تقسيم العراق :أمريكا سعى فعلى ونفى اعلامى؟!

طلعت رميح  | 7/10/1427

يبدو الأمر فى حاجة إلى مراجعة ،إذ التطورات الجارية على ارض العراق تكشف عن أبعاد أخرى للخطة الأمريكية من احتلال العراق أو عن ترتيب مختلف للاولويات فى الخطة الأمريكية،كانت واضحة لدى المخططين الأمريكان منذ البداية ولم تكن واضحة لدى الكثيرين من المتابعين بنفس القدر ،بل هى لم تكن واضحة بجلاء لدى الذين امسكوا ببعض جوانب هذه الخطة بشكل صحيح على الأقل فى إطار ترتيب للاولويات لدى الاحتلال.ويبدو كذلك أن ثمة ضرورة للعودة للنظر فى قضية "ما يتسرب إعلاميا" و"للحروب الإعلامية" التى جرت ،باعتبارها جانبا أساسيا فى الإخفاء والتمويه على جوانب رئيسية فى هذه الخطة –مثلها مثل الاستراتيجيات العسكرية التى تعتمد الإخفاء والتمويه خلال العمليات العسكرية-حتى لو عن طريق إشعال وتوجيه الانتقاد للخطة الأمريكية من خلال التسريبات الإعلامية لحرف الأنظار فى الاتجاه الذى "يغطى " على الأهداف المراد إخفاؤها ،إذ معظم ما جرى من تسريبات فى الصحف الأمريكية سواء حول الممارسات الأمريكية فى العراق أو حتى حول جوانب من هذه الأهداف ومع اعتبار جوانب أخرى –هى أصيلة فى الخطة الأصلية –هى جوانب حدثت بالخطأ وليست أصيلة فى الاستراتيجية الأمريكية !
وفى الخروج من التعميم ،فان الجميع أيقن أن القضايا التى أثيرت فى الإعلام الامريكى كأهداف للغزو ،وهى على سبيل الحصر،تخليص العراق من أسلحة دمار شامل و بناء الديموقراطية لم يكن كلاها إلا خدعة .كما عرف أن إثارة تلك القضايا لم يكن فى واقع الحال ،إلا لإخفاء الأهداف الجوهرية ،التى كانت هى الاستيلاء على البترول العراقى وإخراج الجيش العراقى من المواجهة مع الكيان الصهيونى ،لكن قضية تقسيم العراق لم يكن ينظر إليها باعتبارها احد أهداف الغزو والاحتلال ،بينما يظهر الآن بجلاء أنها كانت ضمن اولويات أهداف الاحتلال باعتبارها خطوة أولية فى مخطط إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد ،وكشرط لازم لتحقيق جميع الأهداف الأخرى.
كما فى الخروج من التعميم ،فان العودة إلى الإجراءات والقرارات التى اتخذتها الإدارة الأمريكية لاحتلال العراق من حل أجهزة الدولة العراقية من جيش وامن ووزارات ،لم تكن "أخطاء" من الذين أصدروها –كما صورها الإعلام الامريكى بإلحاح –كما لم تكن فقط نتيجة "نصائح" متأخرة من الطرف الصهيونى كما قيل ،بل هى كانت فى صلب تحقيق الأهداف من العدوان العسكرى على العراق .
والآن فان من الضرورى مراجعة تلك الأفكار والأهداف والقرارات ،بعد ما بات العراق شبه "مقسم" بإقرار قانون الفيدرالية الذى يحقق انفصالا للجنوب ،وبإعلان قيام الإمارة الإسلامية فى منطقة الوسط ،وحيث الإقليم الكردى بات منفصلا فعليا أو مستقلا ،وبعد ما أتضح أن الولايات المتحدة قد سعت بكل الطرق والأساليب إلى تحقيق هذا التقسيم ..تماما.
الخطط الاستراتيجية
ثمة ضرورة فى البداية إلى أن نتذكر"ماهية الخطة الاستراتيجية" .والخطة الاستراتيجية ليست مجرد خطة مكتوبة على الأوراق للاسترشاد بها ،بل هى تشمل استخدام كل الأساليب والإمكانيات لتحقيق أهدافها ،بل ولإضعاف كل أوراق وإمكانيات الخصم الذى يمثل تحديا لإنجازها ،وفى كثير من الأحوال ،هى عند نجاحها الأقصى ،تكون قادرة على دفع الخصم إلى تنفيذ أهدافها التى وضعت من قبل ،وبيديه هو وليس فقط بيديها هى .
والأصل فى نجاح الاستراتيجية للطرف الأقوى هو أنها ترسم أسس الصراع وتجبر الخصم على أن يخوض الصراع من داخل أهداف الاستراتيجية وكمدافع فى مواجهتها ،لا كمهاجم وصاحب خطة استراتيجية أخرى مقابلة نوفى ذلك تأتى فكرة"جعل الخصم منفذا للخطة".
وبقدر ما تنجح الخطة الاستراتيجية للمهاجم فى دفع الخصم لخوض الصراع على الأسس التى وضعها المهاجم وفى إجباره على خوض حالة دفاعية ضد الأهداف التى تقدم بها ،بقدر ما هى تجعل الخصم فى بعض المراحل منفذا لبعض أهدافها .ولذلك تفرض الخطة الاستراتيجية ستارا من التعتيم على بعض أهدافها ،كما تكشف بعض الستر عن أهداف أخرى ،لجعل الخصم يتوجه لها بكل طاقاته فيفقد جانبا رئيسيا منها كما هو الحال فى الطعن فى الهواء لاصطياد طائر ،أو كإطلاق الرصاص فى الماء لاصطياد سمكة ،بينما هى تعمل باليات أخرى على أهدافها المخفية.
وفى الخروج من التعميم مرة أخرى ،فان "الشعارات" التى طرحتها الولايات المتحدة كأهداف للغزو ،لم تكن بطبيعة الحال هى الأهداف الحقيقية ،ورغم أن الكثيرين أدركوا ذلك ،إلا أن "الصراع " ضد الأهداف والشعارات المعلنة قد اضطر الخصوم إلى بذل جهد كبير فى كشف زيف هذه الأهداف والشعارات المزيفة أصلا ،فاستنزف جانبا من طاقتهم فيها.
لقد امتلأ الإعلام العربى بالتحليلات والأفكار لتفنيد الشعارات "الكاذبة" للولايات المتحدة ،فتناول قضية وجود أو عدم وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق (احتل الأمر مساحة زمنية واسعة) ،وتناول مسالة بناء ديموقراطية فى العراق وفندها (احتل الأمر مثل سابقة مساحة زمنية أخرى ) ،بل ساهم الإعلام الامريكى فى تقديم مادة إعلامية لإلهاب الصراع حول قضية الديموقراطية الأمريكية فى العراق ،كما هو الحال فى كشف النقاب عن الفضائح فى سجن أبو غريب وغيرها .
وفى بعض المراحل ،تحول الإعلام الامريكى إلى مهاجم ،بما فعله من تشويه للمقاومة العراقية ،وفى ذلك احتل أمر الدفاع عن المقاومة مساحة وجهدا ،وكذلك الأمر فى محاكمة الرئيس العراقى صدام حسين ،بما احتل مساحة من الصراع حول الأسس القانونية والأهداف السياسية والإعلامية للمحاكمة ..الخ .وفى مرحلة أخرى ،فتح الإعلام الامريكى قضية السجون السرية والتعذيب فى بلاد عربية للسجناء أو المعتقلين .
وفى كل ذلك ،فاللافت ،انه وطوال كل تلك المعارك الإعلامية حول الشعارات الأمريكية ،كان هناك حرص امريكى بالغ على تسريب معلومات وأفكار حول قرار الحاكم الامريكى فى العراق بريمر بحل الجيش والشرطة العراقيين ،بأنها ليست ضمن الاستراتيجية الأمريكية (وصل الأمر إلى اتهامات بان الولايات المتحدة لم تكن أعدت خطة لما بعد نجاح قواتها فى احتلال العراق وكلام ساذج آخر مثل أن الجلبى زين للولايات المتحدة الأمريكية أن الشعب العراقى سيستقبلها بالورود ) وان هذا القرار جاء نتيجة نصائح أو تأثيرات صهيونية على القرار الامريكى ،كما كان هناك حرص امريكى بالغ على إعلان أن الولايات المتحدة ترفض تقسيم العراق ،فى تصريحات رسمية لسياسيين وعسكريين على أعلى المستويات (بوش-رامسفيلد).
غير أن الأحداث تكشف الآن ،أن احد الأهداف "الاستراتيجية" من احتلال العراق ،كان ومنذ البداية هو تقسيم العراق ،كنواة "وخميرة" لتقسيم جوار العراق ،وهو ما تمكنت الولايات المتحدة –من الدفع إليه حثيثا مع إخفائه علنا -سواء عن طريق إجراءاتها وقرارات إدارتها للعراق أو عن طريق دفع الأطراف المختلفة إلى تحقيق استراتيجيتها هى ،وبأيدهم هم !
تقسيم العراق
يمكن القول باطمئنان ،أن تقسيم العراق كان ضمن الأهداف الرئيسية منذ بداية احتلاله ،ليس كأسلوب للسيطرة على العراق فقط ،كما هو ليس كما تصور البعض وسيلة للخروج من المأزق العراقى استنادا إلى تصريحات كيسنجر،ثم جيمس بيكر فى خطته الأخيرة ،ولكن كأساس لمنع تحول العراق مجددا إلى قوة قادرة على طرد الاحتلال ،وكقوة إقليمية عربية قادرة على مواجهة النفوذ الامريكى فى الخليج والوجود الصهيونى فى فلسطين ،وباعتبار التقسيم احد أدوات إعادة تشكيل خارطة العراق والمحيط وفق متطلبات الخطة الأمريكية فى تغيير الشرق الأوسط إلى حالة جديدة خاضعة للسيطرة الأمريكية –منفردة-وخاضعة ثرواتها للولايات المتحدة كاملة ،وذلك كله بطبيعة الحال فى إطار الرؤية العقدية للصراع مع الإسلام والمسلمين التى يتبناها بوش ومن معه من المسيحيين المتصهينين أو المتهودين.
على الصعيد العراقى ،فان التقسيم فى حالته الجنينية كان هو الأمر الأبرز منذ نهاية العدوان العسكرى الأول على العراق فى عام 1991 ،إذ ما أن انتهت العمليات العسكرية حتى بدأت عمليات الحظر الجوى على جنوب وشمال العراق ،وهو ما مثل بداية التأسيس لمشروع التقسيم ،ووفقا لتوافق ايرانى امريكى بريطانى (إذ جاء الحظر فى أعقاب انطلاق مجموعات من "جيش بدر من إيران " عبر الحدود العراقية الإيرانية باتجاه البصرة للاستيلاء عليها ونجاح القوات العراقية فى دحر المحاولة)كما هو جاء للسماح بنشاط صهيو- امريكى بريطانى فى شمال العراق فى المناطق الكردية .جاء الحظر الجوى ليوفر ملاذا آمنا لمن هم يعملون على تقسيم العراق وليحمى نشاطهم التخريبى من قوة الدولة المركزية العراقية .
وفى أول قرارات اتخذها الحاكم الامريكى للعراق بعد احتلال بغداد (بول بريمر)اتخذ الخطوة الثانية المكملة والمفعلة لأهداف الحظر الجوى لتوجيه الضربة القاضية للسلطة المركزية فى العراق ،حين قرر حل الجيش والشرطة العراقيين ،فيما اعتبر انه إطلاق شرارة البدء بتنفيذ التقسيم دون مواجهة من قوة عراقية تحافظ على وحدة الدولة إذ القرار أنهى كل ملامح الدولة المركزية العسكرية والأمنية أو حتى الإعلامية ،كما أوقف عملية السيطرة على حدود العراق التى ظلت مفتوحة دون وجود لحراس لفترة طويلة ،كان مقصودا منها السماح للقوى والأطراف الانفصالية والمتمردة استعادة كل قدراتها العسكرية التى جرى بناؤها فى المحيط أو فى إيران تحديدا لتعزيز قدراتها على الانفصال والتقسيم .
ومن بعد سار بريمر على هذا الخط فى تعزيز عمليات الانقسام والتقسيم فى داخل البنية السياسية ،حين جرى تشكيل النظام السياسى تحت الاحتلال وفق نظام التقسيم الطائفى والعرقى وهو ما تواصل من بعد إلى أن جرى إقرار ما يسمى بقانون الفيدرالية فى الحكم ،التى هى التتويج الرسمى للتقسيم ،والذى جرى فى خط موازى له عمليات تهجير للسكان السنة من المناطق الجنوبية والعرب من المناطق الكردية تحت ضغط المذابح والفتن الداخلية التى تجرى على أساس عرقى ومذهبى لإعادة توزيع السكان جغرافيا داخل جسد الجغرافيا العراقية ،ليصبح التقسيم فعليا وفاعلا.
اى إننا ومنذ بداية العدوان ونحن نشاهد الأمور تجرى قصدا ووفق خطة مبرمجة للوصل إلى تقسيم العراق حيث جرى إضعاف ثم تفكيك كل الأشكال التى تحقق وجود الدولة ومركزيتها وسيطرتها كما جرى تفتيت لحمة التواصل بين أطياف الشعب العراقى من جهة ،مع تفعيل وإسناد عمليات التفتيت والتقسيم وجعلها إلية تستنسخ نفسها باستمرار حتى تحقيق الهدف .وذلك كله جرى تحت غطاء رسمى امريكى برفض التقسيم (للتغطية والتعمية على ما يجرى ) ولعدم حدوث رد فعل وطنى عام إذا جرى الأمر واضحا من قبل قوات الاحتلال .
العراق والجوار
وواقع انه لا يجب أن ينظر لتقسيم العراق (وكذا الحال بالنسبة لعملية غزو العراق واحتلاله كحالة منفصلة عن الخطة الأمريكية الساعية لإعادة تقسيم المنطقة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد .إذ يجب النظر إلى أهداف الخطة الأمريكية فى العراق ليس فقط ليس فقط على أنها مشروع يخص العراق وفى الحرب عليه وإنما كنموذج لما تستهدف فعله فى المحيط ،وكنقطة ارتكاز لتطوير خطتها فى المنطقة كلها.
وواقع الحال أيضا أن المكون العراقى هو تلخيص حاد واضح لصيغة التشكيل العرقى والمذهبى فى منطقة محيط العراق باجماليتها ،بما يجعله نموذجا فى حد ذاته للتقسيم ،يمكن نقل عدواه إلى الدول الأخرى(حتى لو لم تقم الولايات المتحدة بعملية النقل للعدوى وفق آليات القوة) ،كما هو وعلى نحو خاص كل مكوناته فى حالة تواصل مع دول الجوار أكثر من غيره من الدول ،بما يجعله ليس فقط نموذجا ،ولكن ليصبح فتيلا لإشعال عدة قنابل فى أماكن متعددة فى نفس الوقت عبر سريان اللهيب "بصورة طبيعية" لا معملية أو وفق دفع حركة عسكرية مباشرة.
فمن ناحية ،تمثل الحالة الكردية المتعصبة للعرق والقومية الكردية –بالمخالفة للمبادىء الإسلامية-حالة ممتدة بين ثلاث دول أخرى وبشكل متصل فى العلاقات والصراعات .فأكراد شمال العراق هم فى حالة تواصل وانغماس فى الصراع الكردى داخل تركيا ،إذ كان –ولا يزال -مجال النشاط العسكرى الرئيسى لحزب العمال الكردى هو الانطلاق من شمال العراق.كما الأكراد فى سورية فى حالة اتصال وتواصل مع الأكراد فى العراق وكذا الحال بالنسبة لإيران (ومن هنا كان مقصودا تماما ترك القوات الأمريكية الحدود مع البلدان الثلاثة دون حماية أو ضوابط لتعزيز حالة التواصل بين المكونات الأربعة) ،وهو ما يعنى أن تفكيك العراق إنما سيمثل عامل ضغط من اجل التقسيم فى دول الجوار الثلاثة على الأقل "بشكل طبيعى" عبر التواصل ونقل العدوى.وهنا فإذا كان البعض يراهن مثلا على أن تركيا لن تسمح لهذا التقسيم فى العراق بان يمتد إلى أرضها وربما هى لن تسمح بتقسيم العراق أصلا ،ويستشهدون فى ذلك بان تركيا من الأصل صاحبة أطماع فى منطقة كركوك وأنها تهدد بين الحين والآخر بدخول شمال العراق لمنع هذا الأمر من الحدوث ،فإنهم فى واقع الحال لا يدركون الفارق بين المواقف المرحلية واحتمالات التطور المستقبلى للخطط الاستراتيجية ،وهم من باب أولى لا يدركون المعنى الحقيقى للإعلان الامريكى عن الشرق الأوسط الجديد ،الذى يعنى أن ثمة خطة عامة للمنطقة لا للعراق فقط تأتى فى إطارها خطة احتلال العراق وليس العكس.
على صعيد تقييم الموقف التركى والحالة المستقبلية من قضية انفصال الأكراد فى شمال العراق ،فلعل أهم المؤشرات على مدى قدرة تركيا فى الظرف الراهن ،هو أنها لم تتحرك بينما الأكراد لم يعد ينقصهم سوى إعلان الاستقلال وقيام الدولة الكردية إذ كل شىء قد أصبح جاهزا على مستوى تأسيس الدولة ،كما أن الأكراد فى داخل تركيا نفسها باتوا يحصلون فى كل يوم يمر على مزيد من الصلاحيات الاستقلالية فى غمرة الرغبة التركية لدخول الاتحاد الاوروبى .وفى الحالة المستقبلية فيجب الوضع فى الاعتبار أن تركيا باتت اليوم اقرب إلى انغماس فى صراع داخلى بين الإسلاميين والعلمانيين بما سيضعف القدرات التركية وبما قد يوصل إلى الحكم تيارات علمانية اقرب إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيونى،كما يجب النظر للأمر من زاوية أن عملية التفكيك والتقسيم لو حدثت فى سوريا أو لبنان مثلا ،فان ذلك بحد ذاته سيحرر قطاعات سكانية تكون بمثابة قوى ضاغطة إضافية ويمكن لها أن تشكل حالة عامة من التفكك "فى الإقليم " تكون عاملا من عوامل الدفع إلى التفكيك فى الدول الأخرى ،بل ربما ياتى الأمر بطريقة معاكسة ،كما هو الحادث فى السودان مثلا-مع الفارق الكبير بين الحالتين -إذ بات قطاع واسع من أهل الشمال يطالبون بفصل الجنوب الذى استنزفهم بشريا واقتصاديا .كما لا يجب إهمال أن فكرة إضعاف تركيا وتهميش قدراتها ليس أمرا مطلوبا فحسب بل اساسى أيضا فى خطة الشرق الأوسط الكبير الذى يقوم على إضعاف كيانات الدول فى المنطقة لتسهيل إخضاعها للقائد الاسرائيلى المباشر وللمصلحة العامة للولايات المتحدة .
وفى الجنوب ،فان الأمر يحوى جوانب تسهيل واضحة لكنه يحمل جوانب ملغومة أيضا .فى جوانب التسهيل فان فصل الجنوب هو أمر تتوافر له عملية جغرافية أسهل للصلة المباشرة ارضيا بين مناطق الجنوب وإيران ،كما البترول الموجود فى الجنوب ليس محل نزاع مباشر فى الجغرافيا كما هو الحال بالنسبة لنفط الشمال المتنازع على مكان إنتاجه بين أطراف داخلية متعددة وأخرى خارجية كما هو الحال بالنسبة لتركيا .كما أن انفصال الجنوب إنما يوفر مناخا هائل القدرة لتفكيك محيط جغرافى واسع بضربة واحدة بسبب نسب السكان الشيعة (من المهم هنا فهم البعد الذى يضيفه أنهم شيعة عرب وليسوا فرسا)فى بعض الدول وربما فى كثير من بلدان الخليج .غير أن الأمر فيه لغم كبير ،حيث أن انفصال الجنوب إنما يعمق ويقوى فكرة تقسيم إيران بالمثل .
التقسيم واقع!
يمكن القول الآن بوضوح أن العراق سار خطوات كبيرة على طريق التقسيم ،وان التقسيم يسير فى المرحلة الأخيرة بخطوات متسارعة وانه يمكن أن يتم دون "إلية الحرب الأهلية المباشرة" .فالشمال الآن أصبح "دولة ناقصة الإعلان " إذ يمتلك الآن جهاز دولة مستقل عن الدولة العراقية ،يسيطر على "إقليم جغرافى" محدد و"مجموعة بشرية محددة ،ووفق "حدود "واضحة (ما عدا قضية كركوك) وتحكمه حكومة وبرلمان ورئيس ،ويقيم فعليا علاقات ديبلوماسية مع بعض الأطراف الدولية.
والجنوب بات يتحرك رويدا رويدا بنفس الاتجاه فعليا وعلى الأرض دون إعلان مباشر ،بل هو فعليا يمر الآن بالمرحلة التى مر بها الأكراد حينما اشتعلت الحروب بين بارزانى وطالبانى وكان الصراع يجرى أساسا حول الاستقلال والحكم الذاتى ،حيث الصراع الجارى الآن بين الفصائل الشيعية هو يجرى حول نفس الفكرة داخليا ،إضافة إلى فكرة :هل نسيطر على العراق كليا أم نستقل بقطاع منه .
وهنا فان الإعلان الذى صدر منذ فترة قصيرة ،بإعلان قيام الإمارة الإسلامية فى منطقة وسط العراق ،إنما هو جاء ليكمل سلسلة تقسيم العراق ،مهما كانت النوايا الطيبة كما هو بنى على موقف دفاعى نتيجة نجاح الخطة الأمريكية فى التقسيم للمناطق الأخرى ،أو باعتبار انه جاء كحالة دفاعية ضد عمليات الابادة الجارية .
وهنا يبدو اللافت هو أن حزب البعث العراقى اختار هذا التوقيت لإعلان برنامجه فى الحفاظ على وحدة العراق وفى دعوة زعماء العشائر العراقية للتوقيع على عرائض للإفراج عن الرئيس العراقى صدام حسين ،ولتأييد عودته رئيسا للعراق .!


  

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

هل تعتقد أن الطرح الإعلامي لقضية توسعة المسعى كان متزنا وموضوعيا ؟

الارشيف