إن الحركة الإصلاحية التي تستهدف صناعة الحياة والتأثير في الأحداث لابد أن تكون قادرة على بناء رؤى محددة في القضايا المختلفة مما يجعلها تشارك في الفعل ولا تبقى محلا للفعل أو إن تحركت فهو رد الفعل، ويقبح بصناع التأثير ومهندسي الحياة أن تكون قراراتهم وتحركاتهم عبارة عن ردود للأفعال فحسب تلك الحركة الإصلاحية التي يكون عمادها نفر من ذوي الفقه الحضاري المتفهم من قوله _تعالى_: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" حيث تقوم هذه المجموعة المتفرغة تماما للفكر ولصناعة الأفكار التي تصنع بها الحياة، ولا يتوقف دورهم على المتابعة للأحداث والاستجابة لمتطلباتها فقط، وإنما مجموعة تتوفر على التفكير في المستقبل وصناعة الأحداث وتغير مجرى الحياة هذه المجموعة المتخصصة هي ما عرفته الأمم المتقدمة في عصرنا باسم خزانات التفكيرThink Tanks والحركات الإصلاحية التي تروم التأثير في الواقع فضلا عن تغييره إن لم تمتلك زمام المبادرة، وتتأمل الواقع وتستشرف آفاق المستقبل وتستعد له، ولا تتحرك خبط عشواء، فلن تكون قد وفت لدينها حقه وأعدت لمشروعها عوامل نجاحه ولن تستطيع تلك الحركة الإصلاحية أن تكون إنزيم التغيير في مجتمعاتها ومعامل النهوض في أمتها ما لم تستند قراراتها خاصة الاستراتيجية منها على عصارات وخلاصات فكر "خزانات التفكير" أولا: مفهوم خزانات التفكير خزانات التفكير ترجمة حرفية لمصطلحthink tanks وهو مصطلح يحمل دلالات موغلة في العمق للدور الذي تقوم به تلك المجموعات التي تعكف على صناعة الأفكار في اتخاذ القرارات خاصة ذات الصبغة الاستراتيجية منها ورغم أن مصطلح خزانات التفكير مصطلح حديث إلا أن جذوره قد ترجع إلى بدايات مبكرة مع الاستعمار الغربي الذي استشعر ضرورة معرفة البلدان المحتلة فاعتمد على جواسيس ومستشرقين عملوا كخزانات تفكير متحركة بعضهم ادعى الإسلام وتعلم العربية وعاش بين البدو والحضر (مثل لورنس العرب الإنجليزي) ، غير أن الولايات المتحدة - في الخمسين عاماً الماضية - طورت مفهوم خزانات التفكير كعمل مؤسساتي وجهد جماعي منظم. ففي حين اعتمد الأوروبيون على الأعمال الفردية للمستثمرين والتقارير الشخصية للجواسيس بلورت أمريكا مؤسسات أكاديمية متخصصة وفرق بحث موجهة وتتركز معظم خزانات التفكير الأمريكية في واشنطن العاصمة والأقسام السياسية في الجامعات الكبرى. وفي حين يعمل بعضها بشكل مستقل ومحايد (ويمون نفسه ذاتياً من خلال الاستشارات والهبات الخاصة) يرتبط الآخر مباشرة بالوزارات الحكومية والجهات الرسمية - خصوصاً وزارة الخارجية والمخابرات الأمريكية ووكالة الأمن القومي، وكما توجد معاهد متخصصة في الشؤون الصينية واليابانية والروسية توجد معاهد متخصصة في الشؤون العربية والإسلامية - أو في جوانب فرعية منها كالنفط والتيار الديني والصراع العربي - الإسرائيلي. وهذه المراكز تضم أذكى العقول المتخصصة (قسم منهم عرب) والعديد من الخبرات السياسية المتقاعدة (مثل جيمس بيكر وهنري كيسنجر والكسندر هيج).. وقد بدأ استخدام مصطلح خزانات التفكير بشدة أثناء الحرب العالمية الثانية للتعبير عن الغرف الآمنة التي يتناقش فيها كلاً من المخططين العسكريين وعلماء في الدفاع، وبعد هذه الفترة أي أثناء الحرب الباردة في الخمسينيات والستينيات بدأت تتكاثر خزانات التفكير في الولايات المتحدة، وإن تركزت جهودها في حقل الدفاع. و"خزانات التفكير" تعني في الواقع نوعاً من المؤسسات الوسيطة لتداول الأفكار حول عمليتي صناعة القرار واتخاذه، وهي محاولة لسد الفراغ القائم بين عالم البحث الجامعي، المغرق في النزعة الأكاديمية النظرية والبعيد من الاهتمامات المتعينة لصانعي القرار، والذي يمثله أساتذة الجامعات والمفكرون والمثقفون والخبراء على تعدد حقول اختصاصاتهم الموسوم بالتنظير والتأمل والتفكر والتحليل .. وبين عالم التقدير الفعلي واتخاذ القرارات الذي غالباً ما يفتقر إلى الوقت اللازم للتفكير المعمق. فجاءت خزانات التفكير لتقرب مستوى صانعي الأفكار النظرية من المستوى الثاني مستوى صناع القرار ومن بأيديهم السلطة الموسوم عملهم بالجدية وانعدام التنظير والجفاف الفكري الانغماس في الجانب الواقعي والعملي . وتأتي خزانات التفكيرلتردم تلك المسافة المتباعدة بينهما ولتقدم الإسناد الفكري والإمداد العقلي لكل الخطوات القادمة .. ولتغذية القرار بالحقائق المرتكزة على أرضية محسوبة ومقاسة تأخذ في حسبانها الوقائع تاريخاً وحاضراً وتستشرف المستقبل دون شطحات الأحلام والآمال ودون إفراط الواقعية أو إغفال الجوانب الاجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية الهامة والأبعاد الإقليمية والدولية وتزويد متخذي القرار بعد كل ذلك بالاستراتيجية التي تكفل له حسن التصرف عن بصيرة ودقة ولضمان نتائج أكثر فاعلية وذات مصداقية وجودة عالية تمكن استمرار النجاح في كل أمر من أمور أهل السياسة أو أهل أي تخصص أو مهنة . يقوم مفهوم خزانات التفكير على مجموعة متميزة مختارة، من المتخصصين تبحث في قضية معينة.. هذه القضية قد تكون سياسية أو اقتصادية أو إقليمية يتم بحثها من قبل تلك المجموعة، وتتركز مهمتها في تقديم الاستشارات والبدائل الممكنة والمحتملة ووضع تصورات عامة وسيناريوهات محددة لما يمكن أن تؤول إليه تطورات تلك القضية، وبهذه الطريقة يمكن للحركة الإصلاحية أن تستبق الأحداث وتتوقع النتائج وتضع سياساتها المناسبة لها. ثانيا: أهمية خزانات التفكير للحركات الإصلاحية كلما تقدمت الحركة الإصلاحية كلما اعتمدت على منهج علمي في صناعة القرارات السياسي والاستراتيجية ولجأت بصورة متزايدة إلى خزانات التفكير ومراكز الأبحاث وهيئات صناعة الأفكار والرؤى لتقدم البدائل المختلفة لكل قرار ولتطرح أبعاد كل قرار وتأثيراته المتوقعة والسيناريوهات المحتملة لكل قرار وتظل الحركة راشدة بقدر ما تتوجه القيادات الإدارية العليا فيها إلى مثل هذه المراكز من أجل بناء تصورات أو بلورة قرارات أو تكوين رؤى عن قضايا ومشكلاتها الواقعية وتظل التفرقة النظرية والعملية بين صناعة القرار واتخاذه، ففي حين تنحصر عملية اتخاذ القرارات في المستويات القيادية العليا في الحركة الإصلاحية فإن عملية صناعة القرارات والبدائل وبناء السيناريوهات المتوقعة والمحتملة هي وظائف فنية بحتة، لا يشارك فيها القياديون إلا بقدر ما يطرحون من محصلة نتائج احتكاكهم المباشر بالواقع وكونهم من يلمسون نتائج القرارات المتخذة في الميدان وإذا كانت وسائل الاتصال قد أغرقت العالم والناس في فيضان من المعلومات سواء من خلال الكتب والدوريات ومواقع الإنترنت إلا أن وظيفة صناعة الأفكار والرؤى والاتجاهات وبناء قناعات عند قطاعات واسعة من الشعوب تظل عليها المعول في إحداث تغيير في مجتمعاتنا ولعل أهمية خزانات التفكير تنبع من عدة اعتبارات : 1- أن الرأي الذي يأتي تحليلاً أو تعليقاً على قضية من القضايا يتم من خلال جهود فردية بحتة.. وفي كثير منها ليس مدعوما بقوة المعلومة أو عمق الطرح.. ولهذا ترى كثير من قادة الحركات الإصلاحية غير موفقين في الظهور في وسائل الإعلام. 2- تعمل خزانات التفكير على التأثير في مجالين حيويين هما الرأي العام والقرار السياسي أو الاستراتيجي.. فالرأي العام يتأثر كثيراً من خلال وسائل الإعلام التي تعد أداة رئيسة من أدوات نشر الفكر البحثي.. أما القرار السياسي أو الاستراتيجي ، فينبغي تقديم خيارات مدروسة للخروج بقرارات تخدم مصلحة المجتمع والحركة . 3- من المهم التأكيد على أن تأسيس خزانات التفكير يدعم سياسات الحركات الإصلاحية ويرشد قراراتها خاصة الاستراتيجية منها ، ويعطيها الخيارات المدروسة، ويشرح هذه السياسات للرأي العام داخل بناء الحركة الإصلاحية ذاتها وللرأي العام المحلي والدولي.. وفوق كل شيء يؤسس لفكر منهجي، ورؤية علمية تجاه قضاياها 4- إن خزانات التفكير تكاد تصل إلى تكريس وجودها كأحد أساسيات الحياة الناجحة المتسمة بالمهنية المبتعدة عن الغوغائية في التفكير والعبثية في التنفيذ والمبالغة في تصوير وتوقع الثمار والنتائج . وعلى ذلك فإنها غدت كالماء والهواء لمؤسسات صنع القرار واتخاذه ولرجالات التنفيذ في السياسة والاقتصاد والإدارة ولا يمكن الاستغناء عنها لأنها العيون التي يروا بها والأذان التي يسمعون بها العقول الذي يفكرون به .. بل هي حواس صانع القرار ومتخذيه كلها . ولعل ذلك ما يجعل كل حريص على الحركات الإصلاحية في مجتمعاتنا يتوق أملا أن يرى خزانات التفكير وقد غدت حقيقة واقعة تبرز الدور الحضاري لتلك الحركات في نهضة مجتمعاتها وتبرهن أن تملك بحق مشروعا للنهضة للأمة كلها وليس فقط لبلدها ثالثا: أهم وظائف خزانات التفكير تتعدد وظائف خزانات التفكير ومن هذه الوظائف استمد أهميتها لأي حركة إصلاحية تستهدف تغيير واقعها أول هذه الوظائف هي توليد الأفكار والخيارات المبتكرة والحلول الإبداعية حيث تقوم خزانات التفكير بدراسات معمقة للقضايا فتدرس تاريخها وخلفياتها وتداعياتها من خلال قراءات وتحليلات عميقة لتقديم صورة متكاملة عن القضية أو الظاهرة موضع الدراسة بما فيها توصيات لما ينبغي عمله، والبدائل الممكنة والحلول المقترحة، وهذه الوظيفة هي ما يمكن أن نطلق عليه "حضانة التصورات والرؤى والأفكار الجديدة" ثاني هذه الوظائف ، هي تكوين باحثين متخصصين على درجة عالية من الكفاءة من خلال تدريبهم في تلك الخزانات وتخصيص مجموعة باحثين لكل قضية من القضايا وبذلك تبني الحركة كوادرها البحثية المتخصصة ممن ينشرون في الصحف والدوريات ومواقع الإنترنت ويعملون على نشر رؤية الحركة الإصلاحية وتصورتها للحلول المجتمعية، ويبنون قناعات ذاتية عند عامة الناس بحلول الحركة وجدارتها، بل ويمكن أن تشكل تلك الكتابات في مجموعها رأي عام مؤيد للحركة ومناصر لقضاياها وهذه الوظيفة هي ما يمكن أن نطلق عليه وظيفة "تخريج أجيال جديدة من الباحثين والكتاب المنتمين للحركة الإصلاحية" ثالث هذه الوظائف هي المشاركة في حلقات التفكير الجماعي وندوات العصف الذهني وورش العمل التي يحضرها متخذي القرارات والممارسين للعمل العام، حيث يتم فيها مناقشة قضية محددة يركزون عليها فيتبادلون حولها الرؤى والأفكار ومناهج التناول، فالممارس للعمل العام بحكم احتكاكه اليومي وخبرته العملية والباحث بحكم تفرغه للبحث والدراسات، كما تقوم خزانات التفكير بكسر الحواجز بين العمل البحثي النظري وبين العمل السياسي التطبيقي للمشاركين في العمل العام، ويكون وجود خزانات التفكير كضابط لخط سير الأفكار والرؤى والخروج بخلاصات عامة إذا كان ما سبق هي الوظائف الأساسية لخزانات التفكير فيمكن القول أن خزانات التفكير بمساعدة مركز دراسات الحركة الإصلاحية – لو وجد كيان بهذا المسمى – يمكن أن تفيد متخذ القرار بتحقيق عدد من الأهداف الفرعية مثل: 1- توفير المعلومات والبيانات ووضعها في خدمة الباحثين ومتخذي القرار . 2- إعداد البحوث والدراسات الاستراتيجية التي تتناول أهم القضايا المعاصرة بالأساليب المنهجية والأسس الموضوعية . 3- دراسة القضايا والظواهر التي تهم الحركة الإصلاحية ومحيطها الإقليمي والدولي 4- تقديم الدراسات المستقبلية المعتمدة على معطيات الواقع والأصول العلمية من أجل اختيار أصلح البدائل لمواجهة الحدث قبل وقوعه وذلك تجنباً لإصدار القرارات التي تتخذ تحت ضغط الواقع ومزاجية الارتجالية . ولا يتحقق ذلك إلا بإعداد دراسات استشرافية تستند إلى متطلبات الواقع ومقتضياته . 5- القيام بإعداد تقديرات الموقف التي تكون بمنزلة (خلاصة مركزة أو رؤى كلية للمواقف والاتجاهات) ، توضع تحت تصرف جهات اتخاذ القرارات لبناء قراراتها عليها رابعا: نماذج من أهم خزانات التفكير في الولايات المتحدة تتميز الولايات المتحدة الأمريكية على بقية دول العالم – حتى الغربي منها - بالعدد الكبير لخزانات التفكير فيها حيث يوجد بها حالياً مئات من خزان تفكير وآلاف من مراكز البحوث والدراسات . ونحاول هنا أن نرصد عددا محدودا من أهم خزانات التفكير في الولايات المتحدة ونبرز دورها الهام في صنع السياسات والاستراتيجيات الأمريكية داخل أمريكا نفسها وحول العالم 1- وَقف كارينجي للسلام العالمي أسسه ديل كارينجي عام 1910م، وبدأ أعماله في البحث في القوانين الدولية ودراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحروب. حالياً هي متوجهة كلياً نحو السياسة الخارجية ولديها برامج بحثية كثيرة تشمل قارات العالم. أحد برامجها المتميزة اسمه «دور الولايات المتحدة في العالم». من إصداراتها الدورية مجلة السياسة الخارجية ونشرة الإصلاح العربي وكلاهما تطبع مترجمة للغة العربية في الكويت. 2- معهد بروكنجز Brookings Institute أسسه روبرت بروكنجز عام 1916م وكان تركيز أبحاثه في البداية حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية المحلية. وبعد الحرب العالمية الثانية أضيف إلى أجندته الدراسات الدولية. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001م ركز المعهد أبحاثه على العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي. وحول أهمية هذا المركز يمكن القول أن : - الأفكار التي أصدرها هذا المعهد هي التي ساهمت في التعبئة العامة خلال الحرب العالمية الأولى والثانية. - ساهم المركز في تطوير خطة مارشال المعروفة بعيد الحرب العالمية الثانية. - كان المعهد وراء فكرة العقوبات التي تبنتها الولايات المتحدة ومجلس الأمن ضد ما يسمى بالدول المارقة. - كان المعهد وراء تأسيس مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة. - كان المعهد وراء التزام الولايات المتحدة بتقديم معونات للدول الفقيرة. - صاغ المعهد السياسة الأمريكية تجاه روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ويمثل المركز مصداقية كبيرة لدى أصحاب القرار التشريعي في الولايات المتحدة، ففي دراسة على أعضاء الكونجرس، رأى (90%) منهم أن هذا المعهد هو الأكثر مصداقية بين باقي مراكز الدراسات والتفكير الأمريكية الأخرى. كثير من أعضاء الإدارات الحكومية مثل الخارجية ومجلس الأمن القومي كانوا أعضاء باحثين في هذا المعهد، ومنهم مارتن إنديك الذي شغل مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط. 3- مؤسسة راند Corporation RAND تأسست عام 1948م. في حقل السياسة الخارجية كان اهتمامها في البداية منصباً على الاتحاد السوفييتي، ولكن بعد ذلك وسعت دائرة اهتمامها لتشمل مناطق أخرى من العالم. نصف عملها يتركز حول الدفاع والأمن القومي والنصف الآخر حول سياسات في قضايا محلية في الحقول الاجتماعية والاقتصادية. وراند مؤسسة بحثية، تمتلك أكبر ميزانية بحثية، تزيد على المائة مليون دولار أمريكي سنوياً.. وهي مشروع انطلق من الحاجة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) أن يتولد مركز دراسات يعمل على خدمة التوجهات الدفاعية الأمريكية.. ويعمل في استشارات لبعض مشروعات هذه المؤسسة مستشار الأمن القومي السابق سكو كرفت، وثلاثة من وزراء الدفاع الأمريكيين السابقين، وهم هارولد براون، فرانك كارلوتشي، ووليام بيري.. وتجسد راند نموذجاً واضحاً ومباشراً في البحوث التعاقدية أو مقاولي الحكومات) مع وزارة الدفاع الأمريكية.. 4- أميريكان انتربرايز انستيتيوت American Interprise Institute من أشهر خزانات التفكير في الولايات المتحدة وهو أشد معاقل المحافظين الجدد شهرة أيضا, حيث يفخر التيار اليميني بكونه صاحب اكبر مخزون تراثي وفكري أمريكي, حيث يحوي الكثير من الأرشفة والدراسات والتقارير المهمة والنادرة, ولا يتردد المسؤولون المهمون في الإدارات الأمريكية المتتالية من زيارة هذا المعهد عندما يكون في جعبتهم ما ينوون التصريح به ويعتقدون بأهميته في الحياة الأمريكية. وتكمن قوة المركز بالإضافة لمخزونه الفكري ميزانيته القوية المستمرة دون إخفاق, حيث بلغت في عام 2000م سبعة عشر مليون دولار, وهذا الرقم ضخم مقارنة بميزانيات المراكز والمعاهد الأخرى, ومن عناصر القوة الأخرى انه يضم 50 باحثا متفرغا بالإضافة لمائة باحث مشارك (غير متفرغ), وأخيرا يشكل تاريخ المعهد الطويل أحد ابرز عناصر القوة, حيث تأسس عام 1943م بالعاصمة واشنطن, لهذا فهو من أكثر المعاهد التي قدم باحثوها شهادات أمام لجان الكونغرس. ومعهد انتربرايز لا يخفي انتماءه الشديد لإسرائيل - أو بمعنى أكثر لباقة للمحافظين الجدد, فهناك أربعة عشر عضوا قدموا أجازات مفتوحة للعمل في إدارة بوش المتميزة بتغلغل المحافظين الجدد فيها. من الأعضاء البارزين للمعهد الذي يترأسه كريستوفر ديموث (وينوبه ديفيد جيرسون) أسماء مشهورة بانتمائها لهذا الخط المحافظ اليميني, ومن تلك الأسماء البروفسور ايليوت كوهن, وجيرترود هيملفارب وايرفينج كريستول وصموئيل هنتنجتون ومايكل ليدين ولين تشيني ونيوت جينجريتش, وكذلك ريتشارد بيرل وجين كيركباتريك, وعندما كان الرئيس الأمريكي جورج بوش في استضافة المعهد أميريكان انتربرايز انستيتيوت في مقر المعهد بواشنطن، أثنى على هذا المركز وعبر عن امتنانه لدور هذا المركز في خدمة القرار الأمريكي، وأضاف أن هذا المعهد يضم أفضل العقول الأمريكية، مما جعل إدارته تستعين به وينتدب أكثر من عشرين شخصية من هذه العقول المفكرة إلى مناصب في إدارته.. وطبعاً الرئيس بوش لم يذكر أن هؤلاء الذين انتدبهم هذا المركز على وجه الخصوص هم من أعتى أدعياء اليمين المتطرف، والذين صاغوا له معظم قرارات السياسات الخارجية والدفاعية والأمنية في الإدارة الأمريكية خلال السنوات الماضية، فالشاغل الثالث والأربعون لسدة البيت الأبيض أحاط نفسه، في ما يتصل بالسياسة الخارجية حصراً، بمجموعة من العاملين السابقين في"خزانات التفكير" هم ممن اشتهروا اليوم باسم "المحافظين الجدد"والذين هم أعضاء في الواقع في مدرسة فكرية لا تعبر عن مصالح اقتصادية خاصة، بقدر ما تجمعها وحدة الخيار الأيديولوجي ووحدة تصورها لدور أمريكا في العالم في طور صعودها "الإمبراطوري" منذ نهاية الحرب الباردة وصيرورتها القوة العظمى الوحيدة في العالم. 5- مؤسسة هيريتيج (التراث) Heritage Foundation تأسست عام 1973م, وهي تعرف نفسها على أنها منظمة للأبحاث والتعليم رسالتها صياغة ودعم سياسات عامة محافظة قائمة على مبادئ الأعمال الحرة, والحكومة المحدودة السلطات, والحريات الفردية, والقيم الأمريكية التقليدية, والدفاع القومي القوي, وتنتج المؤسسة أبحاثا وتولد حلولا تتوافق مع معتقداتها وتسوقها لدى الكونجرس, والسلطة التنفيذية ووسائل الإعلام, وغيرها من الجهات, يحكم المؤسسة مجلس أمناء مؤلفا من 19 عضوا يشرف على 185 موظفا, بما فيهم 75 خبيرا في مجموعة واسعة من القضايا السياسية المحلية والدولية تدعو المؤسسة للعديد من المشاريع والقضايا التي يتبناها المحافظون الجدد مثل مشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي والدفاع المستديم عن المشروع. بالإضافة إلى تبني المؤسسة مبادرة المشاركة من اجل الديمقراطية والتنمية أو مبادرة الشراكة الأمريكية في الشرق الأوسط, وهي المبادرة التي تتبنى أهداف المحافظون الجدد بوضوح, هذه المراكز الخمسة وغيرها لديها مجموعتان من الأقسام، فالمجموعة الأولى من الأقسام تبحث في الشؤون الداخلية للبلاد في الصحة والتعليم والاقتصاد وما أشبه، والمجموعة الأخرى من الأقسام تبحث في الشؤون الخارجية. ونلاحظ أن اهتمامها هذا بالشؤون الخارجية لم يجعلها تقتصر على أبحاث في تطوير الأسلحة وتقنياتها ولم تحصر اهتمامها بالحقل العسكري، بل إن اهتمامها بالشؤون الخارجية جعلها تنشئ أقساماً غير عسكرية فتجد قسماً يبحث في علوم النفس والاجتماع وآخر في الدين وثالث في الآداب والفنون.