أ.د. ناصر العمر | 13/9/1428
كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ أكمل الناس إيماناً وأجودهم بالخير وأقربهم معروفاً وأوسعهم بذلاً، بل إن بذل الخير للآخرين وحسن المعاملة للناس كانت صفة لازمة له في سائر أيام حياته، ولما عاد من غار حراء يرتجف فؤاده عند أول لقاء له بجبريل الأمين قالت خديجة _رضي الله عنها_: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"(1).
لقد كانت تلك هي الصفات التي أهَّلت النبي _صلى الله عليه وسلم_ للمكانة السامية التي كان يتبوأها عند قومه، وكانت تلك الصفات هي الصفات التي علقت خديجة _رضي الله عنها_ النصرة وترك الخذلان من الملك الديان، وهي صفات كلها إحسان للخلق وحسن معاملة لهم، ولم تقل خديجة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ لقد كنت في عبادة وذكر وتهجد ولن يخزيك الله تعالى لعبادتك وتقربك منه، ولكنها ذكرت له وجوهاً من حسن المعاملة للخلق، ثم استنتجت من ذلك أنه _صلى الله عليه وسلم_ لن يخزى ، وقد تحلى بتلك الصفات الفاضلة.
وقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ أجود الناس، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي _صلى الله عليه وسلم_ القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة"(2)، وعن أنس بن مالك قال كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس"(3) وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر عن أنس: أن رجلاً سأل النبي _صلى الله عليه وسلم_ فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال أي قوم، أسلموا فوالله إن محمداً ليعطي عطاء من لا يخاف الفاقة، وإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه أو أعز عليه من الدنيا بما فيها"(4).
لقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ أولى الناس بقول القائل:
| تراه -إذا ما جئته- متهللاً | كأنك تعطيه الذي أنت سائله | |
| تَعَوَّد بسطَ الكف حتى لَوَ انه | أراد انقباضاً لم تطعه أنامله | |
| ولو لم يكن في كفه غير نفسه | لجاد بها فليتق الله سائله | |
| هو البحر من أي النواحي أتيته | فلُجَّتُه المعروف والجود ساحله |