عندما يكون الموت مُعلما ..(2)
5 ربيع الثاني 1428
د. خالد رُوشه

khaled_rousha@yahoo.com
حاولنا في الجزء الأول من المقال أن نرى كيف حث القرآن وحثت السنة على تذكر الموت والاتعاظ به , وكيف كان حال الصالحين مع ذكر الموت وكيف أثر في حياتهم وتصوراتهم , وأكدنا أن ذكر الموت الذي كان دافعا لهم لتعمير الآخرة لم يكن شغلا يشغلهم عن إصلاح الدنيا والإنجاز فيها وتعميرها بالصالحات من الأعمال ومنافع الخلق , وفي هذا الجزء نحاول أن ننظر بصورة تطبيقية إلى إمكانية الاستفادة العملية من ذكر الموت .

* * كيف يتربى المرء على الاستفادة من الموت كمعلم ؟!
أساس الأمر وعماده وأول خطواته .. أن يعود نفسه أن يفرغ قلبه من كل شغل في الدنيا, ويضع في قلبه انشغالاً بدلاً منه بالآخرة , وهذا وإن كان شاقا على الكثير , ولكنه مع التدرب والإخلاص لله سبحانه قد يتعوده المرء حتى يصير طبعه وعادته , فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)متفق عليه , وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك"أخرجه البخاري

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: "لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا, ولا تُحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها, ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير موطنه, ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله..."

و عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة, ومن كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له)

ثانيًا: ألا يكثر فرحه بشيء من الدنيا أقبل عليه أو بنعمة حصلت له, وألا يزيد حزنه وألمه بمشكلة حصلت له أو بمصيبة حدثت له, بل يكون وسطًا بين ذلك, وذلك عملاً بقوله تعالى: "لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" [الحديد: 23]. وهو إذا فعل ذلك كسر سعادة قلبه بالدنيا.

ثالثًا: أن يذكر الناس الذين كانوا مثله, ثم جاءهم الموت, ويذكر الذين كانوا أقوى منه وأعلم منه وأفضل منه وأغنى منه, ويتذكر مصارعهم تحت التراب , فعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ" قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي, وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟)أخرجه مسلم

رابعًا: أن يستحضر دائمًا صورة من عمَّر في الدنيا وكان له مال أو قوة أو جمال أو ثقافة أو فصاحة أو شهرة, ثم يقارن صورته في الدنيا وصورته بعد موته, ويتأمل كيف محا التراب الآن حُسن صورتهم, وكيف تبددت أجزاؤهم وانفصلت في قبورهم, وهو قول أبي الدرداء رضي الله عنه: "إذا ذكر الموتى فعد نفسك كأحدهم".

خامسًا: أن يتدبر في أن من مات وترك مالاً قد ورثه ورثته ولم ينتفع به بعد موته, إلا ما كان عنه صدقة جارية وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : (أيكم مالُ وارثه أحب إليه من ماله؟) قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه. قال: (فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) البخاري
ويعلم كيف أن من مات ترملت زوجته وتيتم أولاده, وكيف خلت من الموتى دورهم وصاروا إلى دور جديدة, وكيف خلت منهم مجالسهم ومساجدهم, وكيف انقطعت آثارهم وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له)أخرجه مسلم
وقوله صلى الله عليه وسلم : (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله, فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله) متفق عليه
وتدبر ذلك فعل الصالحين، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "السعيد من وعظ بغيره".
ونظر أحد الصالحين إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى وقال: والله لولا الموت لكنت بك مسرورًا.


سادسًا: أن يُعود نفسه ويعوده معلمه على اتباع الجنائز وزيارة القبور للعظة والاتعاظ وتذكر الموت, وأن تكون الزيارة إما في صحبة أهل علم
وخير أو في وحدة, وأن يحرص على رؤية دفن الموتى لأنها لحظة مؤثرة لمن كان له قلب.
* فعن عبد الله بن مسعود قال: قال صلى الله عليه وسلم : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر بالآخرة) صحيح الجامع
* وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) أخرجه مسلم

* وعن البراء بن عازب قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قبرًا فجثا عليه, فاستقبلته من بين يديه لأنظر مـا يصنع , فبكى حتى بـل الثرى مـن دموعه, ثم أقبل علينا قال: (أي إخواني لمثل هذا فأعدوا) صحيح ابن ماجه
سابعًا: الذهاب لزيارة المرضى والجرحى وأقسام الأورام ومثل ذلك فإن ذلك مما يرقق القلب ويذكر الموت ويباعد القلب عن الدنيا ومتاعها, ويحسن بالمربي هنا أن يصطحب معه من يعلمهم, وعليهم التودد للمرضى وحسن نصيحتهم وقضاء حوائجهم وأن يجالسوهم فيحتسبون نية زيارة المرضى, وأن يذكروهم بالله وبالتوبة وبالإكثار من الذكر, ويأمروهم بالصبر, ويحرص المربي على تكرار ذلك كثيرًا, فإنه فضلاً عن كونه يذكر للموت فإنه من الأعمال الصالحات التي ينبغي أن يتربى عليها الشاب ويداوم عليها.

• فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أخا الأنصار, كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعوده منكم؟) فقام وقمنا معه, ونحن بضعة عشر ما
علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص, نمشي في تلك السباخ حتى جئناه فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه"أخرجه مسلم.

ثامنًا: أن يبدأ في الاستعداد للموت بترك صدقة جارية أو علم ينتفع به, ومثال ذلك , مستشعرا دنو الأجل , مستعدا للقاء الله في كل لحظة .

تاسعًا: ومن الوسائل أن يجلس في خلوة ويتصور نفسه في قبره , ويستعد للتوبة وبدء صفحة بيضاء وعهد جديد مع ربه .

عاشرًا: ومن الوسائل أن يتذكر إخوانه الذين ماتوا ويتخيلهم, ويسأل نفسه متى يلقاهم وبأي حال يلقاهم؟ وكان الحسن يعظ أصحابه يقول: والله لقد صحبنا أقوامًا كانوا يقولون: ليس لنا في الدنيا حاجة, ليس لها خلقنا, فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم, نعم والله حتى أهراقوا فيها دماءهم فأفلحوا ونجوا, هنيئًا لهم, لا يطوي أحدهم ثوبًا ولا يفترشه, ولا تلقاه إلا صائمًا ذليلاً متبائسًا خائفًا, إذا دخل إلى أهله إن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت, لا يسألهم عن شيء ما هذا وما هذا؟

حادي عشر: ومن الوسائل أن يحاول تذكير نفسه بكل الوسائل المتاحة المقبولة كأن يكتب ورقة ويعلقها أمامه أو قريبًا منه ويكتب فيها: أحسن عملك فقد دنا أجلك , أو شيئا مثل ذلك مما يذكره بالإصلاح والاستغفار .

* * حديثان يوضحان المنهج:
الأول: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا, وخط خطًا في الوسط خارجًا منه, وخط خُططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط, فقال: (هذا الإنسان, وهذا أجله محيطًا به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله, وهذه الخطط الصغار الأعراض, فإن أخطأه هذا نهشه هذا, وإن أخطأه هذا نهشه هذا)أخرجه البخاري.

الثاني: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)أخرجه مسلم.

* * ملاحظات في التربية على ذكر الموت:
• يحسن أن يحدد المعلم ( أو يحدد الإنسان لنفسه) فترة للتركيز على هذا الموضوع ولتكن شهرًا مثلاً أو أكثر, ويكثر فيها من ذكر هذا الموضوع بجوانبه التي ذكرناها, ويحاول أن يعد في ذلك موضوعات تشمل جميع جوانب الموضوع, وإليك نموذجًا للموضوعات التي يقترح الحديث حولها لتناول ذكر الموت:
أ - مصيبة الموت وعظمها, وموت الفجأة وخوف السلف منها واستعدادهم لها.
ب - شرح حديث البراء بن عازب في الموت والواجب تجاه المحتضر.
جـ - موت النبي صلى الله عليه وسلم وموت كبار الصحابة.
د - الاستعداد للموت.
• يعتمد المربي من وسائل التأثير لهذا الموضوع مجموعة وسائل منها:
أ - الموعظة المباشرة - كما سبق -.
ب - شريط الكاسيت الذي يصطحبه المتعلم لبيته أو عمله.
جـ - الزيارة الميدانية للقبور وأماكن الاتعاظ.
د - استغلال الظروف المؤثرة كموت قريب أو حبيب , لبدء عهد جديد بينه وبين ربه .
هـ - اختيار الآيات القرآنية التي تتحدث عن الموت, ودراستها دراسة جيدة.
يراعى أن تكون التذكرة على فترات لحديث ابن مسعود: "كان النبي  يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"البخاري فمن السنة - بعد فترة التعليم - أن يباعد الإنسان بين فترات مواعظه خوفًا أن يسأم الناس.
• يحسن اختيار الموعظة الحسنة عند الوعظ بالموت, وليس من الأدب اختيار الألفاظ الثقيلة أو اتهام الناس بالمعصية أو الفسق مثل ما يفعله البعض .
• يحسن الجمع بين التخويف من الموت وبين تحبيب لقاء الله تعالى والجزاء الحسن بعد الموت والشوق إلى الجنة, ولا يكون التذكير بالموت كله تخويفًا وتهديدًا فقط.
• ينبغي أن يكون المعلم والمربي هو أكثر الناس تأثرًا بما يعظ به وأكثر الناس خوفًا من الموت, وأكثرهم عملاً بقوله ونصيحته, وإلا صار كلامه كله بلا قيمة ولا أثر, بل ربما عاد بأثر سلبي على المتعلم.
• ينبغي أن يعلمهم ألا يجعل المرء تذكر الموت مانعا له من إصلاح دنياه والإنجاز في عمله والإتقان في مسؤولياته وأداء رعاية من استرعى فإن ذلك مما يحبه الله تعالى ويحسن به أن يلقاه به .




جزاك الله خيرا علي كلا الموضوعين(1-2) وجعله في ميزان حسناتك ونسأل الله أن يرزقنا قبل الموت توبة صادقة وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقاءه وأن يرزقنا الشهادة في سبيله ومنرلة الشهداء وإن متنا على فراشنا.<BR><br>

جزاكم الله عنا و عن الاسلام كل خيرو كثر الله من أمثالك وجعلنا ممن يعملون الحساب للقبر

شكرا اخوي على الارشادات وعن الموضوع كامل وجزاك الله عنا خير الجزاء

جزاك الله خير الجزاء الهي في كل يوم لنا ميتنا نشيعها لكن لنا قلوب كالحجر الهي ارحمنا اذا صرنا الى ما صاروا اليه لا اله الا الله الحمدلله الله اكبر
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
4 + 4 =