عبدالعزيز بن سعد الدغيثر | 15/2/1427 هـ
بحثنا في القسم الأول من المادة، الأسباب التي تؤدي إلى الغنى والكسب الحلال، كما استعرضنا بعضاً من أسباب الأزمات الاقتصادية التي تمر بالشعوب والناس، والفقر الذي قد يعانيه البعض، ووقفنا مع فضيلة العمل والاكتساب.
واليوم نتابع بعضاً من الأفكار الشرعية حول استثمار المسلم...
فقد وعى السلف _رضي الله عنهم_ هذا المقصد الشرعي فكثرت أقاويلهم في الحث عليه، فمن ذلك:
ما رواه ابن المبارك عن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ أنه قال: تعلموا المهن(1). وقال _رضي الله عنه_: "مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس"(2).
ولما حج بعض أهل اليمن بغير زاد وقالوا: نحن متوكلون، بلغ ذلك عمر فقال: كذبتم إنما المتوكل رجل ألقى حبه في التراب وتوكل على رب الأرباب(3).
وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبدالله –يعني أحمد بن حنبل- يأمر بالسوق ويقول: "ما أحسن الاستغناء عن الناس"(4).
وقال له رجل: إني في كفاية، فقال أحمد: "الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك"(5).
وقال أيوب لرجل: "الزم السوق فإنك لا تزال كريما على إخوانك ما لم تحتج إليهم"(6).
وقال علي بن جعفر: مضى أبي إلى أبي عبدالله- يعني الإمام أحمد- وذهب بي معه فقال له: يا أبا عبدالله، هذا ابني، فدعا لي، وقال لأبي: ألزمه السوق وجنبه أقرانه(7).
وقال أسود بن سالم لأحد أصحابه: اشتر وبع ولو برأس المال(8). وقال معروف الكرخي: "من اشترى وباع ولو برأس المال بورك فيه كما يبارك في الزرع بماء المطر"(9). وذلك أنه ببيعه ولو برأس ماله يستفيد خبرة في البيع وأساليبه، كما أن البضاعة كلما خزنت أكثر فإن سعرها يقل في الجملة.
ورؤي على علي _رضي الله عنه_ إزار غليظ فقال: اشتريته بخمسة دراهم، من أربحني فيه درهما بعته"(10).
ومن وصايا السلف لمن يريد أن ينجح في عمله التجاري أو الزراعي أن يباشر العمل بنفسه ويراقب عماله، فقد قال عبدالله بن عمرو _رضي الله عنهما_ لابن أخيه وقد خرج من بستانه : أيعمل عمالك؟ قال: لا أدري، قال: أما لو كنت ثقيفا لعلمت ما يعمل عمالك، ثم التفت _رضي الله عنه_ إلى جلسائه، وقال: إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره أو في ماله كان عاملا من عمال الله _عز وجل_"(11).
استثمار الأموال:
صح عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "ألا من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة"(12).
وفي قصة صاحب البستان الذي سمع صوت في السحاب يقول: اسق حديقة فلان" فسأله السامع عن سبب ذلك فقال: فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأرد فيه ثلثه"(13).
ومما جاء في ذلك أيضا أن من باع عقارا فليجعله في عقار آخر وإلا نزعت منه البركة، كما في حديث حذيفة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من باع عقارا ثم لم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيها"(14). وعن سعيد بن حريث _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من باع منكم دارا أو عقارا فليعلم أنه مال قمن ألا يبارك له فيه إلا أن يجعله في مثله"(15).
الاقتصاد في الإنفاق:
الإسراف والتبذير في الموارد يزيد في تضخم مشكلة تدهور البيئة، لذلك وضع الإسلام قواعد تمنع أي هدر في أي مورد، قال تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً" (الفرقان:67). وقال: "وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأنعام: من الآية141)، وقال: "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ" (الإسراء: من الآية27)، وقال النبي _صلى الله عليه وسلم_ لسعدٍ وهو يتوضأ: "ما هذا السرف يا سعد؟"، فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال _صلى الله عليه وسلم_: "نعم، وإن كنت على نهر جار"(16). وقال _صلى الله عليه وسلم_ لأعرابي سأله عن الوضوء، فأراه _صلى الله عليه وسلم_ الوضوء ثلاثاً، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى أو ظلم"(17).
فإن كان في الوضوء سرف وهو مدخل للعبادة، فكيف بالإسراف والتبذير الذي يتعدى حدود الحلال، والذي يُنَفَّذ بشكل واسع عند كثير من الأمم على مستوى الأفراد والجماعات والدول؟!
ولا شك أن الكثير من الناس يعانون من عدم كفاية مرتباتهم مع أنها ليست قليلة والسبب الرئيس في ذلك عدم القدرة على الاقتصاد في المعيشة، وقد ورد أن الاقتصاد في حال الغنى فضلا عن حال الفقر من أسباب النجاة، فقد ثبت في الحديث: "ثلاث منجيات: القصد في الفقر والغنى..."(18). قال ميمون بن مهران: "اقتصادك في المعيشة يلقي عنك نصف المؤونة"(19).
أهمية الصيانة:
من المعلوم أن العمر الافتراضي لأي آلة أو مبنى أو ملبوس يتأثر بطريقة الاستخدام ومدى الاهتمام بالصيانة، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقل شيء مع الإصلاح ولا يبقى شيء مع الفساد"(20).
وأنشد الإمام أحمد:
| قليل المال تصلحه فيبقى | ولا يبقى الكثير مع الفساد(21) |