سفك شارون الدم الفلسطيني الزكي , قتل الآلاف من الشباب والنساء والأطفال والشيوخ الفلسطينيين , وجرح لآلاف غيرهم , أسر أكثر من سبعة آلاف من الشباب و الفتيان والفتيات . واستشاط في قمعه للشعب الفلسطيني , لم يلتفت لأي معايير أخلاقية أو إنسانية أو قوانين دولية في سعيه الحثيث لإسكات صوت الانتفاضة . أطلق حملة المائة يوم لتصفية المقاومة وتركيع الفلسطينيين منذ اعتلائه كرسي رئاسة الحكومة الصهيونية , وهاهو قد قارب الألف يوم جاثما على صدر الفلسطينيين من دون أن يحقق مآربه . ارتكب مجزرة السور الواقي في شهر إبريل من العام الماضي متضمنة العديد من المجازر التي صارت بعد ذلك شبه يومية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل , لكنه أخفق لحد الآن في إضعاف المقاومة الفلسطينية الباسلة فضلا عن إسكات صوتها الحر .. فمن رحم تلك المجازر خرج جيل إسلامي أبر ؛ وإذا المقاومة تزداد تألقا ورفعة فيما الصهاينة بنطاق الرعب يتمنطقون يشهدون بمآقيهم تآكل دولتهم المزعومة يوما من بعد يوم .
تحرك شارون مدعوما بالجيش والشرطة والاستخبارات ومؤيدا من معظم القوى اليهودية من أقصى اليمين السياسي إلى أقصى يساره , لكنه أخفق في مسعاه لدحر الانتفاضة وقهرها , ولما أعيته الحيل استعصم باستراتيجية رابين/بيريز القديمة التي بنيت على إيلاء عملاء الصهيونية الفلسطينيون مهمة إسكات صوت الحرية في فلسطين نيابة عنهم , فكانت العقبة .. وما أدراك ما العقبة ؟!
نتائج العقبة : قبل قدوم "الضيوف" إلى مدينة العقبة تسارعت عملية تخليص المدينة من الغربان السوداء التي تهاجم المدينة من البحر الأحمر والتي تؤرق مفوضية المدينة منذ أشهر حيث عرضت مكافآت مالية لأي مواطن يصطاد غرابا، لكن مشكلة المدينة مع الغربان السوداء تضاءلت كثيرا مقارنة بالـ"الضيوف" البيض الذين غزوا المدينة يوم 4/6/2003 ناعقين بجملة من القرارات والتوصيات الهادفة لوأد الانتفاضة , والتي يمكن طرحها على النحو التالي : 1 ـ اعتراف الجانب الصهيوني بدولة فلسطينية غير محددة الملامح . 2 ـ التزام الجانب الفلسطيني بمكافحة كل ألوان "الإرهاب الفلسطيني" والتحريض عليه , وتثبيت مبدأ السلطة الواحدة . 3 ـ تعهد "الراعي الأمريكي للمفاوضات" الالتزام بأمن ما يسمى بدولة إسرائيل التي أعلنها الأمريكيون على لسان رئيسهم "دولة لليهود" . 4 ـ بدء الجانب الصهيوني في الإفراج عن مائة معتقل فلسطيني , وتفكيك 20 كرنفانا (منزل سابق التجهيز) في مستوطنات "غير مرخصة وغير قانونية" . وقد أكدت كلمات القادة المعنيون في قمة العقبة عن هذه القرارات من خلال كلماتهم وتصريحاتهم التي أعقبت القمة , فقال الرئيس الأمريكي جورج بوش : " إنني أؤيد وأساند أمن واستقرار الدولة اليهودية" مضيفا : "لابد من تقسيم الأرض المقدسة بين الفلسطينيين والإسرائيليين" , وقال رئيس الوزراء الفلسطيني " لكي أكون صريحا وواضحا، لا يوجد حل عسكري لصراعنا ونكرر إدانتنا ورفضنا للإرهاب والعنف ضد الإسرائيليين أينما كانوا ، داعيا إلى منع المساعدات المالية والعسكرية عمن يعارضون هذا الموقف في سياق التزامنا مصلحة الشعب الفلسطيني . وجاء هذا التهديد للمسؤول الفلسطيني متزامنا مع دعوته إلى وقف الانتفاضة العسكرية: سنبذل كافة الجهود وسنستخدم كل إمكاناتنا لتنتهي الانتفاضة المسلحة . وتابع هدفنا واضح وسنطبقه بحزم وبلا هوادة، نهاية كاملة للعنف والإرهاب.. كما وسنعمل ضد التحريض علي العنف والكراهية مهما كان شكله وأيا كانت وسائله.. وسنقوم بإجراءات من جانبنا لضمان أن لا يصدر أي تحريض عن المؤسسات الفلسطينية" أما شارون فقد حبذ أن يحكم الفلسطينيون أنفسهم بأنفسهم " ملمحا إلى تفكيك المستوطنات غير المرخصة .
قراءة في نتائج قمة العقبة : نتائج قمة العقبة هي محل اتفاق بين جميع المناضلين الفلسطينيين من إسلاميين ووطنيين , فهم قرءوا فيها النقاط التالية : ـ · عدم تقديم الاحتلال الصهيوني أي تنازلات لأصحاب الأرض "الفلسطينيين" واكتفاؤه بالإفراج عن مائة شخص فقط من الأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم أكثر من سبعة آلاف أسير , وموافقته على تجميد المستوطنات فقط وتفكيك عدد محدود جدا منها . وهذا يعني أن سقف الطموح الفلسطيني يقف عند حد وقف إنشاء مستوطنات جديدة , وهو ما لا يعد تنازلا بالمرة بالنظر إلى حالة الهجرة العكسية المتنامية في المستوطنات الصهيونية , والتي جعلت العديد منها خاوية على عروشها بفعل ضربات المقاومة المباركة , كما أن هذا السقف لا يطاول رغبة الفلسطينيين في إقامة دولة فلسطينية حتى على أرض فلسطين 67 , ووقوف الكيان الصهيوني في تنازله المزعوم عند حد الإفراج عن 100 معتقل فقط معظمهم من كبار السن . · قبول الولايات المتحدة ورئيس وزراء فلسطين للشرط الصهيوني لقبول خارطة الطريق القاضي بعدم الموافقة على عودة أربعة ملايين ونصف المليون من اللاجئين الفلسطينيين يعني إسقاطا تاما لحق عودة هؤلاء , وتعد هذه هي المرة الأولى التي يوافق فيها مسؤول فلسطيني على القبول بالجلوس على مائدة مفاوضات تغض الطرف عن هذه القضية , وتجدر الإشارة إلى أن الشرط الصهيوني بإسقاط حق عودة اللاجئين قبل الموافقة على الجلوس مع الجانب الفلسطيني قد عززه خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش حين قال : " الولايات المتحدة اليوم ملتزمة بشكل كامل بضمان أمن إسرائيل كدولة يهودية " وهذا التصريح علاوة على أنه يسقط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى فلسطين 48 ؛ فإنه يعني قانونياً أن هذه الدولة هي لليهود فقط، ولا مكان لغيرهم فيها. أي أن المليون عربي "إسرائيلي" المقيمين حالياً في الجليل والمثلث والنقب لا يحق لهم البقاء، كما لا يحق لهم المطالبة بالمساواة , فهم عرب ، وعليهم الذهاب إلى الدولة الفلسطينية التي ستقام لاستيعابهم , وثالثة الأثافي في هذا الأمر أن ذلك التصريح قد يفضي إلى مرحلة تبدأ فيها الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني للترويج لفكرة الترانسفير الفلسطيني كحل استئصالي لقوى الجهاد والنضال الفلسطيني , فمادامت فلسطين "إسرائيل" لليهود فما الداعي لوجود فلسطينيين فيها !! .
· من نتائج القمة البارزة إقصاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي يراه المناضلون الفلسطينيون رغم تنازلاته أفضل كثيرا من أبي مازن الذي جاءت القمة لتكرس سيطرته على السلطة الفلسطينية متجاهلة الرئيس الفلسطيني الذي حاول الانتصار لنفسه بانتقاد مبطن للقمة عبر انتقاد شارون قائلا للصحافيين الذين وصلوا إلى مقره في مبنى المقاطعة في مدينة رام الله: "إسرائيل لم تعرض أي شيء ملموس. إسرائيل ستزيل كرفانـًا (منزل متنقل) واحدًا فقط ، وبعد ذلك ستقول: (قمنا بإزالة مستوطنات). ما أهمية ذلك؟ " , ولذلك سير عرفات المظاهرات المؤيدة لزعامته .
· من أهم نتائج القمة المخزية عمل السلطات الأمنية الفلسطينية على تجريد المقاومة الفلسطينية من سلاحها , وهو ما قد يؤدي إلى فتنة فلسطينية/فلسطينية , إذ سترى الفصائل أن الكيان الصهيوني يمكنه بسهولة النكوص على تعهداته (المجحفة بالأساس) فالانسحاب من الضفة والقطاع لا يمنع مطلقا من اجتياحها , كما أن فك الحصار لا يمنع فرضه مجددا , فيما الفصائل إذا ما سلمت سلاحها فلا يمكنها استرداده مرة أخرى .
أي "عقبة" يحاول الكيان اجتيازها في "العقبة" ؟ برغم سوداوية الصورة في المدينة الأردنية , إلا أن المراقب للوضع في فلسطين الصابرة لابد أن يستوقفه تصريح السفاح شارون حين كان يرد على منتقديه بشأن اعترافه باحتلال فلسطين قائلا : " ماذا تريدون؟ أن نبقى في جنين! إن استمرار احتلال 3.5 مليون فلسطيني هو فكرة سيئة، سيئة لـ"إسرائيل"، سيئة للاقتصاد وسيئة للفلسطينيين.. هذا احتلال، ويمكن أن لا نحب الكلمة، لكن هذا احتلال". إن اعترافا كهذا , وقبولا بخارطة الطريق التي تنص على قيام دولة فلسطينية، بغض النظر عن ماهية هذه الدولة، هو تغيير أو تحول ما كان لأحد أن يتوقعه من شخصية أيديولوجية متطرفة كشارون، لا ترى للفلسطينيين حقاً في هذه الأرض لا من قريب ولا من بعيد، على الرغم من كون الخارطة سيقت أساساً لضرب الانتفاضة الفلسطينية , وهو إقرار بالانكسار والفشل لابد أن يقرأه كل منصف , لا بل كل إنسان . فحكومة صهيونية تعد من أكثر حكومات الكيان الصهيوني تطرفا في التاريخ هي التي تصادق على خطة تتضمن اعترافاً بدولة فلسطينية وبتجميد الاستيطان، لهو خير دليل على المكاسب التي تجنيها الانتفاضة المباركة منذ بدايتها الأولى، ولأن تفتقت العقلية الأمريكية واليهودية عن هذه الخطة المسماة (بخارطة الطريق) بالشروط اليهودية، ولأن أتوا بشخصية أبي مازن لتحرير هذه الخطة، فإن ما يتطلع إليه أبناء المنطقة هو استمرار الدول القيادي للانتفاضة في مواجهة هؤلاء، وأن لا تتوقف التضحيات الفلسطينية حتى تصل إلى هدفها الأكبر والمتمثل في تحرير القدس الشريف وأرض الإسراء.