السياسة ليست انتخابا فقط

د.محمد العبده  | 29/12/1428

كيف يختار من لا يعيش في مجتمع يرجع الناس فيه سواء في مشوراتهم أوفي أمورهم العامة إلى قيادة ترشدهم وتسوسهم ، أي في مجتمع سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معان ايجابية ، ففي مجتمعاتنا اليوم كل خطاب يستطيع خداع كثير من الناس ، وكل مؤامرة على الدين وعلى الأوطان تمر دون أن يشعر بها هؤلاء .

العمل السياسي إذا لم يكن واسع الجوانب، له صلة بالمبادئ وله صلة بالثقافة والعلم و الأمور الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر إذا لم يكن (حضارياً) فإن الناس سيفقدون التراحم والتآلف وتذهب الثقة وتبدأ المناكفات ويظهر الاختلاف والبعثرة النفسية.

دخل الشيخ حسن البنا _رحمه الله_ الانتخابات العامة عندما كان في مصر أحزاب وبرلمان ، وترشح عن مدينة الإسماعيلية ، ولكن الحكومة أصرت عليه أن ينسحب من هذه المعركة الانتخابية ويبتعد عن هذا الموقع ، وانسحب الشيخ وقد تكون المصلحة في ذلك ، لأن مثله يجب أن يكون فوق البرلمانات وفوق التنافس الانتخابي . وترشح الشيخ مصطفى السباعي _رحمه الله_ عن مقعد شاغر في مدينة دمشق ، كان ذلك عام 1957،وكان منافسه على هذا المقعد ذا توجهات قومية علمانية ، ووقفت الحكومة مع هذا المنافس ووقفت مصر عبد الناصر ضد الشيخ السباعي، وكانت النتيجة أن فاز منافسه وكانت لهذه المعركة الانتخابية آثار سيئة على الدعوة.
في مثل هذه المعامع السياسية نجد من يعرف مداخلها ومخارجها وينصح بأمور قد تكون هي الأفضل في وقتها، فكان من مقترحات أحد أعيان المصريين (عبد المجيد باشا) "أن يؤيد الإخوان المسلمون في دوائرهم الانتخابية رجالا لهم ثقافة رفيعة وخلق رضي ودين قويم ، وكان الجميع يكرهون أن ينقلب الإخوان حزبا سياسيا" (1)
ويتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين بعد ابن باديس عن تجربته فيقول : " ورأي في الزعيم السياسي المثقف في أمة كأممنا الشرقية أنه يجب عليه أن يترفع عن الميادين التي تشغله عن المهم وتلهيه بالصغائر وتخلق له الخصوم ، وأن يصرف همه كله إلى تربية الأمة وجمع صفوفها ، فإذا تم له ذلك أصبح مرهوبا من الحكومة ، وأصبح محبوبا عند الأمة ، وبذلك يصبح متحكما في الانتخابات يسيرها في المصلحة الوطنية "(2)
إن من السياسة أن يكون لأهل الفضل والإصلاح مرتكزات قوية اجتماعية وثقافية بعيدا عن الدخول في الدروب الضيقة. يقول الشيخ رشيد رضا عن الزعماء الاجتماعيين " الذين يشرفون على الأودية والترع التي تجري فيها سيول الحوادث الجديدة ويقدرون على تحويلها إلى حيث تكون محيية لأرض الأمة " (3)
لقد توسع مفهوم السياسة ليطال أعمالا كثيرة، فكل عمل يقوم به المسلم لخدمة الأمة هو عمل سياسي. الناس عندما يمدحون سياسيا يقولون عنه ( داهية ) ونحن لا نريد دهاة بل نريد أعمالا ايجابية ومجتمعا سياسيا يعرف واجباته وحقوقه، ولن ينجح أي إصلاح سياسي لا ينبثق من داخل الفرد ، من إيمانه وتحديه لكل ضغط خارجي أو داخلي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. أحمد حسن الباقوري: بقايا ذكريات /48
2. الآثار الكاملة: 5/136
3. مجلة المنار: مجلد 9/128


  

كلمات رائعة تلامس القلوب وتفتح العقول لمن يتدبر، فإذا كان "الناس عندما يمدحون سياسيا يقولون عنه (داهية)"، فإننا بالطبع نحتاج إلى (داعية) تتأكد الجماهير أنه لا يريد إلا الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وليس له من مآرب أخرى حتى لو كانت مشروعة،وعلينا أن نتأكد دائما أن الذي لا يستطيع تربية نفسه وتقويمها لا يستطيع تربية أمته وإعدادها،وأن إحدى أكبر المصائب التي ابتليت بها الدعوة هذه الأيام الفصام النكد بين ما يدعو إليه عدد من المتصدين لها نظريا، وبين سلوكهم العملي على الأرض الذي يصد الناس عن الحق ويبعدهم عن الخير، "ولن ينجح أي إصلاح (..) لا ينبثق من داخل الفرد ، من إيمانه وتحديه لكل ضغط خارجي أو داخلي "، على حد قول أستاذنا الكبير كاتب هذه اللمحة التربوية الرائعة.
جزاك الله خير ا يا شيخنا العزيز وجعل هذا الكلام في ميزان حسانتك ان شاء الله واطال الله في عمرك واحسن في عملك
رائع جدا كلام الشيخ وليس بغريب منه هذا العمق الذي تعودناه منه ومن الخطأ الكبير أن لايستفاد منه بأكبر من هذا المستوى وهذا القدر. ظلم كبير تغييب الراسخين وإبراز من كان دونهم على حسابهم .وفقك الله شيخنا محمد العبدة ونفع بك

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

هل تعتقد ان الأزمة المالية الأمريكية تعني نهاية السيطرة الأمريكية على الاقتصاد العالمي ؟

الارشيف