إعداد: المكتب العلمي | 27/10/1426
الحمد لله على ما قضى وقدر، والشكر له على ما امتن به وتفضل، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين،وبعد:
إن من جملة اعتقاد أهل السنة أن الله يقدر ويقضي ما شاءه وأراده، وأن مشيئته وإراداته تعلق بها محبته ورضاه في الأقضية والأقدار الشرعية، لا الكونية التي لا تستلزم الرضا والمحبة.
فالله _عز وجل_ يحب طاعة الطائعين التي قدر وقوعها كوناً وشاءها وأحبها شرعاً، فطاعة العبد تحصل بمشيئة شرعية أحبها الله ورضيها، كما أن الله _سبحانه_ يبغض معصية العاصين التي قضاها كوناً وشاء وقوعها قدراً مع أنها غير محبوبة في ذاتها ولكن اقتضت حِكَمه العظام وقوعها، فجرى بها القلم في الأزل لعلم الله التام باختيار خلقه، ولا يظلم ربك أحداً.
وبناء على هذا التفصيل والتفريق من حيث الحب والبغض بين القدر الكوني والقدر الشرعي، انقسم حكم الرضا بالقدر عند المحققين من أهل العلم إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، فتقدير المعايب والذنوب ونحوهما مما لايحبه الله ويرضاه ولكن شاء وقوعه لحكم خارجة عنها، ينبغي ألا يرضى به العبد بل عليه أن يتسخطها(1).
فالله _عز وجل_ قد يشاء ما لا يحبه كمشيئته وجود إبليس وجنده، وقد يحب ما قد لا يشاء كونه كإيمان الكفار وطاعات الفجار، فليس بين المحبة والمشيئة الكونية تلازم ولكن ما شاء الله كونه كان.
وإذا تقرر هذا فالرضا بالقضاء أنواع:
- أما القضاء الشرعي الديني المحبوب إلى الله عزوجل فالرضا به واجب وهو أساس الإسلام كما قال _سبحانه_: "فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً".
- وأما القضاء الكوني القدري الموافق لهوى العبد فالرضا به لازم، لأنه ملائم للعبد محبب لديه، وليس في هذا الرضا عبودية وإنما العبودية في مقابلته بالشكر، والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة في موضعها.
- وأما القضاء الكوني المخالف لهوى العبد فهو قسمان:
o قسم يقع بغير اختيار العبد كالمرض والفقر وأذى الناس، فالرضا بهذا مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان وفي وجوبه قولان.
o قسم يقع باختيار العبد مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه شرعاً، فهذا لا يجوز الرضا به ولا محبته ولا الصبر عليه، بل عكس ذلك هو الواجب.
وإذا تقرر هذا فإن الحادثة المقضية، قد يكتف الرضا بها أكثر من قسم باعتبارات أو متعلقات مختلفة. وقد يجتمع فيها السرور والحزن كل من وجه، ومثل هذا يقع كثيراً في عامة الكوارث التي تصيب القرى والمدن والبلدان، فقل أن تخلو أرض من مسلم، أو من صغار وأطفال سبق في علم الله تيسرهم لليسرى، وقد يكون بها رجل ربما لم تبلغه الرسالة. وإن كان عامة أهلها –في الغالب- مأخوذون بذنبهم في الدنيا. والحديث هنا لايتوجه إلى ما يتوجب تجاه مصاب هذا الصنف الأخير، ولاسيما أهل البغي والعدوان منهم، ولكنه منصب على مصاب الأصناف الأولى التي تشمل المسلم والصغير ونحوهم.
فقد يبدو لبعض الجهلة متسخطة الأقدار أن أخذ الأطفال والصغار وغيرهم بجريرة الكبار ظلم، صنعته يد الطبيعة الغادرة! ولعل سبب هذا الظن السيئ غفلتهم عن الحكم العظام التي لا تخلو منها مثل تلك الأقدار، ولغفلتهم عنها لا تتسع عقولهم لها فيتساءلون: كيف يريد الله _سبحانه_ حصول أمر لا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاء وقوعه؟ وكيف تجتمع إرادة الله له مع بغضه لأذى المؤمنين والمعذورين وذلك من مقتضى رحمته وعدله؟
وجواب هذا الإشكال، تنكشف به بعض الحكم العظيمة في تقدير بعض الأقدار والتي منها مثل إعصار "كاترينا" الأخير، الذي اجتاح "نيو أورلينز" فأهلك أمة، وأضر بآخرين.
وخلاصة الجواب على هذا الإشكال بأن يقال: المراد نوعان؛ مراد لنفسه، مطلوب ومحبوب لذاته، لما فيه من الخير، ونوع آخر مراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، ولكن بالنظر إلى إفضائه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الحب والبغض ولا يتنافيان لاختلاف ما تعلق به كل منهما، فهو بمثابة الدواء المر الذي فيه شفاء، وبمثابة بتر عضو ميت لبقاء سائر الأعضاء.
ومن أمثلة ذلك تقدير الله لكون مثل هذه الفيضانات التي تتسبب في إهلاك الحرث والنسل والأنفس، مع أن الله لا يحب الفساد.
فقد اقتضى عدله _سبحانه_ وحكمته تعالى وقوعه، وقد يدرك البشر بعض تلك الحكم وقد يغيب عنهم أكثرها، وقد يجهلون لجهلم بالغيب والمستقبل معظمها، فعلوم البشر قاصرة كما قال الله _سبحانه_: "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً" (الإسراء: من الآية85).
ولعل من الحكم الظاهرة في تقدير أمثال تلك الظواهر الكونية أمور منها:
أولاً: إظهار آية كونية مرئية يخوف الله بها عباده حتى يرجعوا للآيات السمعية التي جاءت بها الرسل، فكم من إنسان يرى آحاد الناس من حوله يُتخطفون ولايعتبر، ويقرأ آيات القرآن فلا يدكر، فلما رأى هذه الآية قال بلسان الحال أو المقال: "لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
| وَفي شِدَّةِ الدَهرِ اِعتِبارٌ لِعاقِلٍ | وَفي لَذَّةِ الدُنيا غُرورٌ لِواثِقِ |
| هل هذه المَثُلاتُ وهي روائعٌ | فيها لنا عِظَةٌ و فصل خطابِ؟ | |
| ماذا نُعِدُ لذودها عن حوضنا | يكفي الدِعابُ فلات حين دعابِ! |
| ولما رأيت الدهر تسطو خطوبه | بكل جليد في الورى ومهان | |
| ولم أر مِن حِرزٍ ألوذُ بظله | ولا من له بالحادثات يدان | |
| فزعت إلى من تمْلِك الدهرَ كفُه | ومن ليس ذو ملك له بمدان | |
| وأعرضت عن ذكر الورى متبرماً | إلى الرب من قاص هناك ودان |
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
وبعد
جزى الله العلي القدير شيخنا الجليل على هذا البيان الكافي والجواب الشافي لكل باحث عن الحق والحقيقة، وضد كل مغرض معترض على حكمة الله وقدره.
ووالله يا شيخنا الجليل لقد شفيت غليلي فيمن تهجم على من كتب عن مصيبة تسونامي ومصيبة كاترينا وغيرهما من المصائب العظمى التي ترادفت على البشرية في عام واحد فقط، وهذا دون المصائب الأخرى التي لا يشعرون بها، أو أن شياطين الإعلام تخفيها عنهم مثل مصيبة السيدا أو الإيدز.
فجزاك الله خيرا على هذا البلاغ والبيان والتبيين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.
حسن السرات
المغرب