ِالتربية النبوية بأعمال القلوب
13 رجب 1426
د. محمد أمحزون

التربية بأعمال القلوب في المدة المكية:
حفل القرآن المكي بآيات كثيرة تحدثت عن أعمال القلوب، كالإنابة والخشية والصبر والمحبة والصدق ...
فمما كثر ذكره في القرآن من هذه الأعمال: الصبر، ذلك أنه الوسيلة الناجعة لتجاوز مدة الأزمات ولحسم المواجهة لصالح المسلمين، وإذا كان المؤمن بطبيعته بشراً ينتابه الضعف واستعجال الثمرة فإن آيات الصبر بمثابة محطات تقوية تشحذ الهمة وتدفعها للمضي في الطريق مرة أخرى وبعزم قوي، وكلما طالت المعركة نزل الوحي مطمئناً للنبي ومن معه، وقد امتد نزول تلك الآيات على طول المدة المكية لتقود المؤمنين خطوة خطوة ، حتى تمرنوا على تحمل المشاق والأذى، والالتزام بما يرد عن الله والانضباط مع أوامر رسول الله .

ومن أعمال القلوب: الصدق، ومن أمثلته التي تستحق الإكبار، موقف مهاجرة الحبشة في بيانهم عقيدتهم في عيسى بصراحة ووضوح رغم مخالفتها للنصرانية السائدة في الحبشة، فلم يلجؤوا لمجاملة الأساقفة الحاضرين في مجلس النجاشي، فأحسن الله عاقبتهم، ومن ذلك مواقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ولما فضل رجال على أبي بكر في عهد عمر -رضي الله عنهما- قال عمر: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر... ثم ذكر بعض مواقف أبي بكر مع رسول الله في الهجرة وخوفه على رسول .

ومن أعمال القلوب: المحبة، والقيام بالأعمال حباً لله _تعالى_، فكم بين إسلام أبي ذر الذي تحمل المشاق في سبيل هذا الدين، وبين إسلام الأعرابي الذي قال له النبي: أسلم، فقال: أجدني كارهاً، وكم بين الباحث عن الحقيقة سنين طوالاً سلمان الفارسي ولقي في سبيل ذلك المشاق، وكاد يسقط من النخلة فرحاً وشوقاً ومحبة لمقدم النبي وبين إسلام المؤلفة قلوبهم من جفاة الأعراب، والأمثلة من الصحابة على ذلك كثير.

التربية بأعمال القلوب في المدة المدنية:
ومن أعمال القلوب: الإيثار، والذي تجلى بعد الهجرة مباشرة وبعد المؤاخاة، فأمَّن الأنصار للمهاجرين السكن، واقتسموا الثمرة معهم، وقدموا المنائح لهم، وواسوهم بالهدايا، وظل هذا الإيثار سارياً حتى بعد انفراج الأزمة جزئياً بعد إجلاء بني النضير حيث جمع النبي الأنصار، وأثنى عليهم وما صنعوا بالمهاجرين، وخيرهم بين أن يقسم بينهم وبين المهاجرين الفيء ويبقى المهاجرون في ديار الأنصار، وبين أن يعطي المهاجرين ويخرجهم من ديار الأنصار، فاختار الأنصار أن يعطي المهاجرين ويبقون في ديار الأنصار.

وقد شهد المهاجرون بفضل الأنصار أمام رسول الله . وهذا التآخي في ذلك الوقت وفي كل وقت أساس قوة ونجاح الجماعة المسلمة.

ومن هذه الأعمال: الإخلاص، ويتجلى الحث على الإخلاص في الجهاد، وقد ورد في نصوص نبوية كثيرة، بل لا ينبغي الاستعانة بالمشركين لأهمية الظهور بالصبغة العقائدية في المواقف الإسلامية التي ينبغي أن تتميز بالإخلاص ووحدة الهدف.

ومن الأعمال: المحبة، فالمطلوب شرعاً أن ترجح كفة المحبة لله ورسوله على سائر ما يحب المرء، والجهاد دليل المحبة الكاملة، ولهذا كان الصحابة يفْدون رسول الله بأنفسهم ويقاتلون أمامه قتال الأبطال.

ومن الأعمال: اليقين، وقد تجلى في حياة النبي، فكان واثقاً من نصر الله، ويقول: إني رسول الله ولن يضيعني، وكان يعد صحابته بالنصر والتأييد، أما يقين الصحابة فيكفي فيه مثالا: موقفهم واستجابتهم لتحريم الخمر، واستجابة نسائهم السريعة لأمر الحجاب رغم تجذر هذه العادات واستحواذها على قلوبهم، وقد استقرت فيهم منذ قرون.


جزاك الله خيرا مقال اكثر من رائع <BR><br>
7 + 1 =