الرؤية والرمي: بين التجني والتجري
3 ذو الحجه 1427
أحمد العساف

المواسم المباركة منةٌ من الله _سبحانه_ على عباده ليزداد المحسن ويتوب ويعود المسيء ويؤوب، وهي زادٌ لكل سائرٍ إلى الله والدار الآخرة – وكلنا ذاك الإنسان -، والمحروم من تنكب الصراط فيها والسعيد من شكر الله على إدراكها وبالغ في التأله والتعبد والنفع العام.

ومع أن هذه المواسم كما وصفتُ وأكثر إلا أن الأمة الإسلامية بُليت بمن ينغص عليها قداسة هذه الأزمنة وحرمتها؛ وليس ببعيدٍ عنا ما يفعله الغلاة في البلدان الإسلامية من استحلال الدم الحرام والتخريب الذي لا يوافقون عليه؛ ولسنا نغمض أعيننا عما يتهوك فيه الجفاة من جرائم مسكوتٍ عنها أو عن أكثرها. ومن هذه الجرائم الشنيعة التي يشترك فيها الغلاة مع الجفاة: الهجوم على الفتوى بلا حق ولا دليل أو آثارة من علم. ولأننا نستقبل هذه الأيام موسماً عظيماً وأياماً فاضلة بعد أن فرغنا من توديع رمضان؛ فلا بد من النظر إلى " الفتاوى " التي يطلقها عدد من الإعلاميين والمتحدثين والكتاب حول رمضان والحج؛ وسيكون الحديث عن مسألتين، أولاهما: رؤية الهلال والأخرى: رمي الجمرات.

ومختصر رأي من خاض في هاتين المسألتين من فئة الكتاب وأضرابهم يدور حول ما يلي:
1. الدعوة إلى توحيد رؤية هلال دخول الشهور وخروجها في جميع البلدان الإسلامية.
2. اعتماد الحسابات الفلكية في دخول وخروج شهري رمضان وذي الحجة.
3. الإفتاء " رسمياً " بجواز الرمي قبل الزوال خاصة في اليوم الثاني عشر.
وهذه الأقوال المعتدلة وأما الآراء الشاذة فسقوطها يغني عن إسقاطها.

وقبل التأمل في أقوالهم أشير إلى ما يلي:
• اختلاف رؤية الهلال في البلدان الإسلامية ليست مسألة حادثة بل هي قديمة ومع ذلك فلم تشغل حيزاً كبيراً من التراث الفقهي.
• أن الفلكيين غير متفقين في حساباتهم ولذلك نشاهد اختلافهم في تحديد بدايات الشهور ومواسم المطر والبرد وغيرها.
• أن الحج محدود الزمان والمكان؛ ولا بد من اعتبار ذلك في كل مقترح لحل إشكالاته.
• ومن العدل أن أقول أن قدم المسائل ليس حجة في ترك إعادة بحثها شرط أن يكون الباحث من أهل الشأن وأن يراد من البحث مصالح شرعية.

وحين نتأمل في " فتاوى الرؤية والرمي " عند الصحفيين وأمثالهم نرى ما يلي:
1. في هذه الفتاوى تعد على سلطان الدولة وتجاوزٌ صريح لنظامها؛ فمنذ زمن بعيد تعرض مسائل الحج على هيئاتٍ ولجانٍ ومجامعَ علمية رسمية أو شبه رسمية ولا زال العرض مستمراً والتدوال فيها مثاراً، فكأن هؤلاء لا يرون كفاية هذه اللجان أو يطعنون في أهليتها وربما تجاوز الأمر هذه الجهات إلى منشئها والآمر بها!

2. أن هؤلاء الخائضين ليسوا من أهل التخصص؛ فليس منهم طالب علم أو فلكي أو مهندس وأقصى ما لدى بعضهم سماع متحيز أو قراءة غير مكتملة أو شغف بـ" طبوليات " المسائل بغية صنع البطولات القرطاسية والانتصارات الصوتية.

3. يشتمل جل اعتراض الكتبة على لمزٍ قريب أو بعيد للعلماء ومنهم مَنْ قال بحق الجهات العلمية والقضائية كلاماً بذيئاً لا يُروى؛ وليس عُجاباً أمرهم إنما الذي لا يُسوَّغ أنًّ أحداً لم يحاكم جرأتهم وأنَّ مَنْ بيده الأمر لم يغضب لحق علمائه ولجانه. وقد أحال بعضهم مسؤولية كل أقدار الحج المؤلمة على العلماء دون النظر إلى تشابك عوامل مختلفة في أحداث الحج؛ وليست الفتيا أهمها!

4. في التركيز على رؤية الهلال صرفٌ متعمد لأنظار الناس عمَّا يحدث في المواسم الكريمة من إفساد إعلامي وانتهاك حرمة الصيام و تجافٍ عن أي فكرة إيجابية قد يُنتفع منها. وفي التركيز على الرمي إغضاءٌ عن قضايا أهم كما يحدث من مظاهر شركية ومن غياب الوعي بين الحجاج.

5. لم يتحدث غالب هؤلاء عن المعاني الإيمانية للصوم والحج ولم يتطرق أحدٌ منهم للسؤال عن الوحدة الإسلامية أو عن أحوال المسلمين وبلدانهم وما يمور بها من أحداث إبَّان الصيام أو الحج.

6. إن مطالبتهم بتعميم فتوى الرمي قبل الزوال في اليوم الثاني عشر لا تغير من مشكلة الزحام شيئاً ألبتة. فبدلاً من تزاحم الناس بعد الزوال سيتزاحمون بعد الشروق مع بقاء متعلقات الزحام كما هي دون تغيير سوى التبكير في نتائجها.

7. يُشار إلى أنه بتتبع مقالات وأحاديث هذه الفئة لم نجد منهم من ندب نفسه للحديث عن تحقيق معنى الشهادتين أو الشرك حول القبور أو التهاون في الصلاة إلى غير ذلك. ويستبين من هذا التتبع أن الرمي والرؤية مستغلان من قبل " الأقزام والدمى " كمادةٍ للهجوم على دين الله وعلى علماء الشريعة ومشايخ البلاد والفقه الحنبلي. ولم يخط أحد من هؤلاء المتباكين على الصيام والفطر خلال ثلاثة أيامٍ متفرقة حرفاً واحداً في استنكار خلافات الشيعة العقدية أو جرائمهم بحق مواطنيهم من أهل السنة.

8. أخشى أن تستغل أحاديثهم وأقوالهم كجسر من قبل أي شخص معتوه أو مشبوه وينفذ من خلالها لدعوات مريبة حول الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة.

9. أن هذه الأقوال الكيدية الآثمة تنسف كل منجزات الدولة وجهودها وما صرفته من أموال ضخمة وأوقات ثمينة في سبيل خدمة الحرمين والمشاعر وزوارهما؛ وهي إنجازات جديرة بالتباهي والفخر من ناحية وبالتسديد والمقترحات العملية المناسبة من ناحية أخرى.

ولإتمام القول أقترح ما يلي:
1. تعاون جميع الجهات الحكومية لرفع مستوى الوعي بأحكام الحج وسبل التيسير فيه ومبادئ السلامة في المشاعر؛ ومن هذا الباب ألا تمنح التأشيرة إلا بعد التحاق طالب الحج ببرنامج تعليمي معتمد حسب مذهب بلده؛ ومنها توزيع الأدلة المصورة على الحجاج القادمين من جميع المنافذ، ومن أهمها توجيه كل وسائل الثقافة الإعلام لخدمة هدف صحة الحج وسلامة الحجاج بالبرامج الهادفة المُحكَّمة؛ ولا ننسى التأكيد على أهمية نشاطات الأمانة العامة للتوعية والإفتاء في الحج.

2. إخراج جميع الإدارات الحكومية من أرض منى بحيث لايبق فيها إلا ما ليس بدٌ من بقائه في أضيق الحدود وأنسب الأماكن الجغرافية موقعاً ومساحة.

3. تنظيم حج الوفود الرسمية والمواكب؛ بحيث يلزمون برخص الحج جميعها ويلتزمون بكل مالا يضيق على الناس؛ ومن هذا الباب التوكيل بالحج جملة واحدة أو التأخر في الرمي والشروع في أداء بعض المناسك حين يخف الزحام.

4. إعادة هندسة طرق المشاعر ومداخلها بما يجعل الحركة انسيابية سلسة للراكب والراجل.

5. إشاعة فتاوى الحج المختلفة ما لم تكن شاذة أو منكرة دون إلزام؛ وقمين بالمفتي أن يذكر الأقوال المعتبرة في المسألة ثم يبين اختياره.

6. تأليف لجنة دائمة مشتركة لتحري الأهلة كل شهر بما يحقق الضبط والاطمئنان وإعلان نتيجة عمل اللجنة شهرياً.

ونسأل الله في الختام أن ييسر للحجاج مناسكهم وأن يتقبل منهم ويردهم جميعهم لديارهم وأهليهم سالمين مأجورين؛ كما ندعو للقائمين على شؤون الحج والحجاج بالعون والتوفيق والمثوبة فنحن – أهل الحرمين- شركاء معهم في الخدمة والهم.
 

توصيات رائعة جدا..ياليت الحكومة وفقهاالله تنظر لها بعين الاعتبار.<BR><BR>بوركت وبورك مدادك<BR><br>
11 + 5 =