الابتلاء وطريق السلامة(*)
22 جمادى الثانية 1427

الدنيا دار بلاء، فالناس كل الناس مبتلون فيها بالضراء أو السراء، "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" [محمد:31]، "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" [الأنبياء:35]، "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" [الكهف:7]، "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" [البقرة:155]، وقال عن السابقين: "وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [لأعراف:168]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وكلما نظر صاحب المصيبة إلى حال غيره من المصابين هان عليه ما هو فيه، ورأى لطف الله - تعالى- به. ومن الحكمة المنقولة ما يروى من أن الإسكندر بن فيلبس المعروف بالمقدوني لما حضرته الوفاة بعث لأمه رسالة يقول فيها: إذا بلغك نبأ وفاتي فأقيمي مأدبة، وادعي كل الناس إلاّ من أصابته مصيبة، ففعلت، فلم يحضر أحد، فعلمت أنه أراد أن يعزيها، فإن المصائب إذا علم بأن جنسها يطرق الناس كل الناس، لم يبغت العاقل ثابت الجنان راجح اللب بها، ووجد في الأُسى عزاء للأسى، وأجاد من قال:
ألم تر رزء الدهر من قـبل كونـه = كفاحـاً إذا فكـرت فـي الخلواتِ
فما لك كالمرمِيِّ في مأمـنٍ لــه = بنبـلٍ أتته غير مـرتـقـبـاتِ
فإن قلتَ مكروهٌ أتاني فُـجَاءةً = فما فُوجئتْ نـفْسٌ مع الخَـطـرات
ولاعوفصت(1)نفسٌ لبلوى وقد رأت = عظات من الأيام بـعــد عِظات
إذا بغـتت أشياءُ قد كان مـثُلها = قـديماً فـلا تَعْتَــدَّها بغتـات

والمؤمن أولى الناس بذلك فإنه مهما كان المصاب فهو على غنم، قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" رواه مسلم (2)، بل مع الصبر على الضراء تراه يحمد الله أن جعل مصيبته في دنياه لا في دينه، بل ترى بعضهم يشهد في ذلك المقام المنة، فيعلم أنه وإن أعسر شهراً فقد أيسر دهراً، وإن مارس الشدة أياماً، فقد لابس النعمة أعواماً، على ثقة من أن ساعة الضراء تزول، كما أن مدة السراء قد تحول، وكما لم تثبت نوبة المنحة، فلن تلبث نوبة المحنة، فما أعظم طمأنينة قلب من كان هذه حاله، وهنيئاً له الفوز بالدرجات العلى يوم القيامة.

ويعقوب عليه السلام طراز فريد من أولئك، وقد جمع بين الصبر الجميل وبين التعلق بالله القدير، ففر إلى من بيده مفاتيح الفرج سبحانه، لعلمه بأن من آوى إليه كفاه، فالفزع إلى الله -تعالى- عند نزول المصائب يربط على القلب، ويقرِّب من الرب، ويخفف من وطأة المصيبة على النفس، وهو دأب الصالحين في كل زمان. ونبينا - صلى الله عليه وسلم- كان "إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة"(3). وأحسن من قال:
إذا أرهقـتك همـوم الحـياة ومسـك منها عظيم الضرر
و ذُقت الأمرين حتى بكيـت وضج فؤادك حتى انفجـر
وسُدت بوجهك كل الدروب و أوشكت تسقط بين الحفر
فيـمِّـم إلى اللـه في لهفـة و بث الشـكاة لرب البشر
ولا ينافي الصبر والفرار إلى الله بذل الأسباب بل يقتضيها، فهذا يعقوب _عليه السلام_، صاحب الصبر الجميل، قال وهو الصادق فيما يقول: "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله"، ومع ذلك لم يغفل قانون الأسباب، "يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"، فأنت تراه يوجه بنيه كل بنيه: يا بَنيَّ، لا تيأسوا من روح الله، فكل عسير إذا يسره الله يهون، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، لا يقعدنكم اليأس، تحركوا وامضوا، فباحثوا عن أخبار من تلوموني في ذكره، وعن أخيه، وفي هذا بيان لقوة نفسه عليه السلام وثبات جنانه، ولك أن تقدر ما يقوله الناس له، وعظيم إنكارهم عليه، وما يتحدثون به في مجتمعه، وخذ مقياساً لذلك كلمة بنيه: "تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين" فإذا كان هذا قول الأبناء المقربين فكيف بالغرباء الأبعدين، بل كيف بمن لم يعرف له مقام نبوة؟ إنك ترى كثيراً من الناس ربما قال بحق في مسألة من المسائل التي بدت له أدلتها، وظهر له برهانها، فيلبث قليلاً فيعظم إنكار بعض الناس عليه، فيخنس! أما الأنبياء.. أما من عرف قدر الحق من أصحاب النفوس القوية فلا، بل يثبتهم اليقين فيصبرون، وعندها يجعل الله منهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون. إن يعقوب عليه السلام لقي من الإنكار ما لقي حتى من الأبناء، وربما رأى من لا يبصر بنور الوحي أن رأيهم هو الرأي، إلاّ أن يقين يعقوب وصبره عكسا القضية، فإذا بالمُنْكِرِ المخالفِ منذ قليل يتوجه إلى البحث عما أنكر، لما رأى الصبر واليقين ماثلين أمامه.
إننا بحاجة في واقعنا المعاصر إلى أهل علم راسخين ينظرون بنور الله في الأمور، ثم يبصرون بنور الله أهل العمى، ويثبتون فلا تصرفهم عن ذلك شناعة شنعت، عندها يجعل الله منهم أئمة وقادة لسفينة الحياة، وعندها يرسى الناس عند شاطئ السلامة وبر النجاة. بفضل اتباعهم الذين يعلمون من الله ما لا يعلمون.

* مستل من كتاب الشيخ –حفظه الله- آيات للسائلين.
(1) تقبضت وضاقت.
(2) في الصحيح 4/2295 (2999).
(3) ابن كثير: 1/88.


أولا : البلاء يكون للكافر، يأتيه، فيمحقه محقاً. وذلك لأن الله تعالى يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. ومن أسماء الله تعالى: الصبور ، والإنسان عندما يصبر على امتحان معين، فهو صابر. أما صبر الله سبحانه: أنه لا يعجل الفاسق أو الفاجر أو الظالم أو الكافر بالعقوبة. فأنت كبشر قد تتعجب: كيف يمهل هذا الإنسان. وهو يعيث في الأرض فساداً. -ولو حُكِّم إنسان في رقاب البشر، لطاح فيهم. والله سبحانه وتعالى عندما قال: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) فعندما رأى، أراه الله الملكوت، وكشفه، كشف له الحجب. فرأى الخليل ما لا يراه في حياته البشرية. رأى إنساناً ظالماً يضرب يتيماً، فقال له: يا ظالم، أما في قلبك رحمة، أتضرب اليتيم الذي لا ناصر له إلا الله. اللهم أنزل عليه صاعقة من السماء. فنزلت صاعقة على الرجل. رأى لصاً يسرق مال أرملة، أم اليتامى. فقال له: يا رجل أما تجد إلا هذا؟! اللهم أنزل عليه صاعقة... وتكرر هذا. فقال له الله سبحانه: (يا إبراهيم، هل خلقتهم؟) قال: لا يا رب قال: لو خلقتهم لرحمتهم، دعني وعبادي. إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم وأنا أرحم بهم من الأم بأولادها. فالله الصبور لا يعجل ولا يعاجل.فمتى جاء عقاب فرعون؟! لقد جاء بعد سنوات طويلة، وكان قد أرسل له بنبيين عظيمين وقال لهما (وقولا له قولاً لينا) وهو الذي طغى وطغى وطغى..فلما وصل الأمر إلى ذروته: أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. فالله سبحانه وتعالى، يأتي بالبلاء للكافر، فيمحقه محقاً، لأنه لا خير فيه. عندما قال سيدنا موسى-الكليم-: يا رب، أنت الرحمن الرحيم، فكيف تعذب بعض عبادك في النار؟ قال تعالى: (يا كليمي، ازرع زرعاً) فزرع موسى زرعاً، فنبت الزرع. فقال تعالى: (احصد) فحصد.ثم قال: (أما تركت في الأرض شيئا يا موسى) قال: (يا رب، ما تركت إلا ما لا فائدة به) فقال تعالى: (وأنا أعذب في النار، ما لا فائدة فيه) فهذا هو البلاء. كما يقول تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم..وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيم) ثانيا الإبتلاء وهو يكون للإنسان الطائع، وهو درجات وأنواع. وبالتالي هناك: آداب الابتلاء. سؤال: كيف يكون هناك إنسان مريض، ومصاب في ماله وجسده وأهله...فهل يكون هناك أدب مع كل هذا؟ نحن عباد الله سبحانه. والعبد يتصرف في حدود ما أوكل إليه سيده من مهام، وهو يعلم أن (سيده سبحانه وتعالى): رحمن رحيم، لا يريد به إلا خيراً. فإذا أمرضه، أو ابتلاه فلمصلحته. كيف؟ كان أبو ذر جالساً بين الصحابة، ويسألون بعضهم: ماذا تحب؟ فقال: أحب الجوع والمرض والموت. قيل: هذه أشياء لا يحبها أحد. قال: أنا إن جعت: رق قلبي. وإن مرضت: خف ذنبي. وإن مت: لقيت ربي. فهو بذلك نظر إلى حقيقة الابتلاء. وهذا من أدب أبي ذر. ويقال في سيرته: أنه كان له صديق في المدينة. وهذا الصديق يدعوه إلى بستانه ويقدم له عنقود عنب. وكان عليه أن يأكله كله..فكان أبو ذر يأكل ويشكر، وهكذا لعدة أيام...ففي يوم قال أبو ذر: بالله عليك، كُلْ معي. فمد صاحب البستان ليأكل، فما تحمل الحبة الأولى، فإذا بها مرة حامضة. فقال: يا أبا ذر، أتأكل هذا من أول يوم؟! فقال: نعم. قال: لم لم تخبرني؟ قال: أردت أن أدخل عليك السرور. فما رأيت منك سوءاً حتى أرد عليك بسوء. هذا إنسان يعلمنا الأدب، إنه لا يريد أن يخون صاحبه، وهناك اليوم أناسٌ متخصصة في إدخال الحزن على أمم بأكملها. وقد كان في أول عهده، تعثر به بلال، فقال له: يا ابن السوداء! فقال له النبي-صلى الله عليه وسلم-: (يا أبا ذر، طف الصاع ما لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى والعمل الصالح). فإذا بأبي ذر يضع خده على الأرض ويقول: (يا بلال، طأ خدي بقدمك حتى تكون قد عفوت عني). فقال بلال: (عفا الله عنك يا أخي). هذه هي الأخوة في الله. فمع الابتلاء، لا بد أن يكون هناك أدب من العبد، لانه يعلم أن المبتلي هو الله سبحانه. فإذا ابتلاه رب العباد فهو بعين الله ورعايته. فيتعلم الأدب مع الله فيما ابتلاه فيه. أنواع الابتلاء 1-عبد سادر منحرف: بعيد عن الله، لا يقيم الطاعات، بل ويرتكب المعاصي، والطاعة بالنسبة له ثقيلة ومريرة، بينما المعصية لها حلاوة، ولكن: فيه شيء من خير ،فالله سبحانه يبتليه، كي يوقظه من غفلته. إبراهيم بن أدهم، كان يتسور البيوت ويسرقها. فتسور بيتاً مرة، فرأى صاحب البيت يقوم بالليل ويصلي ويقرأ لو أن الابتلاءات صُورت بشكل مادي، على شكل كرات مثلاً، ووضعناها في ثوب واح، ووقف صاحب الابتلاء طوابير وقيل لهم سوف ترى إذا انجلى الغبار، أفرس تحتك أم حمار).والصبر عند الشدائد، والأنبياء صبروا لأن عندهم رصيد. كيف يعلم العبد أن الابتلاء تكريم من الله؟ ـأولاً: كلٌ منا أعلم بعيوبه، وكل واحد يستطيع أن يخدع بعض الناس بعض الوقت ويستطيع أن يخدع كل الناس بعض الوقت، ولكنه لا يستطيع أن يخدع كل الناس كل الوقت، ولا يستطيع أن يخدع نفسه. لذلك وصف الله تعالى المنافقين: (وما يخدعون إلا أنفسهم).وكل إنسان يعلم تماماً، ما هي محاسنه وما هي مساوؤه ونحن لا نحكم على الناس إلا بظواهرهم. كيف أعلم عيوبي، وكيف أعلم أني مكرم عند الله؟ أولاً: إذا استشعرت أن جسدي فيه خلل ما، أذهب إلى الطبيب المختص، وفي مسألة القلوب: لا بد أن أعرف، هل قلبي سليم أم سقيم أم ميت! فأعرض نفسي أولا على كتاب الله:فما مدحه كتاب الله، هل هو موجود عندي؟ فأصير في معية الله. هل هو غير موجود عندي: فأنا مقصر. -ثم أرى ماذا ذم القرآن؟ ذم كذا وذم كذا وكذا.. فأنظر في نفسي، هل أنا من هؤلاء ثم أعرض نفسي على سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: ماذا يحب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟ ولو كان بيننا، هل يحب أن يجالسني وأنا بهذه الأخلاق. قد يقول البعض: إن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يعش في عصر الفضائيات والفيديو كليب..؟ نقول: إن هذه الابتلاءات هي من ذنوب العباد. يقول عمر: (إن قوماً أصلح الله قلوبهم. أحيووا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بتركه) فلو أننا لا نشتري التسجيلات أو المجلات ولا نفتح الفضائيات، فسيُهملوا، فما قيمتهم في الحياة؟ ذكر الناس لهم. قالوا للحسن البصري: إن اللحم قد غلا. قال: أرخصوه قالوا: كيف؟ قال: اتركوه.ولما رأى عمر، ابن عوف، آتياً باللحم، قال له: ما هذا يا ابن عوف؟ قال هذا لحمٌ اشتهيته فاشتريته.قال عمر: يا ابن عوف، أو كلما اشتهيت اشتريت؟! كفى بالمرء إثما أن يشتري كل ما يشتهي. فلكي أعرف عيوبي:أعرض نفسي على الكتاب والسنة، ثم أعرض نفسي على عالم من علماء الإسلام الصالحين. و الصبر الجميل: هو الحزن بدون شكوى. فالشكوى تخفف الثواب.قال يعقوب (إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله...)،وليس للعبد،فمن شكا إلى العبد، فهو يشكو الذي يرحم إلى الذي لا يرحم.

جزاكم الله على هده الكلماتو اما بعدو فزماننا هدا كله فتن ومحن.انما اهل الايمان يقبلون الام الدنيا ويرضون به. لكن سؤال يروادني: ماهي علامات الايمان الباطنة؟ اولا, ارى التوفيق لاعمال والمدوامة عليها علامة ثانيا, اتباع الحسنة السيئة برهان ثان اخيرا ,الاستجابة لنداء الحق ودكر الله . فبه تهون المصائب والله ولي التوفيق اخوكم عبدالله
12 + 8 =