| 11/11/1428
خلال اليومين المقبلين،تتضح الرؤية في انتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية،فإما يصعد شخص جديد إلى قصر بعبدا،خلفا للرئيس إميل لحود،وإما أن تنفتح الأزمة على احتمالات شتى،ينذر أكثرها بما وصفه رئيس البرلمان نبيه بري"الشر المستطير"!!
و الإنسان غير المتعمق في تاريخ لبنان وتركيبته المعقدة،ربما لا يستوعب سر هذا الاهتمام العربي والإقليمي والدولي باختيار رئيس لهذا البلد ذي المساحة الصغيرة(10آلاف كلم2)،وعدد السكان المحدود(3,5مليون نسمة).فقد شغلت رئاسة الجمهورية في لبنان هذه المرة دولا عدة،تبدأ بسوريا وإيران والسعودية ومصر والأردن،ولا تنتهي عند الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا.فلأول مرة منذ الحرب الأهلية اللبنانية،أتيحت-نظريا!!-للبنانيين فرصة اختيار رئيس لهم من دون تدخلات خارجية،عقب خروج الجيش السوري،الذي مكث هناك نحو ثلاثين عاما،كانت دمشق خلالها تقرر كل صغيرة وكبيرة،ب"تفاهم"مع واشنطن،وقبول من الكيان الصهيوني!!وكانت الحصيلة العملية داخليا:تقليص دور النصارى نسبيا،وإنهاء الدور السني الذي ظل كبيرا منذ إنشاء لبنان على يد الاستعمار الفرنسي!!ولم يتبدل هذا الوضع في السنوات الأخيرة،إلا بعد ظهور رفيق الحريري كرجل أعمال ثري،وصل إلى رئاسة الحكومة،وسعى إلى تعديل"قواعد اللعبة".
لكن التغيير الحاسم انطلق منذ أصر الرئيس السوري بشار الأسد،على تعديل الدستور اللبناني،لتمديد ولاية حليفه لحود،بالرغم من المعارضة الواسعة لهذا القرار في الداخل والخارج،فمن هناك بدأ العم سام يلغي"الوكالة المطلقة"التي كان قد منحها للنظام السوري،للتحكم بلبنان.
واضطرت دمشق إلى سحب جنودها،عشية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري،في تفجير سيارة ضخم و"احترافي"،اتهمت سوريا بتنفيذه،أو التواطؤ مع المخططين،أو التقاعس عن منعه.
وجاء التغيير عبر الانتخابات النيابية،التي جرت بعد خروج السوريين،لتأتي بخصومهم إلى رئاسة الحكومة،نتيجة حصولهم على أكثرية مقاعد البرلمان الجديد.بيد أن"الانقلاب"الشعبي،لم يكن ناجزا،فما غرسوه خلال ثلاثة عقود،آتى ثماره،إذ لم ينس شيعة لبنان أفضال النظام السوري،الذي جعلهم الفئة الوحيدة التي تحتكر السلاح في لبنان،بل إنه حرص على جعل ما يسمى"حزب الله"أقوى مرات ومرات من الجيش الرسمي!!كما أن نظام الآيات في قم،يشمل الطرفين بسيطرته.ووجد الرافضة ضالتهم في ميشيل عون المهووس بمنصب الرئاسة،مهما كان الثمن،فوفر لهم غطاء نصرانيا،بدلا من أن يفتضح تحركهم الطائفي الحقود.فقد راودوه على تأسيس تحالف رافضي/ماروني،يعادي أهل السنة فحسب،في مقابل مؤازرة طموحات عون.وراقت اللعبة للسوريين،بالرغم من أن عون كان حارب جنودهم بالسلاح،وإن انتهى به المطاف مهزوما منفيا في باريس،التي أمنت له الخروج سالما!!
وفي فترة نفيه،كان عون أشد الناس عداوة لسلاح الرافضة،كما كان"بطل"قانون محاسبة سوريا،الذي أقره الكونجرس الأمريكي..
إن تلك العوامل مجتمعة،فضلا عن مزايدة الشيعة بالعداء لتل أبيب،وتأييد البيت الأبيض اللفظي،للأكثرية النيابية،قادت مسار الأحداث في الطريق التي تشتهيها إيران،التي دعا مرشدها خامنئي،إلى هزيمة الأمريكيين في لبنان!!فها هي الأكثرية تعجز عن اختيار رئيس للجمهورية من صفوفها،لأن البديل الذي يلوح به حسن نصر الله،هو الفوضى أو الحرب الأهلية مجددا.
وها هم الأمريكيون يفوضون حليفهم ساركوزي بأن يفاوض السوريين لتسهيل انتخابات الرئاسة اللبنانية،وهو ما استغله النظام السوري للمراوغة،واعتبره اعترافا اضطراريا من الغرب،بأن نفوذه في لبنان لم ينحسر بجلاء جيشه ومخابراته!!
واليوم،يسدد العالم العربي كله،ثمن تجاهله تخطيط القوم ،لإنشاء هلال رافضي،يبلغ سواحل البحر الأبيض المتوسط،وهو تخطيط بدأ منذ ربع قرن،ولم ينتبه إليه بعض الساسة،إلا بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق،إذ جهر القوم بما كانوا يخفونه تحت شعارات التقريب التي خدعت كثيرا من السذج.
أما الغرب فلا نستطيع الشماتة به لأكثر من سبب،فالمؤامرة تحاك ضدنا وليس ضده،والغرب الميكيافيللي،هو صاحب عقيدة:الغاية تبرر الوسائل،فلديه الاستعداد دائما للتفاهم مع العمائم السود،التي ليس لها عدو حقيقة،سوى أهل السنة والجماعة،وذلك ما تقرره كتبهم الأساسية في العقائد.
إن المرحلة صعبة وشائكة،وهي تقتضي يقظة كاملة،وتصديا حازما وشاملا ومدروسا،بناء على رؤية شرعية سليمة،وقراءة متبصرة لما يجري على الأرض،ولبرامج القوم التي لم تعد خافية،إلا على الذين لا يرون الشمس في حمارة القيظ.
طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :
لقد أصبحت أرض لبنان طاولة شطرنج, وشعبه هم أحجار هذه اللعبة التي تدار من قبل فارس والروم ؟ وسوف ينصبغ لبنان بصبغة الغالب منهما, والفوضى لهم على كلتا الحالتين لأن الخاسر منهما لن يدع الآخر يهنأ
بذلك الصيد الثمين؟
وإذا نظرنا لعموم العرب تقريباً وجدناهم , أحجارا بيد هذا أو ذاك, وإلا فما معنى سكوتهم عن حصار الفلسطينيين , وعن وضع العراق المغرق بالفوضى والدمار , والصومال الذي أصبح بيد أحفاد أبرهه؟