نصائح جدة ..
28 جمادى الثانية 1429
د. خالد رُوشه

رغم انقضاء السنون الطويلة على رحيلها - رحمها الله - إلا أن نصائحها , وهي التي كانت قد بلغت مائة عام تعميرا في الحياة , لازالت تطرق أذني في كل موقف لها فيه أثر , وفي كل تجربة لها فيها رأي .

ورغم أنها لم تكن ممن يتقنون القراءة والكتابة إلا أن الله سبحانه كان قد أكرمها برؤية ثاقبة , ورأي حكيم , وقلب نابض , وأكرمها طول حياتها بالثبات على العبادة , ثم أكرمها عند مماتها بكلمة الشهادة .

 ولست أنسى نصائح تلك الجدة لي بالثبات على السنة , وبالاستغناء عن الناس والاكتفاء بالله وكيلا , وبألا تستهويني من الحياة زخارفها , فإن زخارفها ماتلبث أن تزول , وأذكر أنها قالت لي ذات مرة أنها رغم أن عمرها صار مئة عام إلا أنها تشعر وكأن حياتها كانت أياما معدودات , وحذرتني يومها من أن تغرني الايام فتفاجئني السنون وقد دهمني الشيب وفاتني قطار الإنجاز ..

إننا كثيرا في هذه الأيام ما نستهين بخبرة الكبار ونشعر بالاستغناء عن نصحهم وقد نزدري رؤيتهم للحياة والمواقف حتي صار كل جيل جديد يزدري الجيل الذي سبقه وكل قادم حديث ينفر ممن قد سلفه .

إن كثيرا من أصحاب الشيب فينا هم من خيارنا , فعادة ما تجتمع على ألسنتهم حروف الحكمة وعادة ما تنسال من رؤيتهم معاني البصيرة , وعادة ما ينصحون بالعودة إلى القيم والمبادئ الحقة .

والمجتمع الذي يتجرأ فيه أبناؤه الشباب على كبارهم فيسفهون آراءهم ويعلنون أنهم من جيل أخر حيث تطورت برأيهم الحياة وصارت قيم الآباء والأجداد بنظرهم قيما بالية , هذا المجتمع تتفكك وحدته العضوية وتتفسخ روابطه القيمية ويصبح أبناؤه نبتاً شاذاً لا أبا لهم ولا أم , وتصبح حياتهم تجمعاً متمرداً على كل ما هو أصيل .

لقد علم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أمته أن يكرموا ذا الشيبة المسلم وأن يوقروه وان يتعلموا من فهمه وحكمته , وقص علينا ربنا سبحانه قصص إخوة يوسف بعدما دارت بهم الأيام , واستقرت بهم مستقرات الآلام تحت أقدام أبيهم قائلين وهم يبكون ويندمون كل ندم : ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين , قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) سورة يوسف

17 + 3 =