا هذا، فالكفار من اليهود والنصارى والمنافقين لا تزال عداوتهم لكتاب الله قائمة إلى اليوم، ولا يزال القرآن يكيدهم كيداً ويكشف ما في صدورهم من الغيظ على الإسلام وأهله.

وما حدث بالأمس القريب من تدنيس للمصحف على أيدي جنود الصليب الأمريكيين وما تبع ذلك من تعذر المنافقين عنهم أو صمتهم المطبق عن هذه الجريمة، ما هو إلا صورة واحدة فقط لهذا الغيظ الذي ملأ قلوب الكافرين على كتاب الله.
وإلا فإن اليهود والنصارى وأذنابهم من المنافقين قد أجرموا في حق كتاب الله جرماً عظيماً ليس فقط بإلقاء المصحف في أماكن النجاسات، بل تجاوز ذلك إلى حرب القرآن في كل مكان حرباً شاملة بالتحريف والتعطيل لإحكامه وصدّ الناس عن الإيمان به والسخرية بآياته وأحكامه وتشريعاته وإثارة الشبه حولها وإغلاق مؤسسات تعليمه وتحفيظه ومحاصرة جمعياته وإلقاء التهم على كل من نادى بآياته أو دعا بها وإليها، بل تجاوز ذلك إلى القتل والتشريد لأهل القرآن ومعاقبة كل من يحاول، أو يفكر مجرد تفكير أن يجعل القرآن دستور حياة يُحتكم إليه ويُعمل به، وما يحدث في أفغانستان والشيشان والعراق وغيرها من بلاد المسلمين ما هي إلا واحدة من المعارك الخاسرة مع القرآن.

والمنافقون العلمانيون اليوم لهم حظ وافر من هذه المعركة مع القرآن يناصرون بذلك أولياءهم من اليهود والنصارى.

اسمع إليهم وهم يتنادون لحرب القرآن من طرف خفي وبلسان ماكر دعي يحرفون الكلم عن مواضعه ويدنسون معاني كتاب الله بكلام باطل وشُبَه عقيمة، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى هدي الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه أهل الحضارة والمدنية، فهذه المعاني القرآنية وهذه التشريعات النبوية لا تناسب العصر وتعيق التقدم والرقي والمتعة الحيوانية التي نريدها.

تأمل أيها اللبيب كتابات هؤلاء المنافقين على صفحات الصحف وفي وسائل الإعلام الأخرى لترى بكل وضوح أن كل ما يتنادون به تجده مخالفاً لكتاب الله وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ مخالفة صريحة وفي نفس الوقت هو موافق أشد الموافقة لما عليه أعداء القرآن من اليهود والنصارى، تأمل ذلك في قضايا المرأة والتعليم والسياحة والعمل الخيري والحكم بالشريعة والتحاكم إليها وغير ذلك من القضايا المطروحة على الساحة لتجد تلك المواقف الخائنة والمتوافقة مع الحملة الصليبية على القرآن وأهل القرآن دونما حياء أو خفاء.

لقد أثلجت صدورنا تلك الغضبة العالمية الإسلامية التي انطلقت حمية لكتاب الله، لكن لا ينبغي أن يقف حماسنا وغضبنا، وتنتهي نصرتنا لدين الله عند الصراخ والعويل ولأجل تدنيس الكفار لأوراق المصحف، بينما نغفل عن الذين دنسوا معاني كتاب الله، ونتغافل عن الذين جعلوا كتاب الله وراءهم ظهريا، ونتناسى كذلك حالنا المخزي مع كتاب الله من حيث تعظيمه التعظيم الحقيقي الذي يتجاوز حدود التعظيم لأوراقه فقط.

إنه يجب علينا أن نعلم أننا نحن المسلمين لو عظمنا كتاب الله في أنفسنا وفي واقعنا حق التعظيم لما تجرأ عليه هؤلاء السفهاء.
وإن تعظيمنا لكتاب الله لا يكون إلا بالعمل بما فيه وجعله منهاج حياة نقرؤه ونتدبره ونعمل به ونتحاكم إليه.
إننا لما أعرضنا عن كتاب ربنا _سبحانه_ فهجرنا تلاوته وغفلنا عن تدبره وأعرضنا عن تعاليمه أصابنا ما أصابنا من استهانة عدونا بنا وبكتاب ربنا.
إن هذه الحملة الصليبية العالمية على القرآن وعلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ وعلى الإسلام وأهله ما هي إلا صدى لما تعيشه النصرانية العالمية اليوم من انحسار واضح في بقاع كثيرة من الأرض، بل حتى في داخل أراضيها.
إن النصرانية اليوم تعيش أحلك عصورها وأكثر ما يكون من انفضاض الناس عنها، فأما المؤمنون بها فقد ارتدوا عنها وكفروا بخرافاتها، وأما المسلمون فهم أعرف الناس بحقيقتها، حيث لم تستطع منظمات التنصير مع ما أوتيت من قوة من التأثير في صفوف المسلمين.
بينما الإسلام ومع شدة الحصار له والتشويه لتعاليمه والتخويف منه إلا أنه كالسيل المنهمر يغزو العالم ويتجاوز الحدود وينفذ إلى داخل البيوت والقلوب حتى دخل في دين الله أفواج من النصارى والوثنيين، وقد أثبتت التقارير الكنسية أن أعداد النصارى في تناقص وأن أعداد المسلمين حتى في داخل أوروبا وأمريكا في ازدياد، وفي كل يوم تطالعنا وسائل الإعلام بأخبار عن الداخلين في الإسلام حتى في قعر النصرانية.

كل ذلك يظهر لنا مدى الضيق الذي تعيشه الصليبية العالمية اليوم من القرآن وأهل القرآن ويفسر لنا أيضاً سبب هذه الحملة الصليبية على بلاد المسلمين عسكرياً وإعلامياً بقيادة الإنجيليين الجدد الذين يحكمون أمريكا اليوم.
ولولا أن الإسلام والقرآن يشكلان كل هذا الخطر على الصليبية العالمية لما رأينا كل هذا التحامل على هذا الدين وأهله مع ضعف المسلمين وهوانهم على الناس.

وهكذا هو الكفر وأعداء الرسل كلما شعروا أن دين الله هو الغالب تكالبوا عليه لكي يطفئوا نور الله، فالمشركون في زمن النبوة لما ضاقت عليهم الحيل مع القرآن الذي غزاهم في دورهم فأسلم من أسلم من أبنائهم ونسائهم حزبوا له الأحزاب ليستأصلوه، فكانت العاقبة للمؤمنين.
وهكذا من قبلهم فرعون وملؤه لما ضاقوا ذرعاً بموسى _عليه السلام_ ومن معه نادى فرعون في الملأ من قومه محرضا لهم على قتل نبي الله ومن معه من المؤمنين خوفاً من أن يظهر دين الله "وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" (غافر:26) فكانت عاقبتهم الدمار والغرق.

إن دين الله غالب وإن نصر الله قادم وإن العاقبة للمتقين ولذا فإنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يضرب لنفسه من هذا الخير القادم بسهم فيهب نصرة لدين الله وحماية لكتابه وغيرة على دينه لعله أن يكتب مع أنصار الله المفلحين.
وإن النصرة لدين الله ليست فقط بالسيف والسنان، فلإن كانت جبهات القتال بالسلاح محدودةً محصورة في مواقع الاحتلال في فلسطين والعراق، فإن الجهاد الكبير بالقرآن قد أشرعت أبوابه، ورفعت رآياته، يقول الله _سبحانه_ لنبيه: "فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً" (الفرقان:52)، قال ابن عباس: "أي جاهدهم بالقرآن".
ولإن كان قتال العدو بالسلاح في مواطن المواجهة مؤثراً ومثخناً فإن الجهاد بالقرآن الذي سماه الله كبيراً أكثر إثخانا وتأثيراً في الصليبية اليوم.

ووالله إن الصليبيين وأعوانهم من المنافقين لتهزم جيوشهم وتنكس راياتهم حين يهب كل مسلم ومسلمة فيجاهدوهم بالقرآن بالدعوة إلى الله، فإن صلاح المجتمع وتحصينه بالقرآن وغزو المجتمعات النصرانية بكتاب الله ودعوتهم إلى دين الإسلام أشد على الصليبية العالمية من مواجهتهم بالمدفع الرشاش.
إن الصليبيين والمنافقين اليوم يراهنون على فساد المجتمع المسلم وانحرافه عن تعاليم القرآن ويرون أن السبيل الوحيد لاحتلال بلاد المسلمين وسلب خيراتهم هو في صرف هذه المجتمعات المسلمة عن القرآن وعن الإسلام، وأنه إن تمسكت هذه المجتمعات بدينها وبكتاب ربها فإنه يصعب ترويضها واستذلالها وسلب مقدراتها.

فيا خيل الله اركبي ويا أنصار الله هذه جبهات الجهاد الكبير بالقرآن قد أشرعت أبوابها فلا عذر لأحد، ولو كان مقصراً في دين الله فكل منا بحسب وسعه وطاقته، فلتسرج خيول الدعوة إلى الله ولتنطلق تجوب الأرض لرفع هذا القرآن الذي أنزله الله رحمة وهداية للعالمين.
فالنفرة النفرة والنصرة النصرة، ولا يكن حماسنا فقط لأجل أن دنست أوراق المصحف، بينما تنطفئ جذوة الحمية لكتاب الله ولدينه، ويتلاشى حماسنا، ولا تتحرك مشاعرنا ونحن نشاهد الكفار والمنافقين وهم يعبثون بدين الله ويحرفون كلامه ويصدون الناس عن الهداية وعن القرآن صباح مساء.

ولنعلم أن الجهاد الكبير بالقرآن من أعظم ما ننصر به إخواننا الصابرين الصامدين في جبهات القتال لطرد المحتل من اليهود والنصارى،،
ولنعلم أيضا أن الجهاد بالقرآن من أعظم ما نواجه به المدّ الصليبي التنصيري على بلاد المسلمين،،
وأن الجهاد بالقرآن كذلك من أعظم ما نوقف به طوفان الشهوات والشبهات التي تبثها وسائل الإعلام الغربية والعربية،،
وأن الجهاد الكبير بالقرآن من أعظم ما يبطل خطط المنافقين الساعين لإفساد المرأة في بلادنا وخلخلة أخلاقيات المجتمع بما يدعون إليه من التفسخ والانحلال والابتعاد عن تعاليم القرآن،،
،،،،،، وختاما فإن الجهاد بالقرآن من أحسن ما نمضي به أعمارنا وبالأخص في إجازاتنا وأوقات فراغنا.

فها نحن في زمن الفرصة وأيام الفراغ قادمة فما نحن فاعلون؟
أين أنصار الله،،؟
أين أنصار محمد _صلى الله عليه وسلم_،، ؟
أين أهل القرآن،،؟
أين محب الجهاد،،؟

هذا هو الجهاد الكبير قد أقبلت تباشيره، وتعددت مشاربه وألوانه، قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوماً من الدهر بسيف"، فكم من مسلم ومسلمة يتمنى الجهاد في سبيل الله وتتوق نفسه لنصرة دين الله ولكن يتعذر عليه الوصول إلى ساحات الوغى، فاليوم يوم الملحمة أيها المتلهفون على الجهاد لننطلق جميعا في هذه الإجازة وفي كل أوقاتنا بالقرآن نهدي به العالمين، ونرد به كيد الكائدين ونقمع به رؤوس الكفرة والمنافقين، فإن مجرد إسماع القرآن فقط دافع عظيم إلى الإيمان بالله وكفيل بإذن الله أن يبطل مكرالماكرين، فقد تواترت السير والسنن بأن أكثر أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ إنما أسلموا بعد سماع القرآن وأن الكافرين المعاندين كانوا يكبتون لمجرد سماع آيات الله تتلى عليهم فكيف لو قمنا بما هو أكثر من ذلك.
فأين الموحدون...؟ أين الدعاة..؟ أين أصحاب الأموال، والمفكرون، والكتّاب..؟ أين هم من الجهاد بالقرآن وكسر راية الصليب والنفاق؟

إن العالم اليوم يتعطش لسماع كلام رب العالمين، وإن العالم اليوم لهو أشد ما يكون حاجة إلى الهداية بالقرآن، ليخرج من ظلمات الكفر والرذيلة والضنك والكآبة والحسرة إلى نور الإيمان والفضيلة والسعادة وانشراح الصدر.
فهنيئاً لمن وفقه الله لهداية العالمين بالقرآن العظيم.. وهنيئاً لمن أشغل وقته وماله وصحته كي يسلم على يديه كافر، أو يهتدي على يديه عاص.. وهنيئاً لمن يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال، هي نتاج من اهتدى على يديه إلى الصراط المستقيم من رجال ونساء صلوا وصاموا وسجدوا وقرؤوا القرآن.
إن ذلك خير والله من جمع حطام الدنيا والانشغال بها وضياع الأوقات والأعمار باللهو والسياحة التائهة بلا أهداف سامية.
وصدق رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".


  

ما صحة حديث أن الساعة لاتقوم إلا والنصارى أكثر من المسلمين وهل هو منسوخ بغيره أم أنه ثابت
بارك الله فيكم ، وسدد على طريق الخير خطاكم 0

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق