تحقيق : أبو أنس | 13/5/1426
لاقى تصعيد جماعة الإخوان المسلمين لمواقفها المعارضة للسلطة المصرية، ومطالبتها بالتسريع بالإصلاح السياسي، وخروجها للتظاهر العلني في الشوارع والميادين والمحافظات، الرضا التام لدى القطاع العريض من شباب وقواعد الجماعة وأنصارها المنتشرين على أرض مصر من أقصاها إلى أقصاها. غير أن الكثير من أنصار الجماعة يظهرون حالة من عدم الرضا على عودة الجماعة إلى "التهدئة" مرة أخرى، ويرون أن هذا السكون القاتل بعد الحركة الكبيرة يفقد الجماعة ما حققته من مكاسب سياسية، ويرجعون السبب في هذا السكون إلى ضراوة حملة الاعتقالات التي شنتها سلطات الأمن على أعضاء بالجماعة.
وحتى نضع النقاط فوق الحروف فقد التقينا بالقاهرة بعدد من الشباب من أنصار وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر، واستطلع آراءهم في مواقف قيادات الجماعة في التعامل مع الأحداث الأخيرة، وآمالهم في المستقبل القريب، فكان هذا التحقيق ...
تأخر كثيرا
في البداية التقينا بـ (ف . ع)/ 31 سنة/ داعية وكاتب إسلامي، وسألناه عن رأيه في تصرف قيادات الجماعة إزاء الأحداث الأخيرة فقال:" بداية أود أن أوضح أن قرار الجماعة بالنزول إلى الشارع والتظاهر العلني لإعلان رأي الجماعة فيما يحدث بمصر هو قرار صائب 100 %، وإن كنت أعيب عليه أنه تأخر كثيرا، فالناس في مصر يعلقون الأمل الكبير على جماعة الإخوان ذات الحجم الكبير والشعبية العالية والقدرة الفائقة على التنظيم، ويجب ألا تخذلهم الجماعة، فضلا عن أن هذا واجب شرعي يجب ألا تتخلف عنه".
ويضيف (ف. ع) قائلا :" لكن يجب على الجماعة ألا تتراخى وألا تعود للتهدئة، وأن تواصل تظاهرها في كل محافظة وفي كل مدينة وفي كل قرية من قرى ونجوع مصر، فالاستمرارية هي الدليل الوحيد الذي سيقنع الحكام بان الجماعة مصرة على مواقفها ومصممة على تحقيق الإصلاح الحقيقي". قاطعته قائلا:" لكن الجماعة تعرضت لحملة اعتقالات كبيرة لأعضائها وفي مقدمتهم رموز وقيادات كبيرة على رأسها الدكتور محمود عزت الأمين العام للجماعة، والدكتور عصام العريان احد قيادتها وعضو بمجلس شورى الجماعة؟!". فرد قائلا:" نعم أعلم أن الحملة طالت قرابة 2500 من أعضاء ورموز الجماعة، ولكن هذه ضريبة ويجب على الجماعة أن تدفعها، فكلما نبلت الغاية كلما هانت التضحية. وتاريخ ووثائق الجماعة تقول أنه في إحدى الحملات في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر اعتقل قرابة 6 آلاف من أعضائها في أقل من أسبوع!، هذا أمر طبيعي".
الجماعة تدين وتشجب وتستنكر!!
ويتفق ( م . ص) / 32 سنة/ باحث شرعي، مع (ف. ع) فيما ذهب إليه ويضيف :"هذه جماعتنا ونحن نحبها وننتمي إليها، غير أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فمنذ فترة ليست بالقليلة ونحن نتعجب من صمت الجماعة وسكونها الشديد، واكتفائها بإصدار البيانات التي تدين وتستنكر وتشجب تصرفات الحكومة وإصرارها على عدم البدء بأي خطوة إيجابية على طريق الإصلاح السياسي الحقيقي، والجماعة في هذا تشابه الحكومات العربية العاجزة التي لا تملك أمام الخطوب الكبيرة سوى إصدار بيانات الشجب والإدانة والاستنكار!!!".
ويستدرك (م . ص) قائلا :"ولذلك فقد كان معظم بل جل الشباب في صفوف الجماعة ننتظر اتخاذ الجماعة قرارا جريئا بالنزول إلى الشارع والتقدم لحمل لواء المطالبة بالتغيير والإصلاح، فالحرية بكل معانيها والكرامة حقوق تنتزع ولا تعطى، ويخطئ من يظن أن هناك حكومة عربية – مهما كانت- ستقدم للشعب حريته على طبق من فضة، هذا من قبيل العبث، فالحكام استمرءوا المناصب وعشقوا الكراسي ولم يعد من السهل عليهم أن يتنازلوا عن عروشهم أو أن يتركوها طواعية، هذه حقيقة يجب أن نضعها نصب أعيننا".
أما ( م .ع )/ 36 سنة/ باحث سياسي فيقول :" للأسف الوضع في مصر لا يبشر بتغيير، فالحكومة لا تلقي بالا لهذه المظاهرات أو الوقفات، فهي على قناعة من أن الأحزاب السياسية الـ 18 المرخص لها لا قيمة لها في الشارع السياسي، وأنها أحزاب كرتونية، لا تزيد عن كونها مقار يجلس فيها بعض قيادات الحزب للتسامر، أما عن الإخوان فقناعتي بأن الحكومة لن تسمح للجماعة بحزب سياسي، لأنها تدرك أن استخراج شهادة ميلاد سياسي للجماعة يعني استخراج شهادة وفاة سياسية للحكومة!!".
ويضيف (م .ع ) بأن "هذا الكلام لا يعني أنني أطالب الجماعة بالكف عن المطالبة بالإصلاح، ولكنني أعني بهذا ضرورة أن تبذل الجماعة قصارى جهدها، سعيا لتشكيل (جبهة وطنية موحدة لإنقاذ مصر)، تجمع فيها القوى السياسية والحزبية بمختلف رؤاها الفكرية، لممارسة مزيد من الضغوط المؤثرة لإجبار السلطة على الإسراع بالإصلاح، نعم .. لا بد أن ترى السلطة من تجمع المعارضة المصرية بأسا شديدا يجعلها تنحاز للتغيير وتسارع بالإصلاح، ولهذا فأنني في قرارة نفسي غير راض عن التهدئة الأخيرة من الجماعة وأطالبها بمزيد من الجهد والصبر".
طاعة عمياء !!
أما (م . م )/ 39 سنة / مدرس لغة عربية فيقول :" نحن نثق في إخلاص قادتنا، وحسن تقديرهم للأمور، ونعتبر أنفسنا جنودا في الصف ننتظر النداء، ونترك لهم اتخاذ القرارات، التي تحقق مصلحة الإسلام والجماعة، فهم أقدر منا على فهم ألاعيب السياسة، ونحن لا نكلفهم فوق طاقتهم، فإذا رأوا أن التظاهر مفيدا سنتظاهر، وإذا طلبوا منا الاعتصام سنعتصم، حتى لو طلبوا منا العصيان المدني فسنلبي فورا !!!". قاطعته قائلا:" لكن عفوا يا أخي ..هذه طاعة عمياء !!، ولا يجب على المسلم أن يكون إمعة.. الرسول نهانا عن ذلك؟!"
فرد عليّ قائلا:" سامحك الله، أنا لست إمعة، وهذه ليست طاعة عمياء، بل إنها طاعة واجبة، لأنني حين أنفذ أمر جماعتي التي انتمي إليها، فإنني لا أطيع شخصا واحدا، بل جماعة كبيرة، نعم جماعة كبيرة لها وزنها وثقلها، فجماعة الإخوان أضحت اليوم مؤسسة كبرى تتشكل من لجان وأقسام وأفرع كثيرة، ولها مكتب إرشاد، ومجلس شورى، يضمان عددا من الكفاءات النادرة من كبار علماء مصر وخبرائها في كافة التخصصات الشرعية والسياسية والاقتصادية والعلمية، ومن ثم فإن أي قرار تصدره الجماعة- وخاصة في القضايا المهمة- يمر بعدد من المراحل".
حتى النساء !
وفي السياق نفسه، وفي أثناء التغطية الصحفية لإحدى المظاهرات التي دعت لها الجماعة التقى مراسل "المسلم" بالقاهرة بـ (و.ح)/ 36 سنة/ محاسبة، سألتها : أحتى النساء يتظاهرن؟!، فردت عليّ قائلة : " ولماذا تستغرب هذا، ألسنا جزءا من هذا الوطن، وعلينا ما على الرجال من تكاليف شرعية، وهل التظاهر طلبا للحقوق المغصوبة والحريات المكبوتة، حرام؟!!... كبار العلماء في عصرنا هذا ومنهم الدكتور القرضاوي (يوسف) أجازوا التظاهر كوسيلة من وسائل المطالبة بالحقوق، وأباحوا للمرأة المشاركة في المظاهرات طالما التزمت بالضوابط الشرعية".
سألتها : وهل أنت راضية عن قرار قيادات جماعة الإخوان بالنزول للشارع والتظاهر والتصعيد ضد السلطة؟، فقالت : الجماعة لم تصعد ضد السلطة، بل تلتزم بآداب الإسلام في التظاهر، فلا تجرح أشخاصا ولا تسب ولا تشتم، فنحن لسنا مثل حركة كفاية، نحن جماعة إسلامية ملتزمة بآداب الشرع، ثم ماذا تملك الجماعة غير التظاهر للتعبير عن رأيها ؟!، هذا هو الحد الأدنى لحقوق الإنسان ويجب أن تتقبل الحكومة الرأي الآخر وان يتسع له صدرها، وألا تضيق بمعارضيها فتعتقلهم وتزج بهم في السجون وتمارس ضدهم التعذيب ".
لماذا لا تعلن العصيان المدني؟!
وفي الختام، التقينا بـ ( ي .ح) 19 سنة/ طالب جامعي، وسألته عن رأيه فيما يحدث على الساحة بمصر، وتقييمه لتعامل قادة جماعة الإخوان معها، فقال :" بداية يجب ألا يغيب عنك أنك تتكلم عن جماعة يرفض النظام الاعتراف بها، بل ويحاول أن ينكر وجودها، رغم علمه القاطع بأنها أكبر قوى سياسية في البلاد، بل ويصل الأمر إلى تعقبها واعتقال أعضائها، وتقديمهم لمحاكمات عسكرية بتهمة الانضمام إلى جماعة محظورة!!".
ويضيف (يـ .ح) قائلا:" لا بد أن تضع هذه النقاط التي تكلمنا عنها أمام عينيك وأنت تتحدث عن موقف الإخوان من المطالبة بالإصلاح والتغيير في مصر، وعلى الرغم من أن معظم الطلاب المنتمين للإخوان في الجامعات المصرية يتمنون من قيادات الجماعة المزيد والمزيد، لأن الجماعة لا تنقصها الشهرة ولا الشعبية ولا المصداقية، بدليل أن أنصار الجماعة في الجامعات والنقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئات التدريس يكتسحون – بفضل الله- أي انتخابات يشاركون فيها، طبعا إذا لم تقم السلطات الحكومية بتزويرها لصالح مرشحي الحزب الوطني الحاكم".
وأنهى (يـ .ح) حديثه قائلا :" من أجل هذا، فنحن نطالب الجماعة بممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة لإجبارها على اتخاذ خطوات إيجابية نحو التعجيل بإصلاح حقيقي، وألا تكتفي الجماعة بالمظاهرات .. فلماذا لا تفكر الجماعة مثلا في إعلان العصيان المدني السلمي مثلما ألمح إلى ذلك فضيلة المرشد في أحد المؤتمرات الصحفية التي عقدها مؤخرا؟!، أعتقد أن مثل هذا التصرف سيترك أثرا كبيرا خاصة إذا تم التنسيق له مع بعض القوى السياسية والأحزاب الأخرى".
وختاما؛ كانت هذه آراء عينة تم اختيارها عشوائيا من بعض الشباب المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، حول موقفهم من قرار الجماعة الخير بالنزول إلى الشارع وإطلاق التظاهر في الميادين الكبرى بالعاصمة المصرية القاهرة وعدد من المحافظات...
ويبقى السؤال مطروحا : هل ستواصل الجماعة انتفاضتها للمطالبة بالإصلاح، أم أنها ستنكسر تحت وطأة حملة الاعتقالات والمحاكمات التي طالت عددا من أعضائها ورموزها ؟، وهل ستستطيع الجماعة- بالتنسيق مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى- تشكيل جبهة وطنية موحدة للضغط على الحكومة للتسريع بالإصلاح أم ستظل الجماعة في واد والقوى الأخرى في واد آخر ؟، هذه الأسئلة وغيرها ستتكفل الأيام القادمة بالإجابة عليها..
فأتمنى من المشرف العام د ناصر العمر أن يكون موضوعي أكثر في طرحه وأنه على الإنسان أن يعترف بأنه لا يلم بكل العلم
وإلى الأمام