إلى ولدي ..تلك هي الحرية
5 شعبان 1429
د. خالد رُوشه

قلب إليك يا ولدي ينبض بكل جميل , وعين ترعاك بينما أنت تخطو خطواتك نحو مستقبل واعد , ويد حانية تربت على كتفك عند كل كبوة أو هفوة , تدعوك للصبر والثبات على كل المحن .. وأمنيات تحيطك أبعثها إليك عبر كل نسمة عذبة , وكل شعاع مضىء .

لست هنا اليوم ياولدي الحبيب لأبني سورا من حولك من أوامر ونواه , ولست هنا لأحيطك بغضبات وصراخات تجرك نحو ماأريد من اختيارات الحياة .

إنما أنا أب أدرك معنى الحرية , كما أدرك معنى بناء الشخصية المستقلة الواثقة , إلا أنني أخشى دوما عليك ياولدي العزيز ما يخشاه كل محب على حبيبه , من الضرر والآلام , عندما تجرك زهرة الحياة فتتلألأ في ناظريك فتبهرك فتغفل عن أشواكها , وأنت ماتزال في مقتبل عمرك الزاهر بكل أنواع الجواذب الباسمات .
 
إن الحرية يابني لم تكن يوما قدرة متجردة على الفعل وحسب , وليست هي قدرة على مخالفة آراء الآخرين , ولاهي رؤية ساخرة لآراء السابقين , كما أنها ليست تقليدا لغرب أو شرق , وليست جدالا مع الكبار , ولامراء مع العلماء , ولا صخبا مع الأمهات والمعلمين .
 
إنما الحرية يا ولدي الحبيب هي فك قيد القلب من عبودية غير الله العزيز الحكيم , وهي استقلالية عن التعلق بالأشياء أو الاستذلال للناس , وهي قدرة على فعل الصواب في الانفراد والاجتماع , وهي قوة في النفس تدعو صاحبها لقول الحق والشهادة بالحقيقة , وتدعوه للشعور بالاستغناء عن العالمين والارتباط بالسماء في الرزق والعطاء والأخذ والرجاء .
 
لكم أحزن عندما أرى من أبناء جيلك ياولدي من يرى الحرية تجرؤا على المبادىء والقيم , فيعمد إلى كسر قوانينها , واختلال توازنها في مجتمع محافظ كريم , أو عندما أرى من يعتبرها قدرة على عصيان الأبوين أو ضرب عرض الحائط بنصائح الأجداد والأعمام , أو من يراها تمردا على الأعراف والعادات الكريمة الأصيلة .
 

إنك يابني سترى طوال عمرك صنوفا من الناس لم تكن تظن أن تراهم , وأنواعا من البشر مختلفة متباينة , سترى المهمل والمهتم , وترى المنحرف والمستقيم , وترى المتدين والعاصي , وترى المتمرد والسلس , وترى المتواد والنافر , وترى البر والفاجر , وغيرهم من الصنوف .

 فإذا مررت بتلك الصنوف فتذكر أن حريتك ههنا هي اختيار أهل الخير والعدل والحق من هؤلاء , ليصيروا لك أصدقاء وصحبة , وحريتك ههنا أن تسعى أن تصلح القابلين للإصلاح ولا توافقهم على أخطائهم , وأن تمنع الفاجرين – مااستطعت – من فجرهم , بينما أنت تنشر الخير في كل مكان .

حريتك يا ولدي العزيز أن تكون مشعل نور وهداية للآخرين من أبناء جيلك وغيرهم , ومعول بناء وإصلاح لكل ماهدم من صروح , وصوت علم وبصيرة لكل جاهل أو تائه أو غافل .

إن الحرية أن تكون لربك في كل وقت حافظا , ولنفسك في كل موقف مربيا , ولمجتمعك في كل حال نافعا , ولمستقبلك في كل فعل منجزا , أضاء الله صدرك بالإيمان , وأنار دربك بقبول نصحي إليك ..

11 + 5 =