الموازنة بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية(4)

الموازنة بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية
( أصول ونماذج )
(3)

خلاصة ما مضى في الأمر الأول : أن السياسة الشرعية تقوم على مقصد العبودية لله تعالى المتمثل في الدعوة إليه وحكم الحياة بشريعته . بينما تقوم السياسات الوضعية على فصل الدين عن الدولة أو الفكر العلماني الذي يمثل مفترق الطريق بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية المعاصرة .

الأمر الثاني : أنَّ السياسة الشرعية جزء من الشريعة الربانية ؛ أما السياسات الوضعية فأنواع من الخطط البشرية .
السياسة الشرعية جزء من الشريعة الربانية (1) ؛ فهي متصفـة بما يليق بمشّرعها من كمال . أمَّا السياسات الوضعية ، فأنواع من الخطط البشرية ، فهي مهما بَهَرَت قاصرة .
فالفلسفات السياسية والقانونية التي تستقى من غير وحي الله تعالى ، لا قرار لها كما قال الله تعالى : { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } ؛ غير أنَّ من كتّاب المسلمين من خدع بسرابها ، ولو تأمّلها هؤلاء لوجدوها تخبطاً ظاهر التناقض ، ولو رجعوا إلى وحي الله تعالى ، لوجدوا الوصف الدقيق لهذا التخبط البشري مع بيان سببه : { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } ؛ فها هي النظريات تُستحسن فتقدس ثم ما تلبث أن يَتَبَدَّى انتكاسها ؛ فتُنْتَقص ، ثم تُنبذ شيئاً فشيئاً حتى يَحلّ غيرُها محلَّها ، وهكذا دواليك ، أمر مريج مختلط ؛ فها هي ( الديمقراطية ) – أنفس ما يظن الغرب ، أنَّه وصل إليه من السياسات الوضعية – تُعاب وتُنتقص من أربابها ؛ بل في دار نشأتها ، من ذلك إيجاز بعضهم العيوب التي لاحظها ( الديمقراطيون ) على ( الديمقراطية ) ، في : الصراعات الدائمة بين الأحزاب المنقسمة على بعضها ، والحكومـات التي لم يتجاوز متوسط بقائها في الحكم طيلـة نصف قرنٍ ثمانيةَ أشهر ، والمنافسات الحمقاء بين المواطنين ، وعدم وجود سياسة متجانسة لمدى طويل ، والبطء الشديد في تقدم مستوى حياة الجماهير : سياسة الإسكان ، وعدم كفاية التربية المدنية ، والاقتصادية ، والاجتماعية " (2) .

فالشريعة الربانية تظهر فيها قدرة الخالق ، وعظمته ، وعلمه المحيط بكل شئ ولطفه بخلقه ، وكماله المطلق ، وهذه الميزة العظيمة الشريفة انبثق عنها مجال في غاية الخصوبة والعطاء ، ويعرف اليوم بـ( خصائص الشريعة ) سَلَّمَ به الأوائل عملاً من أعمال القلوب يظهر على ألسنتهم ، ويتناثر في كتاباتهم ، وقد يفردونه بالتأليف تحت مسمى ( محاسن الدين ) (3) ، حتى جاء هذا العصر ، وهجمة أشراره الشرسة على شريعة الله ، مما حتّم على أهل الإسلام إفراده بالتصنيف ، على نحو كثيف ، خطّاً هجومياً دفاعياً ، يؤخِّر زحف الهجمة ويضعفها ، ويقنع الأغرار بالرجعة ويحصِّنها . ووصف هذا المجال ظاهر في نفيه عن سواها ؛ وما قد يُظنُّ مثله منها في القوانين الوضعية - على اختلاف أنواعها - لا يعدو أن يكون اتفاقا في المسمّى دون الدلالة والمعني ، وهو عند الباحث المنصف أسماء من التشبيه المتردي أمام علو الشريعة ، ما أنزل الله بها من سلطان .

وخصائص الشريعة مجال واسع ، ولكن يُشار إلى أهم تلك الخصائص - التي لعل ما عداها مندرج تحتها - ويُحَال إلى جملة من المراجع التى تحدَّثت عنها . ولعلَّ من المفيد تقسيمها - هنا - إلى مجموعتين :
الأولى : الخصائص المتعلقة بذات الشريعة ، ومنها :
أ - خاصية الكمال والشمول .
ويراد بها أنَّ الشريعة الإسلامية استكملت ما تحتاجه الشريعة الكاملة من أحكام عقدية وعملية ، فقهية ، وخلقية ، قواعد ومبادئ ونظريات ؛ فهي غنية بما يكفل حاجات الأمة ، في علاقة المخلوق بربه الذي خلقه ، وفي علاقة الفرد بنفسه ، وبغيره من فرد وجماعات أو دولة ؛ بل وبغيره من المخلوقات ، وذلك في الحاضر القريب والمستقبل البعيد ، فضلاً عن الماضي قريبه وبعيده (4) .
وهي شاملة ، لا تخلو حادثة واحدة عن حكم لها في الشريعة ، وذلك في جميع الأعصار ، والأقطار ، والأحوال ، فالمعاني التي تضمنتها نصوص الشريعة وأصولها تعم جميع الحوادث وتسعها (5) ؛ قال الله تعالى : قال الله تعالى : {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ، فكلمة {شيء} هنا ، نكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً (6) . وما لم يتنازع فيه فمحل إجماع ، والإجماع أحد أصول الشريعة ، فما صح إجماع مجتهدي الأمة عليه فهو منها ؛ فلا يخرج عنها حكم .
ب- خاصية العموم .
والمراد بها أن الشريعة عامة لجميع البشر في كل مكان وزمان ، وهذا من القطعيات ، بل هو مؤكد في جميع مصادر الشريعة ، الكتاب والسنة والإجماع (7) ؛ وهذه الخاصية تستلزم – عقلاً - السمو ، والثبات والدوام ، وهما الخاصيتان التاليتان .
ج- خاصية السمو .
والمراد بها : أنَّ قواعد الشريعة ومبادئها ، أسمى من عصر الأمة ؛ من ماض وحاضر ومستقبل ؛ إذ فيها من المرونة الفقهية في أحكامها و كلياتها ، ما يحفظ لها هذا المستوى السامي ، مهما ارتقى وتعقَّد مستوى الأمة ؛ ومن ثم فلا تحتاج إلى تعديل أو تغيير تلاحق به ما يطرأ على المجتمع من تغيّرٍ ، في تطوّرٍ أو تحدُّر (8) .
د- خاصية الثبات والدوام مع المرونة ؛ وهذه من آثار كمالها وسموها .
والمراد بهذه الخاصية المركبة من الثبات والمرونة : أنَّ الشريعة باقية لا يلحقها نسخ ولا تغيير ؛ لأنَّ النسخ يكون بقوة المنسوخ ، أو أقوى منه ، فلا ينسخ الشريعة - التي هي من الله تعالى - إلا تشريع آخر من الله تعالى ؛ وحيث قد ختم الله عز وجل بها الشرائع ، وختم بنبيها الأنبياء ، وانقطع الوحي بموته صلى الله ليه وسلم ، فلا يتصور أن ينسخها أو يغيرها شيء ؛ فنصوصها وقواعدها وكلياتها لا تقبل التعديل ، فضلاً عن التغيير والتبديل (9) .
قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله - في ذكره خواصّ الشريعة - : "والثانية : الثبوت من غير زوال ؛ فلذلك لا تجد منها بعد كمالها نسخاً ، ولا تخصيصاً لعمومها ، ولا تقييداً لإطلاقها ، ولا رفعاً لحكم من أحكامها ، لا بحسب عموم المكلفين ، ولا بحسب خصوص بعضهم ، ولا بحسب زمان دون زمان ، ولا حال دون حال ، بل ما أثبت سبباً فهو سبب أبداً لا يرتفع ، وما كان شرطاً ؛ فهو أبداً شرط ، وما كان واجباً فهو واجب أبداً ، أو مندوباً فمندوب ، وهكذا الأحكام ؛ فلا زوال لها ولا تبديل ، ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية ؛ لكانت أحكامها كذلك " . (10)
وحيث إنها من الحكيم العليم اقترنت صفة الثبات بصفة الدوام مما يستلزم المرونة الفقهية " داخل إطار ثابت ، حول محور ثابت " (11) .
ومن حيث الواقع التشريعي ؛ فقد جاءت أحكامها وقواعدها ، على نحو يجعلها صالحة لكل زمان ومكان ، وهو معنى خاصية ( السمو ) السابقة ؛ ويدلّ على هذه الحقيقة ويؤكِّدها واقع الشريعة ومصادرها ، وطبيعة مبادئها وكلياتها ، وأحكامها ومقاصدها وهذا من الأمور الجلية ، البديهية عند أهل الشريعة ، التي تقوم هذه الرسالة على حقيقة من حقائقها ، إلا أنه يحسن الإشارة - في غايـة الاقتضاب ، لمن شـاء سبر هذه المسلمة ، ولا سيما من غير أهـل الاختصاص - إلى ثلاثة مناهج موصلة ، قطعاً - لمن تجرد في بحثه طريقة وهدفاً - إلى تجلية هذا المعني ، والوصول في الإيمان به إلى حق اليقين ، وهي : الاستقراء لمدى ابتناء الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد ؛ و النظر في طبيعة أحكام الشريعة من حيث خصائص الأحكام المفّصلة ، والأحكـام التي جـاءت في شكل قواعـد وكليـات و مبادئ عامة ؛ والنظر في مصادر الأحكام ، وطرائق الاستنباط . (12) .
وهذه الخصائص لا وجود لها في السياسات الوضعية ؛ بل إنَّ انتفاءها منها يُعد من خصائصها ؛ " ولولا أنَّ الشريعة من عند الله لما توفرت فيها صفات الكمال والسمو والدوام ، تلك الصفات التي تتوفر دائماً فيما يشرعه الخالق ، ولا يتوفر شيء منها فيما يضعه المخلوق " (13) .
الثانية : الخصائص المتعلقة بالخضوع للشريعة ، والامتثال لها .

وسيأتي الحديث عنها في الحلقة التالية إن شاء الله تعالى .

--------------------------
(1)ينظر : إعلام الموقعين ، لابن القيم : 4/452 .
(2)الإنسان في المجتمع المعاصر ، بوسكيه و فاتييه :160، ترجمة / مصطفى كامل فودة ، ط-1969م ، القاهرة ، لاحظ تاريخ ترجمة الكتاب ، فكيف هي الآن ، وقد تكشفت عيوبها للعامة ، ودعمت بالسياسات الدولية الجائرة ، حتى استحى من ذلك عقلاء القوم ! .
(3)ينظر - مثلاً من المتقدمين - : محاسن الإسلام وشرائع الإسلام ، لمحمد بن عبد الرحمن البخاري ؛ ومن المتأخرين : حجة الله البالغة ، للدهلوي .
(4)ينظر مثلاً : التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ، عبد القادر عودة : 1/24، ط11-1412 ، مؤسسة الرسالة : بيروت ؛ والثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ، د. عابد السفياني : 130 ، وهو من أجمع ما كتب في الموضوع وأدقِّه .
(5)ينظر : الرسالة ، للإمام الشافعي : 20 ؛ والأم له : 7/298 ، دار المعرفة : بيروت ؛ وجامع البيان عن تأويل آي القرآن ، للإمام الطبري:14/161 ؛ وأحكام القرآن ، للجصاص : 3/189-190 ؛ والجامع لأحكام القرآن ، لمحمد بن أحد القرطبي :6/270-271 ؛ والموافقات ، لأبي إسحاق الشاطبي : 1/108 ، 4/184 وما بعدها .
(6)تحكيم القوانين ، لمفتي الديار السعودية سابقا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ : 6 ؛ وينظر في بيان قاعدة " النكرة في سياق الشرط تعم " القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية ، لعلاء الدين ابن اللحام :278، ط1-1418، مكتبة إحياء التراث الإسلامي : مكة المكرمة .
(7)ينظر : الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي : 4/184 وما بعدها ؛ مراتب الإجماع ، لابن حزم :193؛ والإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان ، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد :90 وما بعدها ، ط1-1417، دار العاصمة : الرياض .
(8)ينظر: التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ، لعبد القادر عودة :1/24 ؛ والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ، د. عبد الكريم زيدان :40 ؛ وعلم القانون والفقه الإسلامي ، د.سمير عالية :58.
(9)ينظر : المراجع السابقة ؛ الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ، د. عابد السفياني :110 وما بعدها و589-592 ؛ والحكم والتحاكم في خطاب الوحي ، عبد العزيز مصطفى كامل :1/361 .
(10) الموافقات : 1/109-110 .
(11)خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ، سيد قطب إبراهيم : 75 ، ط-1415 ، دار الشروق : بيروت .
(12)ينظر : المدخل لدراسة الشريعة ، لعبد الكريم زيدان : 39-40 ؛ والثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر ، لصلاح الصاوي : الفصل الثاني ؛ والحكم والتحاكم في خطاب الوحي ، لعبد العزيز كامل :1/361 وما بعدها ؛ والمراجع السابقة ، ولا سيما : الموافقات للشاطبي ، والثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ، للسفياني .
(13)التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ، لعبد القادر عودة : 1/25 .

التعليقات

لقد مضى قرابة الشهرين ولم نجد مقالا جديدا عسى المانع خيرا<br>

فضيلة الشيخ :الطرح جميل ورائع...ونرجو السرعة في الكتابة في هذا الموضوع. أريد كتب بحثت في أنظمة الحكم الوضعية وبيان الحكم الشرعي فيها..وأتمنى لك التوفيق والنجاح في الدرارين وأن ينفع بك الإسلام والمسلمين...شكر الله سعيك

لو تم إيضاح الخصائص أكثر كان أجدى خاصة الخصائص التي تتميز بها السياسة الشرعية عن غيرها<br>

أخي الكريم حاتم البيانوني ..<BR>أرجو أن يتحقق هذا من خلال ما تبقى من حلقات الموازنة ، وقد ترددت كثيرا في التفصل المستقل لها بسبب تشعب الحديث في ذلك ، وسأذكر بعض المراجع التي تخدم التوسع فيها إن شاء الله تعالى .<BR><BR>-------------------------<BR><BR>الأخ الكريم أسعد زيدان ..<BR>أرجو أن يتيسر إلبدء في إتمام الحلقات قريبا إن شاء الله تعالى ..<BR>أسأل الله تعالى العون والتيسير والتوفيق .<br>

إضافة تعليق جديد

7 + 3 =