الفرصة الضائعة

  | 19/9/1428

بوسع المرء أن يحصي عشرات من الفرص الهامة في حياته التي ذهبت ولن تعود إلى يوم القيامة، منها ما قد رسمت خطاً جديداً في حياته حين ندم عليها، ومنها ما لم تجاوز حدود الندم القلبي والهم النفسي.
ويهون الأمر حين يتعلق بأمور الدنيا، ولو أن الأمة الإسلامية تظل بحاجة لكل ناهض ورائد لإعادة مجد غائب ـ غاب ـ حين تعانقت الريادتان الدينية والمعيشية للأمة الإسلامية في أبهى عصور الانبعاث الإسلامي الحضاري، كما وأن لا انفصام بين هذا وذاك في معنى الإسلام الكامل الرحيب، غير أن المقصود هنا، هو مسائل الشعائر والنسك، والتي قد يظن المسلم أنه قادر على تعويضها إذا ما ذهبت، ثم يعاود إلى حقيقة العمر مكتشفاً أنها قد ذهبت إلى غير رجعة، حتى ما قد يستصغره بعضنا في صلاة ظهر أو صلاة عصر استبدت بالمرء فيها قلة الخشوع، وهي فريضة، قد تتمكن نافلة من جبرها أو يعتيرها ما اعترى الفريضة، فمثل هذه فرص لا تعوض، وغيرها كثير، إلا أن بعضاً من تلك الفرص فادحة الخسارة إن هي ذهبت دونما اهتبال لها أو اغتراف لمعينها الزلال الفياض.
ونحن الآن في مستقبل حدث عظيم وفرصة عظيمة وغنيمة من فاتته لا يقدر على استرجاعها من جديد، وهي ليلة بلغت قيمتها ورفعتها أن اختزلت فيها كل المعاني.. ليلة "القدر" أي الشرف والعظمة، وقد قال الإمام الشوكاني أنه قد قيل "سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها ، من قولهم : لفلان قدر ، أي : شرف ومنزلة"، وقال عنها الزهري "قيل سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً ، وثواباً جزيلاً".
إنها ليلة عند أهل السماء عظيمة عالية القدر والمكانة، تزّاحم الملائكة لشهودها والاحتفاء بها، كما قال الخليل: "سميت ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة ، كقوله : { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } [ الطلاق: 7 ] أي ضيق"، فهل هي كذلك عند أهل الأرض؟! وهل يتزاحم لفضلها المؤمنون في المساجد لاهتبال تلك فرصتها، التي حباها الله بتلك المكانة لشرف هذا الكتاب العظيم الذي أنزل فيها، فبث الخير في ربوع العالم، وانبرى حملته ينشرون العدل ويتسامون بالأخلاق، حتى غدت نصف الأرض يوماً تنعم بالعدل انصياعاً لهذا الكتاب المنزل في هذه الليلة المباركة، فالله قد قدر فيها نزول هذا الكتاب ـ كما قال الماوردي ـ فاستأهلت سورة من كتاب الله تتلى إلى قيام الساعة تقديراً لشأنها وقيمتها.. وتلك وأيم الله فرصة ضائعة على كل عاصٍ لم يقدر الله حق قدره، ولم ينكسر ذلاً بين يديه في هذه الليلة المباركة، ولم يرفع كتاب الله منارة في كل شأن حياته "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" [المائدة : 15].
هي ليلة القدر العظيم حادية إلى رضوان الله ومعيته وعزة عبوديته واللجوء إليه، هي ليلة تحيي موات قلوب حنت إلى نعمة تفيء ظلال هذا القرآن الهادي.. أوليست جديرة بأن تسكب فيها العبرات وتراجع فيها الحسابات في الأرض قبل الحساب؟
إنها ليلة ينبغي أن تكون لكتاب الله، كمنهاج للحياة وكدليل حائر في ظلمات الفتن لا أن تكون مجرد ترديدات للآيات دون تدبر أو خشوع أو تفقه ومراجعة، وهكذا تهتبل الفرص ولا تضيع، حين تكون ليلة القدر نقطة تحول ومنعطف حياتي في دنيا كل إنسان مثلما كانت أول مرة نُقلة في الكون كله.. فهل ستضيع منا كما ضاعت عند الكثيرين أسلافها؟!


  

بارك الله فيكم على هذه الكلمة التي حق لها ان تكتب بماء الذهب

جعلنا الله واياكم من المقبولين

نسال اله ان ينصر دينه وان يعلي كلمته وان يجعل كلمة الذين كفروا في وبال
الحمد لله رب العالمين وبعد
موضوع جيد واتمنى المزيد من هذه المقالات الطيبة والمفيدة وجزى الله خير من اعان على نشرها وطبعها
أشكركم الشكر الجزيل وأتمنى الزيادة من المواضيع المفيدة

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

هل تعتقد أن وتيرة العنف في العراق خفت فعلا أم أن السبب هو قلة الاهتمام الإعلامي ؟

الارشيف