حتى لا نضيع في الزحام
13 جمادى الأول 1426
نيرة بنت محمد عبد العليم خان

كنت أنتظر مجيء دوري في إحدى العيادات،وكالعادة أخذت معي كتابا لأستفيد من الوقت الذي يضيع في الانتظار،كانت العيادة مزدحمة تضج بأصوات العاملين والمنتظرين،والذي جعل الجو حلوا رغم مرارته أصوات الأطفال ومناظرهم الجميلة،وقفت طفلة أمامي تنظر إليّ في دهشة وكأنها تستغرب الكتاب في يدي،أخرجت من حقيبتي كتابا آخر يخص الأطفال،ومددت يدي لأعطيها إلا ورن في مسامعي صوت رجل وهو يناديها:يارا تعالي هنا ..
يارا..
ردد لساني ذلك الاسم الذي شوه براءة الطفولة والفطرة التي خلقت عليها ، رفعت بصري لأراها مرة أخرى فهي في الخامسة من عمرها ترتدي بنطلونا وبلوزة بخيطين علاقتين ،لأول وهلة ظننتها من بني الأصفر "أقصد الأجانب "..ولكن المرأة التي بصحبتها ترتدي حجابا لا يظهر منها شيئا والرجل الذي ناداها تبدوا عليه ملامح بني جلدتنا ..
بدأت أفكر..
هذا اللبس وذاك الاسم ..
الطريق بين هذا وهجر الإسلام وتغيير العقائد قصير، ولكن هل من بصير ؟
فالشيطان لا يأتي إلا خطوة خطوة
والعاقل من يبصر خطواته
صدق رسول الهدى-صلى الله عليه وسلم- الذي قال:"ما من مولود إلا و يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ........" [1].
فالوالدان لا يلقنان أولادهما دين اليهودية أو النصرانية أو المجوسية،بل يمهدان لهم الطريق وقد لا يشعران بذلك
قطع أفكاري صوت الممرضة وهي تنادي :يارا موهمد "محمد"..
أخذت أردد الاسم مرة أخرى :يارا محمد
ثم تذكرت أن زميلتي خديجة قد أنجبت قبل أيام بنتا واختار هي وزوجها لها اسم "تارا".
وأن صديقتي عائشة أنجبت ابنا سُمّي "دودي"،وعندها بنت من قبل كانت قد سمتها "ديانا".
وفي أحد الأيام اتصلت بي طالبة للتسجيل في المعهد فدونتُ اسمها لحجز المقعد "لارا".
وأن الطالبة التي كانت تزورني لأراجع حفظها أنجبت وسمت ابنتها "شادن".
لارا ..تارا ..ريل ..شادن ..أنجي ..مي ..هيا ..هلا..هيام..دنيا..رهام،ديانا أسماء كثيرة حلت في ساحتنا دون أن نكترث لها.
فللأسماء تأثير كبير وواضح على المسميات ، والمسميات تتأثر بالمعاني التي تحملها أسماؤها.
أذكر ذات يوم سألت ابنة صديقتي عن اسمها فقالت لي :اسمي زينب، ثم أسرعت وهي تقول: بنت الرسول-صلى الله عليه وسلم- كمان اسمها زينب وسأكون مثلها.
هكذا يكون تأثر المسمى بالاسم، وتأثير الاسم في المسمى.
ولا يخفى علينا وجود ارتباط بين الأسماء والمسميات كذلك الارتباط الذي بين الأرواح والأجسام،ويتجلى لنا ذلك بالتأمل في مسمى النبي-صلى الله عليه وسلم -.
فهو محمد في الأرض لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة،وأحمد في السماء لشرف صفاته وفضلها على صفات غيره_صلى الله عليه وسلم تسليما كثيراً_.
كذلك لا يخفى علينا أنه ما إن نسمع اسما إلا ويبادر العقل في التفكير فيما يحمل ذلك الاسم من معان وحقائق ..
معان جميلة أو قبيحة..
وحقائق سامية مثيرة أو مخيفة أو سخيفة.
وقد كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يأخذ المعاني من أسمائها في السفر والحضر والمنام واليقظة ،ومن أمثلة ذلك:
1. رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه في دار عقبة بن نافع،فأُتوا برُطب من رُطب ابن طاب،فأولها - صلى الله عليه وسلم- بمعاني الأسماء
رافع:بأن لهم الرفعة في الدنيا.
عقبة:بان لهم العاقبة في الآخرة.
رطب وطاب : بأن الدين الذي اختاره الله لهم قد ارطب وطاب. [2]
وأذكر هنا لطيفة أن لي زميلة اسمها مُحَال وهي إمرأة خيّرة وكلما رأتني نزلت عليّ بهالات من السلام والدعوات ، وفي أحد الأيام مازحتني وقالت لي :وراءك وراءك في كل مكان .
فقلت لها: مواعيد الزيارة في اليقظة فقط ،وممنوعة من الزيارة في المنام
قالت لي،سأزُورك ،سأزُورك في النوم أو اليقظة
قلت لها :أرجوك في النوم لا لئلا تستحيل أموري..فضَحِكَت
2. أنه - صلى الله عليه وسلم- مر في بعض غزواته بين جبلين فسأل عن اسميهما، فقالوا: فاضح ومخز، فعدل عنهما، ولم يجز بينهما.
وقد غير - صلى الله عليه وسلم-الأسماء ذات الأوصاف القبيحة ،أو الأسماء التي تحمل معنى أجنبيا،أو التي تحمل مدحا قد يورث في قلب صاحبه العجب ،ومن أمثلة ذلك:
1. واسم حرب إلى سلم .[رواه أبو داود، 4956]
2. واسم شهاب إلى هشام.[ابن حبان،5823].
3. وأرض غدرة إلى خضرة.[ابن حبان،5821].
4. واسم شعب الضلالة إلى شعب الهدى.[رواه أبو داود،4956].
ولما أراد تغيير اسم "الحزن" إلى "سهل" لم يرض جد سعيد بن المسيب -رضي الله عنهم - بذلك فتركه -صلى الله عليه وسلم -وشأنه ،ولكن يقول سعيد فما زالت فينا حزونة بعد.[البخاري ،5836، ابن حبان، 5822].
ولما قدم -صلى الله عليه وسلم- المدينة وكان اسمها يثرب فغيره بطيبة ،فقال -صلى الله عليه وسلم-:[إن الله سمى المدينة طابة ".[رواه مسلم 1385].
هلا نظرنا إلى روعة اختيار الأسماء.. زرع، رشد، هدى، سلم.. إنها تبعث في النفس الراحة والسكينة وتولد الهمة وتقوي العزيمة
نعم. فنفس الإنسان الضعيفة المتطلبة إلى الكد والمعاناة من أجل العيش،الأمارة بالسوء حينا ، والتواقة إلى الدعة والكسل لأقل الأسباب حينا آخر بحاجة إلى ما يبث فيها التفاؤل والأمل..
وبحاجة إلى التشجيع والتقوية
وبحاجة إلى شد الهمم وبناء العزائم
ولذلك كان يُعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الاسم الحسن،فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتفاءل ،ويعجبه الاسم الحسن" [3] .
أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- أمته بتحسين الأسماء ،وأخبر أنهم يُدعون يوم القيامة بها، كما جاء في الحديث الشريف عن أبى الدرداء -رضي الله عنه- قال:قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم ،فأَحسنوا أسماءكم" [5].
وندب إلى التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين
فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي وهب الجشمي –رضي الله عنه-وكانت له صحبة-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "تسموا بأسماء الأنبياء ،وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبدالرحمن، وأصدقها حارث وهمام،وأقبحها حرب ومرة" [6].
وذلك للاقتداء بأعمالهم،والتأثر بأوصافهم،والتخلق بأخلاقهم،والتحلق في أحوالهم ،فهم أهل الصلاح والتقوى ،أقوياء في العزائم و أشداء في الهمم، ذللوا كل الصعاب في طريقهم إلى الله.
وكل مسلم سائر إلى الله،
"كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" [رواه مسلم ج1،رقم 223].
ولُقب الصحابة والتابعين بألقاب البطولة،فذاك أبو بكر الصديق،وعمر الفاروق ، و حمزة سيد الشهداء،وجعفر الطيار ، وغيرهم _رضي الله عنهم وأرضاهم_ .
إن حسن اختيار الاسم مسؤولية الوالدين،ومن حقوق الطفل ليعيش حياة كرامة،ويفكر تفكير المعالي،ويعيش وهو يقلب فكره في سير العظماء،ويعلق قلبه بأعمال النجباء،فيقتدي بهديهم،ويسير على نهجهم.
وقد أنجبت إحدى الأخوات الفاضلات ولدا، وسمته نور الدين، ولما سُئلت عن السبب، قالت: ليكون مثل نور الدين زنكي ، واعترض الجميع وعرضوا عليها أن تسمي ابنها اسما جديدا،ولا تسميه اسما قديما .
ولكنها ردت بقولها: ولكن القدماء هم الذين بنوا مجد الأمة.
عندما تنادي الملائكة على رؤوس الأشهاد أسماءنا يا ترى ماذا تكون مشاعرنا إذا سمعناها تقول لنا :
يارا تارا لارا أنجي ديانا
أو تقول لنا :
خديجة حفصة عائشة حمنة زينب فاطمة
ويا ترى من أي الحزبين نكون ،حزب الله ورسوله الذين أحبوا الله ورسوله وأحيوا كتاب الله وسنته،أم حزب "المرء مع من أحب " ؟
اللهم اهد آباءنا ليحسنوا أسماءنا
واجعلنا من الذين يدعون يوم القيامة بأحسن الأسماء وأحبها.

_______________
[1] رواه البخاري،ج1،[1292].
[2] رواه مسلم،رقم :[2270].
[3] رواه بن حبان في صحيحه،ج13/ ص140.
[4] رواه ابن حبان في صحيحه، ج13،رقم:[5826].
[5] رواه أحمد في مسنده ،ج5،رقم:[21739]،و أبو داود،ج4،رقم [4948].
[6] رواه أبو داود،ج 4،رقم: [4950].

6 + 6 =