إذا كثر الخبث
16 صفر 1429

في قصص الأنبياء عبرة للمعتبرين قال الله تعالى: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى" [يوسف: من الآية111]، ومن العبر المستفادة من قصة نبي الله صالح عليه السلام وقومه ثمود الذين كانت تتحكم فيهم طغمة فاسدة، تدير بهواها دفة أمورهم، أن المجتمع متى ما استسلم لما يهوى أولئك السفهاء المفسدين فإن مصيره مصيرهم سواء بسواء.

خططت تلك الفئة الباغية لقتل الناقة ثم لقتل صالح عليه السلام ونفذت نصف الجريمة ثم لم يكن من المجتمع حراك قبل ولا بعد الجريمة، كان مجتمعا سلبيا تقوم بتدبير دفة أموره فئة قليلة متنفذة فاسدة وتظل الأكثرية فيه صامتة متواطئة.

إن السلبية ليست عذراً للمجتمع، فلا بد للمجتمع من دور رائد في تنحية الظالمين وعدم تمكينهم من النطق باسمهم وتولي زمام الأمور، فإذا تخلى المجتمع عن هذا الدور فلا يلومن إلا نفسه يوم ينزل العذاب الشامل وتحل النقمة العامة كتلك التي نزلت على ثمود، نعم لم يكن المتآمرون غير تسعة ولم يكن المنفذ للجريمة المؤامرة إلا واحداً ولكن المجتمع تغافل عن دور أولئك الطغاة وتركهم يمرحون ويسرحون ويتصرفون في مصيره وفي مستقبله، إن هؤلاء المجرمين لم يجروا البلاء على أنفسهم فحسب بل كان بلاء عاماً نال المقترف بيده والساكت ذا الموقف السلبي، ولم ينج إلا من لحق بسفينة التي كان ربانها صالح عليه السلام.

ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة بمثابة صمام الأمان للمجتمع، عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث"(1).

وفي أبي داود قال أبو بكر رضي الله عنه بعد أن حمد الله وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: "عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" [المائدة: 105]، وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب"، وقال عمرو عن هشيم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لايغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب"(2).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"، ثم قرأ: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ" إلى قوله: "فَاسِقُونَ" [المائدة: 78-81]، ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصرا"(3).

إذاً فإن للمجتمع دور كبير في الإصلاح، دور متى تخلى عنه استحق الهلاك بجريرة السفهاء فيه، لأن المجتمع عندئذ شريك أصيل في جريمة حيث لم يعمل شيئا للحيلولة دون وقوعها، ولا بد للمجتمع أن يعمل بما يتاح له من وسائل حتى ينفي خبثه لأنه سيهلك إذا كثر الخبث.

_______________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أبوداود، 2/252، (4338)، وصححه الألباني.
(3) أبو داود، 2/524، (4336)، والحديث ضعيف وفي الآية عبرة وشاهد.

ما سبب اختفاء العمل بقريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لو تأملنا مقال شيخنا لحق لنا أن نضع أيدينا على أفئدتنا خشية ،فالامر جد خطير ياعباد الله!فإن الخبث قد استشرى أيما استشراء، فهاهي الأقمار الصناعية تمطرنا بالخبث غدوا وعشيا ،وقد أكتظت الأجواء بها حتى أصبحت أجواؤنا المغلوبة على أمرها تحتاج إلى الأغتسال كل ثانيتين!!،أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،فقدإستحوذت عليه العصرنة والتحضر قأصبحنا بمباركة بعض الدعاة في أمس الحاجة إلى سينما إسلامية،وأناشيد حماسية ،وقصاص يطلون علينا مع ‘طلالة كل شمس ولا يأفلون بأفولها ،جعلوا حتى من خواص الأنبياء مثار نقد ومراجعة ،حتى قال قائلهم لنا في نبي الله يعقوب عبرة فقد فرق بين بنيه( فمنح يوسف وأخاه نصيب الأسد من حبه دون سائر إخوته فكانت النتيجة ماعرفناه)...تربت أيديهم وضلت وشلت ماأجرأهم على الله وعلى أصفيائه،لكني لا أجد تفسيرا لهذا سوى تخلي المؤهلين من أهل العلم عن واجب الصدع بالأمر تحت أوهى الذرائع ،وإفساح المجال للرويبضة !!فالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة الا به<br>

لا نجد على الخير أعوانا لاريب أن علم الله محيط بظواهر الأمور وبواطنها ، وقد يُبتلى المؤمن با بتلاءات عظيمة قد تقتحم النفس وتفتح لها طريقاً من الحيرة والحرج .. ولقد مر علىّ في هذه الليلة ابتلاء ضاق به صدري ، واحتارت فيه عواطفي بين هذا وذاك ، ووقعت في شراك عجزت أن أخرج منه .. وخانني تفكيري عن إيجاد حلاً له . هذه الليلة ليلة عقد قران ابن أخي ، فقد انفصل أبواه ، وتربى بيننا .. وهبنا له كل الحب والحنان ، فهذه الليلة تعني الكثير بالنسبة لنا ولأمي التي تحبه حباً جماً ، فقد كنا نحلم أن نراه عريساً . ومن عادتنا ولله الحمد الا نحضر مناسبات إلا إذا كانت سنية ( اعني سنية هذا الزمان ) المهم تكون خالية من المعازف والآلات المحرمة ، وللأسف الشديد فقد أخلفت أم العروس وأهلها الوعد ، وكانت المفاجأة أننا وقعنا في ليلة من الليالي الحمراء .. فعندما يتجلى ضعف الإيمان ، وقلة الوازع تبدو آثاره في صورة محزنة ، رقص وغناء ومجون .. والآن ماذا عساي أن أفعل ، والدتي إمرأة عابدة ولا أزكيها على الله ، ليست راضية بما يحدث ، ولكن حبها الشديد لابن أخي سيجعلها تقضي الليلة على خير .. أما أنا فمن عادتي أني إذا وجدت في مناسبة منكر فسرعان ما أ قرر الخروج منها .. أمي لا أريد أن أتسبب في إحراجها بخروجي ، الكل يترجاني ، الكل يدهده علىّ وكأنني طفلة صغيرة .. استعنت بالله ، وأمسكت بالميكروفون وذكرت الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتكلمت عن التبرج والسفور والنقاب .. وهذا عزائي أني عملت شيئاً لله ، فالعمل مطلوب ، وإن لم يحقق ثمرة ، فإن حُققت فزنا بإذن الله ، وإلا فحسبنا أننا جاهدنا وسعينا ، وأعذرنا إلى الله . قررت أن أصعد إلى غرفة في الأعلى لأغض بصري عن القذى ، وأحمي أذناي عن السماع ، وإن كان الصخب المؤذي للقلب والأذنيين يخترق الجدار والابواب ، إنني أشعر في هذه الساعات بالذات بوحشة تجتاح نفسي ، ولن يخفف من ألمها إلا حبسها في تلك الغرفة ، فنحن بحاجة إلى عنصر مقاومة للمغريات التي تُبث في طريقنا برشاشها المتناثر .وتذكرت حديث رسول الله الذي رواه أبو داود ( إن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثله ، قلت يارسول الله أجر خمسين منهم ؟ قال : أجر خمسين منكم ) وفي رواية : ( تجدون على الخير أعواناً ، ولايجدون على الخير أعواناً ) .. أسأل الله الصبر فالإدبار عن الشهوات لا يتأتى إلا لصبور . وصلتني الأخبار بما حدث فمنهم من قال أنه فيلم هندي .. ومنهم من قال أنها مسرحية ، شعارات زائفة ، ورقصات خليعة مما يحرم على المسلم أن يستمع إليها أو يحضر إليها . فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف ) فقال رجل من المسلمين : يارسول الله ومتى ذلك ؟ قال ( إذا ظهرت القيان والمعازف و شُربت الخمور ) . من يخطط لنا هذه المسرحيات ؟ من الذين يتولون إدارة هذه القصور ؟ الجواب " لابد أنهم من النصارى ، ومن أبناء جلدتنا الذين تربوا على أيديهم . فرقة من نصارى الفلبين نساء كاسيات عاريات يقمن بالرقص بطريقة ماجنة وسط صخب من الموسيقى .. يلعب بنا هؤلاء اليهود والنصارى في عصر الانفتاح ، فياعجباً لعاقل أسلم قلبه وعقله لعدوه ، نسوا أن الله يراهم ، وأنه أقرب اليهم من حبل الوريد.. تتم في هذه الصالات أحداث ومشاهد تشمئز منها النفوس المؤمنة ، أناس لم يكترثوا فيما يرضي الله وفيما يسخطه ، خلط ومزج بين مايصح ومالايصح .. وصدق الشاعر بقوله : ومن البلية عذل من لايرعوي ... عن غيه وخطاب من لايفهم . ثم يبدأ المشهد الأخير وهو زفة العروسين ، وهذا المشهد مقسم إلى مشاهد وكأنك تشاهد أحد أفلام ( هوليود ) تُغلق الأنوار على الحضور ، وتُسلط الأضواء على العروسين وهما على شرفة مرتفعة ، ويقوم العروسين بإلقاء الورود على الحضور وسط صخب من الغناء والصفير والصياح ، وكأننا في حلبة مصارعة ، وبعدها تبدأ المسيرة على أغنام الموسيقى أعني ( أنغام ) الموسيقى ثم أغنية خاصة ( بالدبلة ) التي هي من عادات النصارى .. مشاهد استمرت قرابة الساعة والنصف الساعة .. إلمام بالمحاقر دون تورع ، أناس اتبعوا أهواء النفس ، والجري وراء شهواتها إتكالاً على عفو الله ، والله عز وجل يقول ( ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) الأعراف 156 . ويعود الأمر جله إلى النساء ، فمن السهل إغوائهن ..فهذا الشطط يفرضه على المجتمعات في الشرق والغرب النساء ، وأشباه النساء ، ولهذا ركز أعداء الله إفسادهن بشتى طرق الدعاية ، ثم هن يلعبن بالرجال لتنفيذ أفكارهن الكاسدة ، غرهن شيطان الحضارة فاعتبروا تقليد العدوتطوراً وتقدماً فاُلبس الباطل ثوب الحق ، وافسدت المعتقدات التقاليد ، وكل ذلك للفت الأنظار النهمة ، وارتقاب نظرات الإعجاب تنهال عليهم من هنا وهناك . وصدق من قال ( أن من يتجرع الإسلام بكماله وآدابه لايكاد يسيغه إلا متهوعاً ولاحول ولاقوة إلا بالله . وقد قال بعض الصالحين : طلب الجنة بلا عمل ، ذنب من الذنوب .. وارتجاء الشفاعة بلا اتباع السنة ، نوع من الغرور .. وارتجاء رحمة الله مع المعاصي ، حمق وجهل ..
4 + 1 =