الدعوة.. علم شرعي!
18 رمضان 1427

في حين استقر لدى الناس أن الطب مثلاً لا يستطيع أن يمارسه أحد إلا بعد دراسة عميقة وطويلة، إلا أن رؤية بعض الناس للدعوة إلى الله تعالى تختلف تماماً؛ إذ يرون الدعوة لا يحتاج من أراد صعود درجاتها والارتقاء في مستوياتها الخاصة إلا إلى قليل من العلم الشرعي.

ولا يفرّق كثير من هؤلاء بين الدعوة المشـروعة لكل مسلم ومسلمة بقدر ما معهما من معلومات شرعية، وبين درجات الدعوة ومستوياتها التي تحتاج إلى دراسة أو تخصص، بدءاً من جلسات التعليم والتثقيف الديني، إلى الوعظ العام والخطابة والمحاضرة.. إلى توجيه الجموع وقيادة الجماعات.

وهذا التقصير أولاً يوجد على مستوى الداعي، حين يندفع بعض من تثقف تثقيفاً دينياً أولياً فيقفز إلى هذه الدرجات، واضعاً نفسه فيما لا يناسب قدراته العلمية، وبدلاً من أن يترقى في درجات الدعوة بتعلّم العلم الشرعي الكافي لكل منها، كي يكون ارتقاؤه صحيحاً، تراه يترقى فيها عن طريق الممارسة، وكأنها حرفة من الحرف اليدوية، فيتعلم مهارات الخطابة والمحاضرة والتأثير، أو فن الإدارة وأساليب القيادة، ليمارس بعدها الدعوة إلى الله تعالى كما يشاء، مهملاً العلم الشرعي الذي لا تقوم الدعوة إلا به! والأسوأ من ذلك أن ينفر بعض هؤلاء من العلماء وسؤالهم والتعلم منهم والاسترشاد بهم.

الدعوة إلى الله تعالى هي أشرف عمل، وأرقى وظيفة، لأنها عمل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وإذا كانت الدعوة مشروعة لكل مسلم ومسلمة فيما يعلم؛ فإنه لا يُتصور أن يكون المتقدمون لقيادة هذا العمل والمشاركة في درجاته الخاصة؛ من فاقدي الحد الأدنى من الأسس الشرعية التي تسوّغ لهم القيام به، قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج: (ولا يأمر ولا ينهى في دقائق الأمور إلا عالم، فليس للعوام ذلك... ويُنكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله)(1). وقال ابن القيم: (وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها؛ فهي لا تحصـل إلا بالعلـم الذي يدعو بـه وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلـم إلى حد يصل إليه السعي)(2).

وتقصير الداعية في تحصيل العلم الشرعي المناسب للدرجة التي يريد أن يضع نفسه فيها، يُعد من أخطر الأسباب التي تُفسد الدعوات، أو تُنحيها عن مسارها الصحيح، ويمكن الإشارة إلى حاجة الداعية في دعوته إلى العلم الشرعي في ثلاثة جوانب:
1- في بيان الدين للناس، والذي هو أساس دعوته، فالداعية الذي يتصدر لدعوة الناس، قبل أن يمكّن نفسه من العلم فيما سيدعو إليه، قد تصدر منه الطامات، ويأتي بالعجائب والغرائب التي لم يُسمع بها في أمور الدين، مما قد يفسد عقائد الناس، أو يؤصل في نفوسهم مفهومات غير صحيحة.

2- وفي مجال القدوة والتربية، يحتاج الداعية إلى العلم الشرعي إذا تصدر لدعوة الناس؛ لأنه قدوة لهم، وهم ينسبون كل فعل وقول يصدر منه إلى الدين، فإن لم تكن أقوال الداعية وأفعاله فيما تصدّى له منضبطة بأحكام الشرع؛ أضر الدعوة من حيث كان يريد أن ينفعها، لأن كثيراً من عامة الناس يستشهدون بأفعال من يتبعونهم من الدعاة وأقوالهم أكثر مما يستشهدون بدليل شرعي.

3- وفي مجال نشر الدعوة، يحتاج الداعية إلى العلم الشرعي لكي يضبط حركته الدعوية، ويقوّم أفكاره وتوجهاته وقراراته، لا أن تكون حركته الدعوية نابعة من عاطفة مندفعة أو ردود أفعال غير محسوبة.. أو غير ذلك.

كما يوجد التقصير في العلم الشرعي ثانياً على مستوى التجمعات الدعوية والجماعات، حيث تنطلق كثير منها في الدعوة من منطلق خبرات وتجارب شخصية لبعض رموزها؛ قبل أن تكون قائمة على الأساس العلمي الشرعي، وقد قامت دعوات وجماعات وتنظيمات للدعوة في كثير من البلاد، لكن كثيراً منها اعتمد على أشخاص لم يكن معهم القدر المناسب من العلم الشرعي، ومن ثم اعتمدوا في قيادة الدعوة على خبراتهم الشخصية وثقافات متناثرة من هنا وهناك، فحددوا الأهداف ووضعوا المناهج والتصورات، وهذا في حد ذاته مشكلة وتقصير خطير.

إلا أن المشكلة الأخطر أن ما وضعوه من تلك المناهج والتصورات والآراء صار مقدماً لدى العديد من أتباعهم، لفرط الثقة في رموزهم وقادتهم والغلو في تقديسهم، على مقتضيات الأدلة والأصول الشرعية وأقوال العلماء، لأن الدعوة في نظرهم فن ومهارات وتجميع وتأثير، ورموزهم فيما يرون قد برعوا في ذلك وأجادوا، غفلة منهم في الغالب عن أن الدعوة إلى الله تعالى هي علم شرعي، وليست فناً أو تصورات أو تجارب شخصية، وهذا مما تسبب في حدوث الكثير من الأخطاء التي أضرت وتضر الدعوة الإسلامية.

فقد أدى ذلك إلى أن تتحول ساحة الدعوة لمحيط تتلاطم فيه الآراء الدعوية والتصورات والمناهج بصورة غير متانهية، تزداد حدتها مع مرور الأيام، حتى كثر التدابر، واستعصى الخلاف، وضاعت كثير من الجهود في الأخطاء والتعثرات والسقطات، وقلّ أن تجد بعد ذلك وقتاً للحديث عن مستقبل الدعوة، وصارت تلك التصورات والمناهج الدعوية كأنها مذاهب فقهية جديدة لها أصولها في الاستدلال والأحكام، والتي قد لا تمت بصلة إلى المذاهب الفقهية المعروفة.

والظن بأن الدعوة هي تصورات ونظريات وتجارب، أو علوم إدارية ومهارات وقدرات تأثيرية، في المقام الأول، انحراف عن الفهم الصحيح للدعوة إلى الله تعالى، ينتج عن الخلط بين حقائق الأشياء، والفهم الخاطئ لدور كل مما ذُكر ووظيفته في الدعوة وعلاقـته بالعلم الشرعي، فالدعوة ليست مؤسسة، ولا علم إدارة، ولا مجرد خبرات شخصية وتجارب ومهارات، وإن كان هذا كله وغيره مهـمّاً ومطلوباً في ممارسة الدعوة، وإنما الدعـوة علـم شرعي، أولاً وأخيراً، لأنها جزء من الدين، وغير ذلك من العلوم والخبرات الإدارية ونحوها؛ إنما هي علوم خادمة للدعوة وليست حاكمة عليها.

والحاكم الوحيد على الدعوة هو الكتاب والسنة، بفقه الأئمة والعلماء، فالكتاب والسنة هما المصدر الذي تنبثق منه علوم الدعوة، وعلى أساسه تقوم، في كل شيء، سواء في أهداف الدعوة، ومضمونها، ووسائلها، وأساليبها، وحركتها.. إلى غير ذلك، ومن ثم لزم أن تُبحث أمور الدعوة وقضياها في نطاق العلم الشرعي، لا أ ن يتحكم في الدعوة رؤى شخصية، أو آراء فنية، أو رغبات متعجلة، أو عاطفة مندفعة، أو مفهومات مستوردة، أو ردود أفعال.. كما هو حال بعض أتباع التيارات في ساحة الدعوة.

قال _سبحانه وتعالى_: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ..." [النحل : 125]، قال ابن جرير في تفسـير (الحكـمة): (هـو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة)، وقال البـغوي: ("ادع إلى سبيل ربك بالحكمة"، بالقـرآن)(3). قال الدكتور سعيد القحطاني: (ولا يكون الداعية إلى الله حكيماً إلا بالعلم الشرعي، وإن لم يصحب الداعية [العلم الشرعي] من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه؛ فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين)(4).

وقال _تعالى_: "قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُـبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [يوسف : 108]، قال الشوكاني: (وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده والعمل بما شرعه لعباده) فتح القدير.

قال ابن القيم: (قال الفراء وجماعة (ومن اتبعني) معطوف على الضمير في (أدعو)؛ يعني: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو. وهذا قول الكلبي قال: "حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ويذكّر بالقرآن والموعظة"، ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: (إلى الله) ثم يبتدئ بقوله: (على بصيرة أنا ومن اتبعني)، ... والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من أتباعه حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه، وقول الفراء أحسن وأقرب إلى الفصاحة والبلاغة...)(5).

وقال الدكتور سعيد القحطاني: (البصيرة هي أعلى درجات العلم... والبصيرة في الدعوة إلى الله في ثلاثة أمور: الأمر الأول:... أن يكون عالماً بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه... الثاني:... معرفة حال المدعو... الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة، وقد رسم الله عز وجل طرق الدعوة ومسـالكها في آيات كثيرة...)(6).

وقال تعالى في الأنبياء: "قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ... " [الأنبياء : 45]، قال القرطبي: "أي أخوّفكم وأحذّركم بالقرآن"، "فحصر الإنذار في الوحـي دون غيره"(7).
وقال _تعالى_: "فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِـهِ جِهَاداً كَبِيراً" [الفرقان : 52]، قال البغوي: ("فلا تطع الكافرين" فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم. "وجاهدهم بـه" أي: بالقـرآن، "جهاداً كبيراً"، شديداً)، قال القرطبي: ( "وجاهدهم بـه" قال ابن عباس بالقـرآن. ابن زيد: بالإسلام).

قال البخاري: (باب: العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) [محمد: 19]، فبدأ بالعلم)، قوله: (باب العلم قبل القول والعمل) قال ابن المنير: (أراد [البخاري] به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يُعتبران إلا بـه، فهو متقدم عليهما لأنه مصحّح للنية المصحّحة للعمل)، وقوله: (فبدأ بالعلم) أي أنه تعالى قال: "فاعلم أنه لا إله إلا الله" ثم قال: "واستغفر لذنبك"، (والخطاب وإن كان للنبي _صلى الله عليه وسلم_ فهو متناول لأمته. واستدل سفيان بن عيينة بهذه الآية على فضل العلم... فقال: ألم تسمع أنه بدأ به فقال: "اعلم" ثم أمره بالعمل)(8).

لقد حان الوقت لكي تعود الدعوة إلى مركزها الأصلي، وهو العلم الشرعي، لكي تنطلق منه، فيستقيم المسار بعد أن اعوج لدى كثيرين في ساحة الدعوة، وتظهر الأهداف الحقيقية لهم بعد أن زاغت عنها أبصارهم، وتتوحد جهودهم بعد أن ضاعت في شتات الآراء.

__________________
(1) مغني المحتاج، (4 / 212).
(2) كتاب مفتاح دار السعادة، الجزء 1، صفحة 154.
(3) تعريف الحكمة في الكتاب والسنة فيه أقوال كثيرة، "وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة..." تفسير القرطبي ، 3/ 330. انظر كتاب الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، للشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ص 26، 27.
(4) الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ص 44.
(5) كتاب مفتاح دار السعادة، الجزء 1، صفحة 154.
(6) الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ص 38، 39.
(7) أضواء البيان، تفسير سورة محمد (صلى الله عليه وسلم).
(8) فتح الباري، كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.



شكرا جزيلا
4 + 6 =