الستر
24 ذو الحجه 1427

المفهوم الشرعي للستر:
طُلب مني المساهمة في تقديم بعض الرؤى والمقترحات لباحث بمرحلة الماجستير وقد عنون رسالته بـ (الستر وأثره في الوقاية من الجريمة)، وقد وفق الباحث في اختيار الموضوع لهذه الرسالة حيث إن الستر يقي من الجريمة ويقلل منها في كثير من الأحيان، لكن يحق لنا أن نتساءل: هل الستر على الإطلاق يقي من الجريمة؟
لا شك أن تعميم ذلك من الخطأ البين، لأننا لو قلنا بذلك لكان لهذا القول لوازم باطلة من أهمها: إغفال الحكمة التشريعية لإقامة الحدود على البشر...

والستر في حقيقته: هو تغطية لهنات وعيوب المخطئ وإخفائها، وهذا لا يعني بالتحديد تخصيصه بذوي الهيئات كما نقل ذلك عن الإمام النووي – رحمه الله – بل الضابط في هذا هو المجاهرة بالمعصية من عدمها، لأنه بمجاهرته استخف بحق الله سبحانه وتعالى، وقد تورثه هذه المجاهرة إلى إقامة الحد عليه أو التعزير.

يقول الإمام أحمد – رحمه الله –: "الناس يحتاجون إلى مداراة، ورفق في الأمر بالمعروف، بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً، معلناً بالفسق والردى، فيجب عليك نهيه وإعلامه، وقد بنا كلامه - رحمه الله - فيما يظهر بما ثبت عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويكشف ستر الله عنه".

وبالتالي يجدر التنبه إلى أنه لا يلزم من عدم الستر التشهير المنهي عنه، إلا من جاهر بالمعصية فإنه يجوز التشهير بفسقه وقد نبه إلى ذلك أيضاً الإمام أحمد – رحمه الله – حينما قال: إذا كان الرجل معلناً بفسقه فليست له غيبة".

مع مراعاة ضوابط التشهير، فليس التشهير في المكان الذي جاهر صاحبه فيه كالتشهير مثلاً على صفحات شبكة الإنترنت. فلا بد من مراعاة المصالح والمفاسد في ذلك، وفي المقابل لا يفهم من الستر في عدم إظهار الذنب أمام الناس.. نسيان الإنكار على المخطئ بل يجب على المحتسب بيان قبيح عمله وتوجيهه للصواب والأخذ على يده.


فإن كان ذا حقاً فإن حياتنا   كما قيل سترٌ والردى كاشف الستر

العوامل المساعدة على الستر:
لا شك أن المتتبع لهذه العوامل سيجد أنها كثيرة، لكن يمكن تقسيمها من باب التقريب للفهم إلى عاملين:
أولاً: عوامل راجعة لذات المخطئ:
ولعل من أبرز هذه العوامل: التأثير القلبي واستشعار المخطئ لعظم الذنب الذي وقع منه، وظهور شرارة شروط التوبة – التي نص عليها أهل العلم – عليه، وتنزيلها على واقعه.
ويدل على ذلك ما جاء في قصة التي زنت في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – فإن النبي – عليه الصلاة والسلام – أعرض عنها ولم يفرح بخبرها، ولما أصرت وألحت على النبي – صلى الله عليه وسلم – تريد تطهير نفسها، فلم يسألها عليه الصلاة والسلام كم مرة فعلت الزنا، بل لم يسألها من هو الذي زنى بك، وتمنى أنها لو استترت بستر الله.

ثانياً: عوامل راجعة لنوع الخطأ:
وأما لعوامل الداعية للستر والتي ترجع لنوع الخطأ فإنها ينبغي أن تراعى وأن تكون في الحسبان، بل إن مجريات القضية قد تتغير بتغير تلك الأخطاء واختلافها، فلا يعقل أن ينظر في الستر على مرتكب الكبيرة كما يجب أن ينظر في الستر على مرتكب الصغيرة، ولا يمكن كذلك أن ينظر لمن خطأه موجب للحد كمن خطأه لا يوجب الحد، ولا أن نتعامل مع المرأة في الستر كما نتعامل مع الرجل... وهكذا.

وإن كنا نشنع في الحقيقة على من لا يرى عدم الستر مطلقاً لمن ارتكب معصية توجب حداً، وقد غاب عن ذهنه ما روي عن أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_ أنه قال: "لو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شارباً لأحببت أن يستره الله".

وأصرح من ذلك وأقوى في الاستدلال ما ورد من فعل المصطفى – عليه الصلاة والسلام – فقد جاء في حديث أبي أمامة المخرَّج في الصحيحين قال: "بينما رسول الله في المسجد ونحن قعود معه إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله: إني أصبت حداً فأقمه علي، فسكت عنه، ثم أعاد فقال: يا رسول الله: إني أصبت حداً فأقمه علي، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله حين انصرف، واتبعت رسول الله أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقمه علي، قال أبو أمامة: فقال له رسول الله: "أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال بلى يا رسول الله. قال: فقال له رسول الله: فإن الله قد غفر لك حدك، أو قال: ذنبك".

والمتأمل في الحديث يتجلى له بوضوح عدم رغبة النبي – صلى الله عليه وسلم – مفاتحة الرجل في ذنبه الذي ارتكبه بل إنه أعرض عنه، ولما انقضت الصلاة لم يبحث عنه وإنما انصرف ولحق به الرجل، وكل ذلك يدل على التأكيد على أهمية الستر وفضله، فأين من يتأمل هذا الهدي النبوي.

بل حتى الشهادة في مثل هذه القضايا ينبغي علينا أن نلاحظ أن ثلاثة أرباع الشهادة التامة فيها، تنقلب ردعاً للشاهد وزجراً له عن التفوه بالشهادة، كي يظل المخطئ في حماية من الستر ونجوة من العقاب.
وحسبك أن تعلم أن عدد الشهود ما لم يتكاملوا أربعة يعدون آثمين متلبسين بجريمة القذف.

الآثار الإيجابية:
وأما عن الآثار الإيجابية المترتبة على الستر، سواء على الفرد أو المجتمع فهي كثيرة يمكن أن نوجزها في النقاط التالية:
أولاً: استشعار فضل الستر، وأن الله يستر من ستر عبداً مذنباً، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: "لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة".
وأن الله من صفاته الستير، ففي الحديث: " إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر " – صححه الألباني.

ثانياً: رجوع المستور عليه وتوبته، وليعلم من أنعم الله عليه بالستر بين عباده أن الله يمهل ولا يهمل، وأن الله قادر على أن يكشف ستره إذا هو كشف الستر الذي بينه وبين الله، وأن الله مطلع عليه وأن من قام بالستر عليه لم يستره عن عين الله، قال تعالى: "وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ" (فصلت:22).

وفي حديث أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ضحك وأخبر الصحابة أن ما أضحكه هو أن العبد حينما تعرض أعماله عليه يوم القيامة ويجحدها ويطلب عليه شهيد فيشهد عليه أقرب شيء منه -أعضاؤه-...

ثالثاً: أنه علاج اجتماعي كبير، حيث تختفي فيه كثير من أمراض المجتمع.

رابعاً: انتشار المحبة والألفة بين الناس، وفشو حسن الظن بين المؤمنين، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ..." (الحجرات: من الآية12).
هذه بعض الآثار والتي جاءت على وجه التنبيه، لما تتطلبه المقالة من سمات الاختصار.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.