مجالات السياسة الشرعية وتطبيقاتها (3)

المقالة الثانية :
مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث المسائل والأحكام
(2)

والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم - أعني الذي وكل تنفيذه إلى أولي الأمر ، ولا يفتات عليهم فيه غيرهم - أنواع :

النـوع الأول :
مسائل شرعت أحكامها ثابتة لازمة ، لا تتغير عن حالة واحدة ؛ فلا تختلف أحكامها باختلاف الأزمنة ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة .

وهذا النوع ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ( المتغير ) ؛ إذْ ليس أمام أولي الأمر في هذا النوع سوى الحكم به كما ورد ، واجتهاد أولي الأمر فيه يقتصر على صحة التطبيق ، الذي هو النظر والاجتهاد في معرفة وجود العلة في آحاد الصور و الوقائع ، المعروف بـ( تحقيـق المناط ) (1) .

ويتجلَّى هذا النوع فيما ليس معلَّلاً من الأحكام من العادات والمقدَّرَات ( و ما يدخله تدبير أُولي الأمر منها ، فعلى سبيل التبع والتضمُّن ) (2) ؛ ومنه مقادير الزكاة ، وتعيُّن الحدود المقدرة على الجرائم كما هي ، ونحو ذلك ، ويدخل فيه كثير من الأحكام التي يتعين القضاء بها عند ثبوت أسبابها .

النـوع الثاني : أحكام جزئية ، شرعت أو استنبطت لمسائل يتغير مناط الحكم فيها بحسب اقتضاء المصلحة ، زمانا ومكانا وحالا ؛ سواء كان هذا المناط عُرفاً أو علَّة مُتَغيِّرَة ، أو نحو ذلك ؛ وتتجلَّى مسائل هذا النوع في الأحكام المعلَّلة أو التي تقبل التعليل (3) .

ومسائل هذا النوع مندرجة تحت السياسة الشرعية ؛ وهي على أضـرب :

الضـرب الأول : مسائل ثبتت أحكامُها بنصٍّ أو إجماع أو قياس أو استدلال معتبر ؛ لكن من شأنها ألا تبقى على حال ؛ ومن ثم يتغير الحكمُ فيها ، تبعا لتغير مناطه من حال إلى حال ، لا تغيراً في أصل الحكم ؛ بحيث يرى المجتهد أن الحكم تغيَّر في تلك المسائل تبعاً لذلك ؛ فيحكم بحكم يستلزمه هذا التغيُّر ؛ فالحكم الثاني هنا يُسمَّى سياسة شرعية (4) .

وهذا الضرب له صور ، تتعدد بتعدد أسباب تغير الحكم المعتبرة ، و منها :

- تغيَر العرف الذي جاء التشريع موافقاً له . ومنه : إخراج زكاة الفطر في كل بلد من قوت أهلُها ؛ و لا يلزم إخراجها من قوت أهل المدينة النبوية تقيّداً بما ورد ، من تكليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهلَ المدينة بإخراجها من : التمر والشعير والأقط والزبيب (5) ؛ " لأنَّ هذا كان قوت أهل المدينة ، ولو كان هذا ليس قوتهم بل كانوا يقتاتون غيره ، لم يُكَلِّفهم أن يُخرجوا مما لا يقتاتونه ؛ كما لم يأمر الله عز وجل بذلك في الكفَّارات …" (6) .
وقد تقدم ذكر الكلام في حرمة الفتوى على من لم يعرف حال المستفتي وعرف مجتمعه .

- زوال المصلحة التي جاء الحكم معلَّلاً بها . ومنه : إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس في ادَّخَارِ لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، بعد نهيهم عن ذلك وأمرهم بالتصدق بما بقي ؛ فإنَّه لما كان العام الذي يليه ، ( قالوا : يا رسولَ الله نفْعَلُ كما فعَلْنا العَامَ الْمَاضِي ؟ ) ، قَالَ : (( كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا )) (7) ، وفي رواية : (( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا )) (8) ؛ حيث بين أنَّ الحكم الأول قد تغيَّر من المنع إلى الإذن ؛ بزوال علَّة النهي (9) .

- تغير الحال التي قُيِّد الحكم بها . ومنه : الإذن بقتال الكفَّار في العهد المدني ، دون العهد المكي على اختلاف أحواله ، وهكذا الأحكام التي جاء تشريعها على مراحل اقتضاها اختلافُ الأحوال ، لا وجودُ ناسخ ومنسوخ بينها ، فهي من هذا القبيل .

وهو أخطر مجالات السياسة الشرعية فيما ورد فيه أكثر من حكمٍ بدليل نصي جزئي . فنحن نرى العلماء الربانيين الذين يشهد لهم من يعرفهم من الأمة بالصدق والإخلاص والديانة وسعة الأفق الفقهي والتجربة في ميدان العمل الدعوي ، المطلعين على أحوال الأمة - نجدهم يفتون بمشروعية الجهاد بالسنان في مكان وزمان ويمنعونه في آخر موجهين الخيار المناسب من خيارات جهاد القلم والبيان ، ونحن أيضاً نرى العلماء الربانيين يحكمون على قاتلِ كافر بأن له أحكام الشهيد ، وعلى قاتل كافر آخر بأنه عمله يُعدّ من الأعمال التي تجرِّمها الشريعة الإسلامية ويفتون الأمة بدعم المجاهدين والمرابطين في مكان ويحرمون دعم آخرين ويجرِّمون التعاون معهم بأي وسيلة !

وإذا قرأنا كليات الأحكام الإسلامية في هذه المسألة قراءة متكاملة كما هي في أذهان الفقهاء الكبار من السابقين واللاحقين ، فإنا سنجد تسبيبا كافيا في فهم ما قد يظنه بعض الناس تناقضا منهم . وذلك أنَّ أحكام الإسلام التطبيقية تتصف بخصائص عظيمة منها : الواقعية الشرعية .

ولعلّ من المناسب إيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك في قضية يعد الخطأ في فهمها من أخطر قضايا العصر على أهل الإسلام (10) ، وعرض ذلك بلغة عصرية تُقرٍِّب المراد ، ولا سيما أنّ بعض مسائل هذا الضرب صارت مثار جدلٍ بين فئات جافية التي تلوي أعناق النصوص جهلاً أو تهرباً ، أو لا تقيم لها وزنا وتتستر خلف دعوى تجديد الخطاب الديني في تحريفها أو سوء فهم أصحابها على أحسن حال ؛ وأخرى غالية تجاوزت المشروع بتطبيق النصوص على غير مواردها فأخذت بعضها وأولت الآخر أو ادعت نسخه ، وكلا الفئتين - بغض النظر عن النوايا - قد عانت منها الأمة بعدا عن منهاج ربها ، فجلبت الأولى إلى نفسها وإلى الأمة شقاء البعد عن الله ، وعانت الأخيرة من الشقاء الفقهي وجلبته إلى الأمة ، وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) .

وهذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى تحت عنوان :

تطبيق السياسة الشرعية على أصل علاقة الدولة الإسلامية بغيرها

--------------------------
(1) ينظر : الموافقات ، للشاطبي : 5/12 ؛ وإن كان ما تتطلبه صحة التطبيق من إجراءات قد داخلا في السِّيَاسـة الشَّرعيَّة ، لكنه داخل في النوع الثاني .
(2)ينظر أمثلة ذلك في : تبصرة الحكام ، لابن فرحون : 1/114 .
(3)ينظر : تقاسيم أبي حاتم محمد بن حبان التميمي (ت/354) في كتابه : المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع ( صحيح ابن حبان ) ، وتلخيصها في خطبة الكتاب التي هي : الفصل الثاني من : الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، للأمير علاء الدين الفارسي ؛ حيث ضمنها هذا الكتاب : 55 ، ت/ الشيخ : أحمد محمد شاكر/ مكتبة ابن تيمية . فمن القسم الأول : الأنواع : (3،4،16،55،79) ، ومن الثاني : (17) ، ومن الثالث : (34) ، ومن الرابع : (8 ، 11، 24، 40، 42) ، ومن الخامس : ( 3 ، 9 ، 16 ، 38 ، 41 ) .
وإنما أشرت إلى تاريخ وفاة المؤلف رحمه الله لبيان سبق علمائنا في مجال التقسيم الفقهي الدقيق الذي يتباهى به أهل القانون اليوم .
(4)ينظر : المدخل إلى السياسة الشرعية ، لشيخ مشايخنا الشيخ عبد العال عطوه رحمه الله : 45 . مع بعض التصرف .
(5)رواه البخاري : ك/ الزكاة ، ب/ الصدقة قبل العيد ، ح(1510) وغيره ؛ ومسلم : ك/ الزكاة ، ب/ زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير ، ح(985) ؛ وجاء التصريح بالفرض في حديث ابْنِ عمر - رضِي اللَّه عنهما - أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ …) . رواه البخاري : ك/ الزكاة ، ب/ صدقـة الفطر على العبد وغيره من المسلمين ، ح(1504) ؛ ومسلم ، الموضع السابق ، ح (984) .
(6) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 25/69 .
(7) رواه البخاري : ك/ الأضاحي ، ب/ ما يؤكل من لحوم الأضاحي ، وما يُتَزوَّدُ منها ، ح(5569) ؛ ومسلم : ك/ الأضاحي ، ب/ بيان ما كان النهي عن أكل لحـوم الأضاحي بعد ثلاث في الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء ، ح(1974) . والجَهد : المشقـة والفاقة ، وتعينوا : من الإعانـة .
(8) رواه مسلم : الكتاب والباب السابقين ، ح(1971) .
(9)ينظر : إكمال المعلم بفوائد مسلم ، للقاضي عياض : 6/424،426، ط1-1419، ت/ د. يحيى إسماعيل ، دار الوفاء : مصر ، ومكتبة الرشد : الرياض .
(10) كنت أود تأخير التطبيقات حتى لا يتأثر تسلسل التنظير الفقهي ، إلا أنني رأيت إلحاح كثير من الإخوة بطرح التطبيقات أثناء التنظير ، ولذا سأدخل بعض التطبيقات أخذاً برأيهم وتحقيقا لطلبهم ، وذلك مع معالجة انقطاع التسلسل بمحاولة تلخيص التقسيم بعد التطبيقات المطوّلة ، ثم المتابعة للتنظير إن شاء الله تعالى .

التعليقات

It is really nice articles,,,<BR><BR>many thanks<BR><BR>Talal<br>

سعد مطر مشاركة جميلة

<BR>أخي طلال من المملكة المتحدة جزاك الله خيرا وشكرا لك على القراءة ، وأسأل الله تعالى أن يكتب لنا ولكم التوفيق والسداد ، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا .<BR><br>

إضافة تعليق جديد

9 + 1 =