معمر الخليل | 6/2/1427
تشهد حياتنا المعاصرة؛ طفرة في تعدد وسائل الإعلام وتناقل الأخبار ومتابعة الأحداث المحلية والعالمية، وسط كم هائل من المعلومات المتداخلة في كثير من أوجهها.
وربما كانت التكنولوجيا الحديثة، وسهولة التواصل، وسرعة الاتصال، إحدى أهم العوامل التي ساعدت في تحوّل عصرنا إلى عصر المعلومات.
والمتابع منّا يعجب أحياناً من التناقض الحاصل في المعلومات التي توردها بعض وسائل الإعلام، المحلية أو العالمية. ما يجعل المتابع متحيّراً في أمره، أي الفريقين يصدّق. وهذا ما يحتّمه النقل الغير مسؤول لبعض أوجه الأحداث، وتسييس جميع الأمور بما يخدم مصلحة الوسيلة الإعلامية، ومالكها أو ممولها.. ما يؤكد باستمرار، أنه لا يوجد إعلام حيادي.
ولطالما كان لكل مهنة أخلاقيات وسلوكيات تحددها قيم المجتمع الذي تنشأ أو تنتشر فيه.. ومنها كانت أخلاقيات مهنة نقل المعلومات.
الأستاذ أحمد الصويان، أحد أكفأ العاملين في مجال الإعلام في السعودية، نشر كتاباً منذ عدّة سنوات، حمل عنوان (نحو منهج شرعي لتلقي الأخبار وروايتها) عالج فيه أخلاقيات نقل وتلقي الأخبار في المجتمعات الإسلامية، انطلاقاً من المنهج الإسلامي الشريف والصادق، ليجعل الإعلام وسيلة لنشر الصدق، وغاية لكمال الأخلاق.
تحت عنوان (آفات تفسد الأخبار)، ذكر الكاتب جملة من الآفات التي تصيب الأخبار، فتفسدها، ورأى أن أهمها:
الآفة الأولى: الكذب وخطورته:
مواضع الزلل والتقصير عند الإنسان لا تكاد تنحصر في جانب دون الجوانب الأخرى، ولكن من أخطر وأسوأ ما يقع فيه الناس: الكذب، فهو صفة ذميمة، تظهر فيها الخيانة وتسقط بها المروءة، والكذب يقلب الأمور، ويُغير الواقع، ويزور الحقائق؛ فتصير العيوب محاسن والمحاسن عيوباً، ويجعل الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، وينسب للناس خلاف ما قالوه أو فعلوه.
ويبدو أن الكذب حينما يطفو على السطح يكون ناتجاً عن تراكم مجموعة من الأخلاق المذمومة، كقلة الدين والورع، وكالحقد والحسد وغيرها، كما أن الصدق ناتج عن عفة النفس، ونبل المقصد، وإرادة الحق، وحينما تترفع النفوس عن أهوائها وشهواتها، تنساب عفة وطهارة لا ترجو إلا الله والدار الآخرة.
قال الله _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة:119).
وقال الله _تعالى_: "إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ" (النحل:105).
وعن ابن أبي مُليكة أن عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: "ما كان خُلُق أبغض إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عند رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ الكذب، فما يزال في نفسه عليه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة".
الكذب من أجل المصلحة:
من أعجب مكائد الشيطان – أخزاه الله تعالى – على بعض الدعاة: أن الواحد منهم قد يفتري الكذب قصداً على بعض إخوانه الدعاة انتصاراً لنفسه أو لفئته، ويسوِّغ لنفسه هذا المزلق الخطير من بال: "مصلحة الدعوة"!!
فقد يتهم صاحبه بالجهل... أو بقلة الدين... أو حتى بالعمالة.. وهو يعلم يقيناً أنه منها بريء، ولكن مصلحة الدعوة – بزعمه – تقتضي هذه المخادعة!
ذكر بعض الحقيقة وإخفاء بعضها:
في هذا الباب، يقول الأستاذ الصويان: إن من أخطر أنواع الكذب وأشدها فاعلية وأكثرها خفاءً: ذكر بعض الحقيقة وإخفاء بعضها؛ لأن الناقل يُعطي بذلك صورة ناقصة مبتورة لا تُمثل الواقع بتمامه، فمن الناس من ينتقي ما يوافق هواه من الخبر ويحذف ما بقي منه، وهو بذلك لا يُعطيك إلا شطراً واحداً من الحقيقة ويدفن ما سواه، أو يقطع الخبر من سياقه والملابسات المحيطة به؛ فيكون الخبر غفلاً من قضايا أخرى لازمة لتكميل القضية ووضوحها.
التوسع في المعاريض:
بعض الصالحين يحفظه الله – عز وجل – من الكذب فلا يقع فيه ولا يتجاسر عليه، لكنه قد لا يسلم من المعاريض المحتملة لأكثر من وجه، فيُسرف فيها إسرافاً شديداً، والمعاريض إذا لم توضع في موضعها الشرعي الصحيح تصبح نظيرة للكذب!
وإذا كان متلقي الخبر فطناً يقظاً استطاع أن يُميز الخبر المكذوب المختلق والخبر المنقوص المبتور، كما استطاع بذكائه وبصيرته أن يُميز المعاريض من غيرها، ويتعامل مع كل حدث بما يستحقه من الحكمة والبصيرة.
قال ابن تيمية: "والرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه، وبهجة وجهه سيما يُعرف بها، وكذلك الكاذب الفاجر".
ومن مخاطر التوسع في المعاريض: أن الحقيقة إذا ما ظهرت للسامع بخلاف ما فهمه من التعريض ظنّ أن محدِّثه كاذباً، وهو ليس كذلك.
خطورة الكذب:
خطورة الكذب تكمن في أن مرتكبه قد ينسف بخبر واحد مكذوب أو منقوص أعمالاً جليلة ومكانة سامقة، ويرمي بالكذبة لا يُلقي لها بالاً تبلغ من خطورتها وضررها آفاقاً بعيدة، فقد يسقط الرجل عند الناس من الثُّريا إلى الثرى بكلمة واحدة ملفقة!
من أجل ذلك كان التحذير من الكذب بالغاً، والعقوبة المترتبة على فعله في غاية الشدة، حتى يكون المسلم أبعد ما يكون عن هذه الآفة المهلكة.
الآفة الثانية: الشائعة:
ويرى الأستاذ الصويان أن الآفة الثانية في نقل الأخبار، هي آفة الكذب، ويتابع في كتابه قائلاً: " قال ابن منظور في (لسان العرب): "شاع الخبر في الناس يَشيع شَيْعاً وشَيَعاناً ومَشاعاً وشَيْعُوعة، فهو شائعٌ: انتشر وافترق وذاع وظهر، وأشاعه هو وأشاع ذِكْر الشيء: أطاره وأظهره، وقولهم: هذا خبر شائع، وقد شاع في الناس؛ معناه: قد اتصل بكل أحد فاستوى علم الناس به، ولم يكن علمه عند بعضهم دون بعض، والشاعة: الأخبار المنتشرة".
والشائعات بمعناها الاصطلاحي: "عبارة عن أقوال أو أخبار أو أحاديث يختلقها البعض لأغراض خبيثة، ويتناقلها الناس بحسن نية، دون التثبت في صحتها، ودون التحقق من صدقها".
ويُعرفها بعضهم بأنها: "عبارة عن نبأ أو حدث مجرد من أية قيمة يقينية، ينتقل من شخص لآخر، قادر على زعزعة الرأي العام أو تجميده".
والإشاعة في أغلب الأحوال ما هي إلا تضخيم للأخبار الصغيرة، وإظهارها بصورة تختلف عن صورتها الحقيقية، أو هي تسخير للأخبار المكذوبة وطلاؤها بطلاء براق يلفت إليها الانتباه، من أجل إشاعة الفُرقة والبغضاء بين العباد، ثم تسري هذه الأخبار بعد ذلك سيراً وبائياً بين الصفوف التي تكون – في أغلب الأحوال – لسوء التربية، ولغياب الموازين العلمية المعتمدة في القبول والرد، ولغياب المرشدين الأمناء مرعىً خصيباً لمثل هذه الشائعات.
والإشاعة هي بداية الاختلاف والتفرق، وسرعان ما ينتهي الحال إلى معركة دامية تُسلُّ فيها الألسن، وتسقط فيها القيم والمثل، وربما يُشهر فيها السلاح. نسأل الله السلامة..!
وحسبك أن تصغي إلى أحاديث الناس في منتدياتهم العامة، بل وفي مجتمعاتهم الخاصة، لتسمع ضجيج الشائعات يطغى على كل شيء، وسأترك الأمر للقارئ الكريم ليتأمل في حال الناس من حوله، وينظر كم تتغير الأحوال وتتبدل القلوب، بسبب ذلك الهراء الذي يُشيعه بعض الناس بين آونة وأخرى...؟!
وتبدأ الشائعات عادة بكلمة صغيرة ثم يزيدها الناس من هنا وهناك: "حتى تصّاعد في سرعة إلى عنان السماء، فتحجب عن الرأي – أو تكاد – آفاق الرؤية الواضحة، وتسد أمام ناظريه السبيل، فلا يرى جبال الحقائق الموضوعية الراسخة، هذه التي تحدد قممها في سماء صافية من المنطق".
والنفوس مجبولة على التطلع إلى غرائب الأخبار ونوادر الحوادث، فأنت ترى أن الأنظار تنجذب إلى ذلك المرء الذي يثير الأخبار من هنا وهناك ولو لم تكن ثابتة، ولقد أثبتت الأيام بما لا يدع مجالاً للشك، أن الشهرة والسمعة تكون دائماً حليف المرء الذي يُحسن عرض الشائعة، ويُزينها بآهات التحسر وإظهار الغيرة على الدين وأهله!!
ويرى الأستاذ الصويان أن الإشاعة تتولد عادة من خلال إحدى ثلاث حالات:
1 – إيجاد خبر لا أساس له من الصحة.
2 – تلفيق خبر لجزء منه نصيب من الصحة.
3 – المبالغة الجسيمة في نقل خبر ينطوي على بعض العناصر الصحيحة.
نماذج للشائعات:
التاريخ الإسلامي مليء بالحوادث والأخبار التي ظهرت فيها الآثار السلبية للشائعات، أقتصر على ذكر مثالين فقط:
المثال الأول:
من الحوادث المزعجة التي حصلت في تاريخ هذه الأمة: (قصة الإفك المشهورة) حيث كانت تلك الفرية الآثمة التي أشاعها بعض المنافقين، ورددها بعض المؤمنين بدون تورع أو تثبت، من أثقل ما مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وصحبه الكرام – رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
المثال الثاني:
نقل ابن هشام – رحمه الله تعالى – عن ابن إسحاق – رحمه الله تعالى – قال: "بلغ أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم ذلك، حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفياً".
فهذا الخبر يبين أن أهل مكة أشاعوا كذباً إسلام قريش، حتى يضمنوا رجوع المهاجرين المسلمين من الحبشة، وفعلاً استبشر المسلمون بهذا النبأ، ورجع بعضهم ثم علموا بطلان هذه الفرية، فلم يستطيعوا دخول مكة خفية أو محتمين إلا بجوار أحد من المشركين!
الحذر من ترويج الشائعات:
قد يُصبح المرء الصالح مطية يروِّج بعض الأخبار الشائعة المكذوبة من حيث لا يدري، فهو يتقبل الأخبار أياً كان مصدرها، دون تفكير متزن ولا وعي بمقتضى هذه الأخبار ومقاصدها، وإنما عن تلقين أو تقليد من غير تأمل أو نظر..!
قال جوزيف دي مستير: "الآراء الكاذبة كالعملة المزيفة، يسكها مجرمون عتاة، ثم يتداولها أناس شرفاء، وتستمر على أيديهم الجريمة، دون أن يعلموا ماذا يفعلون؟!".
وفرق كبير جداً بين خبر يُبنى على الأدلة والبراهين والوقائع الثابتة... وآخر يبنى على الدلائل الظنية والأسانيد الواهية، ولذا جاءت توجيهات النبي _صلى الله عليه وسلم_ في غاية الوضوح والبيان والقوة، للتحذير من إشاعة أخبار لم يتبين صدقها من كذبها، فعن المغيرة بن شعبة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
وعند أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "كفى بالمرء إثماً أن يُحدِّث بكل ما سمع".
وفي رواية أخرى: "كفى بالمرء كذباً أن يُحدِّث بكل ما سمع".
أسباب انتشار الشائعات:
الأسباب التي تجعل الأخبار المكذوبة تشيع وتحل محل الحقائق في أذهان كثير من الناس بدون تفكير أو تدبر، أساب عديدة، منها:
أولاً: فصاحة قول المشيع وحسن منطقه، وإجادته عرض الشائعة، وهذا من أسباب رواج إشاعات المنافقين بين الناس، ولهذا قال الله عز وجل في وصف المنافقين: "وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ" (المنافقون: من الآية4)، وعن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "أخوف ما أخاف على أمتي: كل منافق عليم اللسان".
ونظير هذا ما جاء عن أم سلمة – رضي الله تعالى عنها_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها".
وكما قال أحد الشعراء:
| في زخرف القول تزيين لباطله | والحق قد يعتريه سوء تعبير |
| قد يُدرك المتأني بعض حاجته | وقد يكون مع المستعجل الزللُ |
| وكم من عائب قولاً صحيحاً | وآفته من الفهم السقيم | |
| ولكن تأخذ الأذهان منه | على قدر القرائح والعلوم |
| تقول: هذا جنيّ النحل تمدحه | وإن تشأ قلت: ذا قيء الزنانير | |
| مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما | والحق قد يعتريه سوء تعبير |
طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :