الأمازيغيون.. نزاع الهوية والتغريب!

بقلم: ياسمينة صالح  | 10/4/1427

قبل عشرين عاماً، لم يكن من السهل الحديث عن التعدديات العرقية في منطقة الشمال الإفريقي، و في المغرب العربي بالخصوص، ليس لأنها كانت مقموعة كما يدعي البعض، بل لأنها هي نفسها لم تكن تتجذر في الحقيقة خارج انتماءاتها القومية، بحيث لم يكن أحد يتحسس واقعه خارج الواقع الكبير الذي في النهاية شمل الجميع في نطاق سياسي خانق لم تكن فيها الأنظمة تسمح بالتحرر من كذبة "الوطن الكبير" خارج ذلك التشدد العسكري و البوليسي الذي كسر ظهور العباد. . لكن، في ظروف متشابهة إلى حد كبير، انفجر ما يعرف ضمنيا بقضية الأمازيغ، و تحولت القضية إلى مطلب سياسي سرعان ما صار خطراً من مخاطر الانشقاق حين تحول المطلب العادي إلى مطلب " أيديولوجي" بالنسبة لتشكيلات سياسية تأسست في ظروف مريبة، و تحولت إلى بوق يردد العبارات نفسها التي رددتها الكلونيالية قبل أربعين سنة خلت، إلى أن صار المشهد قريبا إلى المشهد الكردي الذي تفجر في العراق و سورية، وإن كان الفرق الوحيد في نوعية الثقافة التي ارتبطت لدى الأمازيغ بمثولوجية الأرض، أي بأنهم أصحاب الأرض، و أن "العرب و المسلمين" محتلين لتلك الأرض!!
من هم الأمازيغ؟
بقى السؤال محل العديد من القراءات التاريخية، و لعل أهم تلك القراءات أن الأمازيغ هم "البربر" وفق المصطلح الذي أطلقه العرب عليهم إبان القرن الرابع عشر، نسبة إلى خاصية التشدد و العنف التي كانت مرتبطة بشخصيتهم، لكنهم رأوا أن عبارة "بربر" تناقض مطالبهم بحيث إن البربر تعني آليا الهمج، و لهذا تم تأسيس مصطلح "الأمازيغ" الذي ما زالت تثير إلى اليوم حفيظة الأمازيغيين أنفسهم باعتبار أن عبارة "أمازيغ" تعني " المشتتون" لدى البعض و تعني "الأحرار" لدى البعض الآخر، بيد أن الأمازيغ اعتمدوا دوما على الهوية الشفهية، أي أن تاريخهم الخاص بقي شفهيا، تتداوله الحكايات الشفهية، و ليس ثمة تدوين و لا تأريخ حقيقي لهم، و لا حتى لغة يمكن وصفها باللغة الكاملة، سوى في لهجات شفهية تدخل في سياق التعبير ليس إلا، و مع ذلك، كانت من أهم مطالب الأمازيغيين أن تعترف السلطة بهويتهم و بلغتهم و جعلها لغة رسمية، و هو ما لا يمكن اعتباره استحقاقا باعتبار أن إشكالية اللغة ظلت التحدي الذي على أساسه كانت اللعبة الأمازيغية تلعب بأشكال متفاوتة من منطقة إلى أخرى، فأمازيغ المغرب (يمثلون نحو 48% من سكان المغرب البالغ عددهم 35 مليون نسمة) و الذين يتموقعون في منطقة "الريف" المغربي بالشمال، وفي منطقة "جبال أطلس" وسط البلاد، وفي منطقة "سوس" بالجنوب، يعتبرون أن التعاطي مع الأمازيغية لا يخلو من تعاطي ثقافي عموما، بدليل أنه لم تتشكل أحزاب أو تيارات أمازيغية بالمعنى الحقيقي، بينما في موريتانيا فإن اللغة كانت وجهة لإحقاق ما يسمى بالاختلاف العرقي الذي تجذر إلى نزاعات كثيرة كشفت أن الهوية تعني أيضا الجهة (الخارجية) التي يمكنها استقطاب المطالب أكثر من غيرها، بينما في الجزائر، فإن الأمازيغ (30% من مجمل سكان الجزائر) يعتبرون أنهم أصحاب الأرض، و الأحق من غيرهم بها، و لا يمكن على ذلك الأساس أن يكونوا تحت سيطرة "العرب المسلمين" و بالتالي لا يمكن أن يجبرهم أحد على أن تكون لغتهم مشابهة للغة و لعقيدة العرب و هو ما عكس الرفض المطلق لأن يكونوا جزءاً من المجتمع الجزائري من حيث العقيدة و اللغة، بالخصوص و أن العديد من الشخصيات المتشددة فيما يسمى بحركات العروش طالبت بشكل علني بالحق في تقرير المصير، أي الحق في الاستقلال عن الجزائر، معتبرة أن "الإسلام" دين أصولي متجذر من العنف و التطرف و أنهم لن يكونوا مجبرين على الانتماء إليه!
تراكمات الثقافة العرقية!
الذين تناولوا الموضوع الأمازيغي في الجزائر، انطلقوا بالخصوص من حوادث عام 2001 التي أججت حالة من الفوضى في منطقة القبائل الجزائرية بعد مشادات عنيفة دارت بين رجال الأمن و شباب غاضبين بعد حادثة اغتيال شاب على يد رجال الأمن. لكن الحقيقة أن التوتر القائم بين الحركات الأمازيغية بكل تياراتها و بين السلطة لم يكن وليد ذلك التاريخ، بل هو صراع قديم انطلق بعد الاستقلال الجزائري، و تفجر بشكل ملموس في السبعينيات الميلادية، حين تشكلت بوادر معارضة سياسية جديدة كانت تعتبر أن السلطة الجزائرية غير شعبية، بمعنى أنها غير معترف بها شعبيا، و هو الشيء الذي صار فيما بعد نزاعا على ما يمكن تسميته بالشرعية الشعبية سياسيا التي لا يعرفها أي نظام في المغرب العربي عموما، بحيث أن الأنظمة الحاكمة في الدول المغاربية و شمال الإفريقية عبارة عن أيديولوجيات قائمة بقوة و محاطة بالفكر البوليسي القمعي، و هو ما يعكسه آليا عدد السجناء السياسيين في كل الدول المغاربية عموما. . لكن ما عرف مباشرة بالربيع الأمازيغي الذي كان عبارة عن انتفاضة أخرى في منقطة القبائل عام 1980، بمثابة الشعرة التي تقطعت بين السلطة و بين الحركات الأمازيغية التي كانت تستفيد آليا من أخطاء النظام و من الدعم الإعلامي و اللوجستيكي الغربي (الفرنسي بالخصوص) لها. . و الحال أن الموقف الفرنسي من الأزمة العرقية الجزائرية كان مثيرا للعديد من الأسئلة منذ الثمانينات بالخصوص، حين أعلن الرئيس الفرنسي الأسبق "فرانسوا ميتيران" أن " الحد من الحريات الشخصية لسكان القبائل في الجزائر (المغرب العربي) يتنافى مع الثوابت الجمهورية!" ليس هذا فقط، بل و أن التحركات الفرنسية في المغرب العربي كانت محل جدال كبير في السنوات الخمسة الأخيرة، بالخصوص بعد أن تورطت فرنسا بشكل مكشوف في قضية "الأناجيل" التي حملت على متن باخرة قادمة من مدينة مرسيليا نحو الجزائر و سربت حوالي 10 آلاف منها على مناطق كثيرة أبرزها منطقة القبائل في أكبر حملة تنصيرية ضد ثوابت المسلمين في الجزائر. صحيح أن السلطات الجزائرية لم تجد مناصا و لا مهرباً من الكشف عن صفقة الأناجيل المهربة التي تم ضبطها، إلا أن العديد من الصحف الجزائرية أشارت بتاريخ 11 يوليو 2003 أن تداول الأناجيل صار شيئاً عادياً في الجزائر، و أن "الانفتاح" على النصرانية لم يعد سرا، لكن السؤال الذي ظل يطرح بحدة هو لماذا تحولت منطقة القبائل إلى معقل للتنصير في الجزائر، و لماذا تبدو قضية " التنصير" أمراً طبيعياً في نظر البعض، و"حرية اعتقاد" في نظر البعض الآخر، كما لو كان الارتداد عن الإسلام شيئا عاديا. ؟
ثقافة الكراهية و العبثية السياسية!
لقد لعب الأمازيغيون أدواراً مهمة إبان الثورة التحريرية، و كان أغلب شهداء الثورة الجهادية الجزائرية ضد المحتلين الفرنسيين، كانوا من الأمازيغيين الذين لم تكن لديهم حسابات ضيقة خارج الجهاد الحقيقي لأجل استقلال البلاد، لكن بعد الاستقلال، و في أواخر الستينات، تشكلت الرؤية السياسية المعارضة للسلطة و المطالبة بالحقوق المدنية لما سمي وقتها بالأقليات، و كان "حسين آية أحمد" من أوائل المطالبين بالحقوق السياسية للقبائل، برغم أن رؤيته لم تكن تستقطب كل سكان القبائل، لأن الخارطة الاجتماعية الجزائرية كانت تتكون في الحقيقة من ثلاث أنواع من الأمازيغ (الشاوية، الميزاب، و البربر). . تعارضت مطالب "آية أحمد" وقتها بشكل كبير مع رؤية الميزابيين (نسبة إلى سكان بني ميزاب) مثلما تصادمت أيضا مع رؤية الشاوية (نسبة لسكان الأوراس)، إلا أنه في نهاية الثمانيات تحولت المطالب إلى رسكلة سياسية شديدة الخطر، بالخصوص بعد أن تبلورت إلى السطح العديد من النخب الفرانكفونية التي صارت تطالب صراحة بالانقسام، أو بما يسمى بالاستقلال الذاتي، و لعل حركات سياسية مثل "التجمع لأجل الثقافة و الديمقراطي" بقيادة سعيد سعدي يعد من أكثر التشكيلات التي شجعت جدا على صعود تيارات أمازيغية متطرفة و عنصرية أيضا مثل حركة العروش التي تأسست في نهاية الثمانينات، و تحولت إلى أخطر حركة منادية ب"الحرب" لأجل الاستقلال! بيد أن حركة العروش بقيادة "بلعيد أبريكا" شكل لوحده نزاعاً رهيباً ليس ضد السلطة الفاسدة في الجزائر، بل و ضد الجزائريين، قبل أن تكشف العديد من الصحف الجزائرية في أكتوبر 2004 أن شخصيات يهودية التقت ب"بلعيد أبريكا" في العاصمة الفرنسية باريس و أن الدعم المالي الرهيب الذي حصل عليه هذا الأخير يدخل في إطار عملية استعداد لتفجير الوضع في منطقة القبائل بعد أن هدد في أبريل 2005 أنه مستعد لحمل السلاح لأجل إجبار السلطات الجزائرية على الخضوع لكل مطالبه التي كانت تتلخص في: الاعتراف الكامل بحقوق الأمازيغيين، و جعل السبت و الأحد عطلة نهاية الأسبوع، و صياغة الأمازيغية كتابة بحروف أجنبية و تعميمها على كل الجزائريين. . و هي المطالب التي صدمت الرأي العام الجزائري باعتبارها بعيدة كل البعد عن همومهم المتمثلة في البطالة و المحسوبية و البيروقراطية و الفساد و الاقتسام غير العادل لخيرات البلاد، و انفراد النخبة بالسلطة الخ. تفجير قنبلة" الحكم الذاتي" في لغة العروش بقيادة "أبريكا" و "مهنى فرحات" وغيرهما من المتطرفين عرى الوجه الآخر للأزمة الأمازيغية المبنية على جملة من الشعارات الخبيثة أهمها فتح الباب لتدخل أجنبي لفك النزاع، باعتبار أن المسألة ستكون مسألة عرقية، أي أقليات "مسيحية" و هو ما يراد تسويقه اليوم على أكثر من جهة و على أكثر من جانب باعتبار أن المتطرفين الفرانكفونيين هم الأكثر رغبة في الانفصال عن الجزائر، بالخصوص اليوم، بعد أن صادق الشعب بشكل كامل على قانون المصالحة الوطنية، و بعد أن تم إطلاق سراح آلاف من الإسلاميين في نفس إطار المصالحة، و هو ما يعده الأمازيغيون المتطرفون " خيارا لا يمكن القبول به أو التسامح معه"، عبر جملة من التصريحات التي تصدر عن شخصيات أمازيغية في الخارج (في فرنسا) و التي تتهم اليوم السلطة بالعمالة للمتطرفين الإسلاميين!!!! مع أن السلطة نفسها هي من أوقفت مسار الانتخابات التشريعية حين كادت الجبهة الإسلامية أن تنال ذلك الاستحقاق الشعبي الذي أعطاه لها الجزائريون ديمقراطيا، و السلطة هي التي ساهمت في تفجير الوضع الأمني و هي التي تورطت أيضا في العديد من الأعمال القمعية ضد البسطاء من الشعب الجزائري. . . الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن الأزمة الأمازيغية هي التي ستفجر الوضع العام في الجزائر حسب العديد من الملاحظين، لأنها ستعطي الفرصة لتدخل أجنبي (فرنسي) و هو تحديدا ما تريده فرنسا لأجل "حماية" من تسميهم ب" رعاياها" باعتبار أنهم يريدون أن يكونوا فرنسيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم!.
الصمت الرسمي وقانون الفوضى!
الشيء الذي يثير العديد من الأسئلة و يبدو غامضا هو التعاطي الرسمي مع العديد من التصريحات الخطيرة التي تصدر عن شخصيات فرانكفونية أو أمازيغية متطرفة، مثل "بلعيد أبريكا" أو "فرحات مهنى" أو " سعيد سعدي" و غيرهم. . بعض تلك الشخصيات تذهب إلى حد إهانة الجزائريين و اعتبارهم متخلفين لأنهم أكثر تمسكا بالخيار الإسلامي مثلا كما حدث في انتخابات عام1992 الميلادية، التي جعلت العديد من الأبواق ترتفع ضد خيار الشعب و تدق نواقيس الخطر لمناهضة الإسلام السياسي و اعتباره إرهابا. الغريب في الأمر أن السلطة لم تحرك ساكنا أمام بعض المطالب الخطيرة التي تمس أساسا السيادة الوطنية الجزائرية مثل المطالبة بحق الاستقلال الذاتي، و الحق في الفرانكفونية كلغة رسمية، و الحق في المسيحية كارتداد عن الإسلام الفطري، في الوقت الذي ترفع فيه نفس السلطة "سيف القانون!" ضد أي شخص يعبر عن رأيه مدافعا عن قناعاته و ثوابته. . لعل القانون الذي فتح على أساسه باب اعتقال الصحافيين يعكس أيضا التناقض التي تتعامل به السلطة مع الآخرين، فهي تعطي لنفسها حق سجن أي صحفي يكشف في تحقيق صحفي قضايا فساد شاسعة تتورط فيها شخصيات من النخبة، أو من رجال الأعمال المفسدين، بحيث أن العديد من الصحفيين مرميين في السجون الجزائرية بتهمة "التطاول على الأسياد"! بينما الذين ارتكبوا جرائم الفساد، و الذين نهبوا خيرات البلاد، و الذين رموا الشعب في كل هذه الفظاعة اليومية، والذين يعتبرون ثقافة " الفسق و الزنا" تحضر و ازدهار و رفاهية و تمدن، و الذين يحاربون الشرفاء بالقول و الفعل، هؤلاء هم الذين تتعامل معهم السلطة وفق ثقافة " قش بش" على الطريقة الجزائرية! باعتبار أن غض النظر على المفسدين الحقيقيين لا يقل قسوة عن كل الجرائم الأخرى التي ترتكب اليوم ضد الجزائريين و أكبرها جريمة "التنصير" المفروضة على فئة كبيرة من الشباب مقابل" مزايا" كثيرة اسمها: الحياة الأفضل (La belle vie!)، وإن غداً لناظره قريب!


  

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

هل تعتقد ان الأزمة المالية الأمريكية تعني نهاية السيطرة الأمريكية على الاقتصاد العالمي ؟

الارشيف