عندما تغير المرأة ما بنفسها ..!!
5 جمادى الثانية 1429
صفية الودغيري

نلحظ كثيرا أن هناك عملية استقطاب - مباشر أو غير مباشر – للمرأة المسلمة حتى تصير على الصورة التي يريدها أعداؤها ، كما نلحظ نوعا غريبا من قبول واستكانة كثير من نساء أمتنا لذلك الاستقطاب , حتى صرنا أنفسنا عنصر ضغط جديد على أمتنا روح .. وهي التي تئن دوما من الضغوطات ..
وصارت بعض نسائنا بالتالي تطالب بالحرية والمساواة مع الرجل في كل حق من حقوقه دون اعتبار لاختلاف الجنس أوالأدوار التي تصلح لكل منهما ، ولا مدى ملاءمتها لطبيعتها كأنثى ، ولا حتى لموافقتها لدينها وقيمها وعاداتها وأعراف بلدها ، ولا لأي اعتبار آخر وضعه الشارع في توزيع الوظائف المنوطة بكلاهما ..
أحلام صدقتها بعض نساء أمتنا من غير أن تدرك المخطط الخطير الذي يحاك ضدها ، وأنها إنما تستغل كوسيلة لغاية هي تخريب البيت المسلم ...
إن التغيير الذي آلت إليه المرأة جعلها تطاول عنقها وتشرئب متطلعة نحو حياة غريبة عن حياتها التي تنبغي لها , وامتد ذلك الاغتراب من اغتراب ملابسها وعاداتها إلى اغتراب طال تفكيرها وقيمها ومبادئها وطموحاتها إن ذلك كله ، ليس إلا مجرد ترجمة لمعنى الانبهار الذي خالج شعورها بكل ما لدى الآخر الأجنبي عنهما ، ولو كان لا يوائم المجتمع والبلد التي تنتمي إليه ، ولو كان يعبر عن ثقافة وشريعة وحضارة مخالفة ... تقتلعها من جذورها ..
إنها مجرد رغبة ثائرة متمردة عن كل ما هو أصيل ، وكل ما يربط المرء بتاريخه وحضارته وثقافته ودينه .. إنه العشق المجنون بتقليد الآخر في كل شيئ مختلف ولو كان اختلاف تضاد ، واختلاف يفصل الواحد عن أرضه وعن بلده وعن أهله..
إننا لسنا بحاجة لنتغرب عن أوطاننا ونحن لم نرحل عنها ، أو أن نتحول لصورة مشوهة لا تمثلنا ، ولا تمثل الآخر الأجنبي عنا ، إنما بحاجة لرجل وامرأة يدركان أن كلاهما يكمل الآخر ، ويقيم معه بناء هذا المجتمع المسلم
إننا بحاجة ماسة لمن يترجم لنا الترجمة الحقيقية للإسلام ، الذي يرتبط بالواقع والمستجدات المتغيرة والأحداث والوقائع النازلة ..، إننا بحاجة لمن يتحرك بالقرآن وبالسنة قولا وفعلا وتقريرا .. حيث لا يمكن أن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أول هذه الأمة بالاعتصام بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه السلف الصالح، وبعدم التنازل عن الثوابت .
وباعتباري امرأة مسلمة ، يجدر بي أولا أن أشعر بالفخر والاعتزاز أني كذلك ، وأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي رفع من قدر المرأة وشرفها التشريف الذي يليق بأنوثتها ، ويحفظ لها كرامتها ولا يهينها ، ويعزها ولا يذلها ، ويحافظ عليها جوهرة مكنونة في أصدافها ، ولا يكسرها فتتناثر على أرض تدوس عليها أقدام تمحو بريقها ...
ثم علي ثانيا أن أدرك أنه كما أن لي حقوقا أحافظ عليها ، كذلك علي واجبات ألتزم بها ، وحتى لو جار علي غيري في حق من حقوقي لا أجور ، إنما ينبغي على أن أنطلق من الأنا التي بداخلي قبل أن أتجه إلى الآخر الذي ينفصل عني ، وأرى ما في نفسي من ظلم لغيري قبل أن أطالبه بالعدل والإنصاف معي ، فعندما اقوم بحقوقي ، وأغير ما بنفسي ، وأقوم اعوجاجها وانحرافها ، وأنظر إلى مرآة نفسي حينها أكون أقدم نموذجا للمرأة المسلمة الصالحة ، التي تعي جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها ، و في الوقت نفسه أربي نفسي وغيري على كيفية الحفاظ على حقوقهم ، وحقوق غيرهم ، ولقد وجهنا الحق سبحانه توجيها بليغا لهذا المعنى حين قال سبحانه وتعالى : ﴿.. إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مرد له ومالهم من دونه من والٍ ﴾[ الرعد:11] فإن الأمة لن تتغير إلا إذا تغير أفرادها، إلا إذا غيرت أنا وأنت وهو وهي أسلوب حياتنا بما يوافق شرع الله ، حينها لا أحتاج لمن أطالبه بحقي ولا من يطالبني بحقه ، لأن كل فرد منا يعي تماما أن له حقا وعليه واجب ، فلا يجور على حق غيره ، ولا غيره يجور على حقه ، عندها سنصبح أفراداً وأمة أهلاً لموعود الله بأن يغير الله ذلنا إلى عزة وضعفنا إلى قوة وهواننا إلى تمكين
إن التغيير الحقيقي ينجح عندما أقلب الصفحات داخل قلبي أولا ، ثم أعيها بعقلي ، فأدرك قيمة الحروف والكلمات في التعبير عن ذاتي ، في صياغة توافق الأحكام والمبادئ والقيم التي رباني عليها ديني ، فأشعر حينها بقيمة الكلمة وبعظمة جوهر المعنى الذي تحمله ، فتسرع أناملي لتخطها رسما بالحبر على الورق ..
إن التغيير الحقيقي يبدأ من هذا القلب الذي قال عنه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )
حينها سأنطلق انطلاقة صحيحة ، وسأسلك الطريق الهادي إلى تطبيق الإسلام في أقوالي وأفعالي ، وفي علاقتي بربي وعلاقتي بمن حولي ، فلا أجور في آداء حق على حساب الآخر بل العدل الحق يكون في إعطاء كل ذي حق حقه
وانطلاقا من وعيي بواجباتي أولا اتجاه من حولي ، وابتداء من داخل بيتي وفي حضن أسرتي الصغيرة والكبيرة ، ثم انتقالا إلى أفراد المجتمع الذي أنا فرع من أصله ، ونبات في أرضه .
عندما أتعلم وتتعلم كل امرأة معنى قول الحق سبحانه : (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) آل عمران /195
هذه الآية الكريمة التي تنبه المرأة المسلمة لتضطلع بدورها القيادي والريادي في المجتمع وفي الحياة وتدعوها لتحمل مسؤوليّتها في بناء الحضارة الإنسانية .
وأول خطوة تمكنها من تحقيق ذلك كله أن تشعر أولا بمسؤوليتها أمام الله.. وأن تشعر بمسؤوليتها نحو بيتها وأسرتها ثم أمتها.. وكلما زاد شعورها بقيمة وعظمة هذه المسؤولية ، كلما زاد عطاؤها ، وتضاعف جدها ونشاطها وصرفها عن التقصير، ودعاها لتتحمل قسطًا من أعباء الإصلاح والبناء..
إن الحرية الحقيقية هي أن تشعر المرأة أنها تمتلك قلبا لم يودع بداخلها عبثا ينبض بالحياة ، وإنما يتحرك بالله ومع الله ولأجل الله ،هنا تمارس أول حق من الحقوق قبل أن تطالَب بما سواه هو : *حق الله ثم *حقوق العباد التي تتفرع عنها مجموعة حقوق منها ما يحتل موقع الصدارة كحق الرحم ثم حق الزوج ثم حق الولد
خلاصة القول : ينبغي علي أن انظر إلى يدي ماذا تحملان وكيف تتحركان وكذا كل جارحة في ماذا تحمل وكيف تتحرك بما تحمله وفيما تصرفه في الزمن وعلى المساحة التي تتحرك فيها
وإلا سأكون مثل ذلك الفرس الذي يركض وقد أضاع لجامه ، أو أكون أقيم خيمة تطل على واد سحيـق ، وخلفها تكمن العاصفة .
حينما أخاطب نفسي منفردة بالكلام ، ولا أنصت لصوت غيري أجور على حقه في الانصات ، وعلى حقه في الإدراك ، وعلى حقه في آداء ما له من حق
لهذا ينبغي على أن أوقد النار في مصباحه وأطرد الرماد ، وأوقد عينان مغمضتان طال عليهما سهد النوم الثقيل ، وأحيي موات العشب الأخضر بداخلي ، فأسقيه بغيث الإيمان واليقين حتى يصرخ صوت الضمير فيوقظ كل موات بداخلي ، وأن لا أطيل حبل اللوم ، لكي لا يتعثر فيه المشاة

4 + 2 =