العدوان على التعليم في بلاد المسلمين
17 شعبان 1429
عبد الباقي خليفة

الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين أرسله الله جل وعلا للناس كافة ،ورسالته هي النسخة الأخيرة لدين الاسلام الذي ارتضاه الله للبشرية من نوح عليه السلام ،وحتى محمد صلى الله عليه وسلم . وهي الآن ملك للبشرية جمعاء . ولا نستطيع أن نعبر عن عالمية الإسلام إذا لم نستطع أن نربي أجيالا متعلمة تكون النموذج المطلوب . فليس في مجتمعاتنا الآن ما يغري الغرب على فهم الإسلام بشكل يختلف عن حالنا وتصرفاتنا وطريقة تفكيرنا.

وأتمنى أن يكون في العالم الإسلامي -ولو على مستوى النخبة- من يقتفي آثار ابن خلدون في فهم حركة التاريخ والاجتماع، فالحضارة تحافظ على قوتها ما دامت تنجب العلماء، وتمارس النقد الذاتي، وتفرق بين الأصل والهامش والغث والسمين والمحاسن والمساوئ، وأن تتعرض الذات المسلمة سواء الفردية أوالجماعية أو الحضارية لعملية إفراغ وإملاء مستمرة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته حيث قال أحدهم: (كان يفرغنا ويملؤنا)، وأن لا تترك المجال لنقد الآخرين ومدحهم بل تنقد نفسها بنفسها. يجب أن نكتشف أخطاءنا بأنفسنا ونعلم أطفالنا ذلك. وهذا أفضل ،فالنقد يجب أن يكون سعيا للأفضل وليس مجرد جلد للذات. وحتى من يعمد لمدح حضارتنا ويتلهف البعض لما يقوله ويكتبه ،يجب ألا يمنعنا من عملية التنقية والإضافة لحضارتنا وجعل تلك العملية منهجا للترقي والبحث عن الأفضل والأنجع، يجب غربلة التاريخ فنستفيد من النجاحات بالنسج على منوالها بوسائل عصرنا ونستفيد من الأخطاء بعدم تكرارها وما أدى إليها. وبهذا يصبح التراث وتصبح الحضارة لها مقومات البقاء. لذلك يجب ألا نخدع بنقد الحضارة الغربية على أيدي أساتذتها، فقد تستفيد تلك الحضارة من النقد فتقوم عوارها ولن يساهم النقد في سقوطها.

حقيقة التعليم :

 والسؤال هو: لو فرضنا جدلا أن الحضارة الغربية قد سقطت اليوم فهل نحن الوارثون بما نحن عليه؟ هل ما نحن فيه يمثل البديل؟ العالم الإسلامي اليوم جمع بين صورتين مشوهتين ممتزجتين ،صورة للإسلام وصورة للحضارة الغربية فلا هو عالم إسلامي ، بما تحمل الكلمة من معنى ، ولا هو صورة حقيقية لما في الغرب بخيره وشره على حدّ قول طه حسين. وإذا نظرنا للكثير من مناهج التعليم في أكثر من بلد اسلامي الآن نجدها تهئ الأمة للذوبان والتلاشي ، وتجعل الأجيل منفصلة عن بعضها البعض ، ومغرقة في القطرية والهامشية .يقول محمد إقبال في معرض إشارته إلى خطورة التعليم ودوره في كسب المعارك السياسية والاجتماعية وغيرها: (يا لبلادة فرعون لو أنه بنى المدارس لما تعرض للخزي وسوء الأحدوثة في التاريخ) وقد التقط فراعنة العصر تلك الحكمة فبنوا مدارس تكرس ألوهيتهم المزيفة ، وتفصل الامة عن واقعها وعن رؤية مستقبلها في الوحدة وجمع كلمة الصف ( عمليا )، وليس كما ينعق الكثيرون .فالتعليم كما يفسره إقبال سلاح ذو حدن يستخدم في النهضة ويمكن أن يستخدم في الانحطاط؟

ولذلك سعت جهات عدة لتغيير المناهج في العالم الإسلامي ونجحت في أكثر من مكان للأسف . وذلك ليفقد المسلمون ذاكرتهم، وتحرف عقيدتهم، ويشوه تاريخهم...وهي سياسات واستراتيجيات ضد مفهوم التعليم ذاته. فالتعليم معناه التعمق والتوسع في فهم الأشياء وما حولنا، والتاريخ والحضارة والمستقبل، من خلال الاستشراف الجماعي داخل مراكز البحوث. ولكن المطلوب من العالم الإسلامي حجب المعلومات الدينية، وتجهيل الأجيال بدينها وتاريخها ،وتبييض صورة أعدائها من خلال التعليم . بالإضافة إلى تغييب الغائية من كل شيء. المناهج في العالم الإسلامي حاليا غير قادرة على تكوين الإنسان الصالح بمفهومه الحضاري المعاصر، المفهوم المضيف وليس النقيض، فالأصل العقائدي يجب أن يكون الإطار الذي يستقبل التكوين المهني والتحصيل العلمي ويجعله في خدمة الأصل، من حيث تجنب الشر كما يتجنب الأعزل عرين الأسد.

مفهوم التربية :

يقول البعض إنه يفضل أن يتلقى ابنه تعليما راقيا من وجهة نظره حتى ولو أثر ذلك على ضعف تكوينه الديني، في حين هناك من يفضل أن يتلقى ابنه تعليما دينيا ،وإن كان التحصيل العلمي أقل. والحقيقة هي أنه لا فائدة ترجى من علم بلا تربية أو تربية بدون علم. ولا يمكن الطيران إلا بالجناحين العلم والتربية وإلا فسنبقى مهيضي الجناحين. لقد غر البعض ما حققه الغرب، وهو شيء عظيم بلا أدنى شك، ولكن دون إدراك لاختلاف السياق التاريخي الغربي عن سياق حضارتنا التي بنيت على القيم، ولا يمكن أن ننهض إلا على هذا الأساس، ولا يمكن لبنيان أن يقوم على أسس حضارة أخرى.

كما لا يمكن الانتماء لحضارة بمجرد استخدام أدواتها، أو تبني مظاهرها كنوعية التفكير والسلوك باسم مقولة الحضارة الإنسانية حيث إن الحضارة الإنسانية، هي مجموعة الحضارات لأمم شتى ولا توجد حضارة واحدة توصف بالحضارة الإنسانية ،إلا ما يدعيه بعض الغربيين الذين يحاولون عبثا إلغاء التاريخ وجعل التاريخ الغربي هو تاريخ الحضارة الإنسانية، وهذا اختزال وإسقاط وتزوير. خطورة بعض المناهج أنها تحاول تشكيل ثقافة معينة لتدارك ما فات فرعون فعله في مقولة إقبال التي ذكرتها آنفا.

 قد يسهب البعض في الحديث عن التعليم والتربية، وقد يقول قائل إن التربية هي في نهاية المطاف تعليم، وإن هناك من تلقى تعليما دينيا، ولكنه غير متدين انظر المستشرقين مثلا، فهم يعرفون عن التربية والفقه والسيرة الكثير لكنهم لم يسلموا أو لم يسلم معظمهم . ؟ لذلك يجب أن يرتبط التعليم بالتربية في المفهوم الاسلامي عن طريق علم السلوك ، والتدريب على الطاعات ، وغرس الايمان مع المعلومة ، أو في المعلومة ، أو بالحرى الأمرين معا . لقد كان أرسطو على حق عندما قال: (معرفة الله تجعل الإنسان مؤدبا) ومعرفة الله لا تأتي بالتعليم فقط بل بالأسوة الحسنة وتعويد الإنسان منذ نعومة أظافره على التفكير في عظمة الله، والتفكير العميق والذكر والتدبر المستمر، هذه هي التربية الحقيقية.

وتلقين الحلال والحرام بأسلوب الترغيب والترهيب وحب الله قبل كل شيء هي التربية.لقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم كمال المعرفة ولذلك خاطبه الله سبحانه بقوله: )وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ(، عندما تحب الله من كل قلبك ويكون أحب إليك من كل شيء فأنت على قدر عظيم من التربية.

المعرفة الحقيقية :
 إذا أحب الإنسان خالقه أطاعه في كل شيء وإذا خافه تجنب معاصيه، وخالق الناس بخلق حسن وتلك التربية.

نحن عرفنا من خلال قراءتنا للتاريخ أن الناس عرفوا الشر ولكنهم مارسوه فليس العلم بالشيء من حيث هو خير أو شر يجعل المرء يطلب الأول ويتجنب الثاني. فجميع الناس بمن فيهم اليهود يعلمون أن ما يحصل في فلسطين ظلم واضطهاد وعنصرية مقيتة. والعالم يعلم أن ما حصل في سريبرينتسا كان إبادة حقيقية، وأن جهات عديدة شاركت فيها بمستويات مختلفة، وربما كان ولا يزال اليهود والصرب والروس في الشيشان والهندوس في كشمير يعلمون أنهم بقتلهم البشر يمارسون الشر، ولكن علمهم بذلك لم يمنعهم من ممارسته، مما يكشف عن خلل كبير في التربية أو أنهم يفتقدون التربية.

ونستطيع القول إن العلم مع التربية يساوي المعرفة الحقيقية، فالمعرفة ذات بعد فلسفي تربوي وليست مجرد العلم بالشيء وقوانينه ونفعه وضره. إن ذلك ما تمتاز به فلسفة التعليم الإسلامي، الذي يحتاج إلى مزيد من الإثراء والصياغة والبحث وتقديم الطروحات بشأنه. وأنا أدعو المفكرين والمربين المسلمين إلى صياغة نظرية لمفهوم التعليم الإسلامي ومحاولة التأثير في السياسات (التربوية) السائدة وإقامة المدارس والمعاهد والكليات الحرة. وليس من المعقول أن نقف مكتوفي الأيدي أمام الهجمات المختلفة، حتى إننا نرى أفرادا أقاموا مشاريع تعليمية وإعلامية، في حين أن حركات زاخرة بالطاقات لا تملك ذلك!

والسؤل المطروح هو هل منهج التربية الإسلامية السائد قادر على إحداث النقلة المعرفية المطلوبة؟

المدارس وحدها لا تكفي. الإسلام منهج حياة، وإن كان يملك منهجا تربويا لأسلمة العلم حتى يكون معرفة حقيقية، فإنه لا يأتي ثماره المرجوة إلا إذا أسلمت الحياة كلها من حيث أن الإسلام منهج حياة في البيت والمدرسة والشارع والسوق والحكم. فليس المدرسة أو الجامعة هي المؤسسة الوحيدة التي تربي أولادنا، بل البيت وأعني به الأسرة والتلفاز ووسائل الإعلام والجيران والتجارب الشخصية في التعاطي مع علاقات الحياة اليومية وكل ما يقرأ ويرى ويسمع من الناس أو الشخصيات العامة، ولذلك وضع الإسلام لكل تلك العلاقات حدودا وقوانين اجتماعية وسلوكية وقضائية، والسؤال الذي يمكن أن نطرحه هو: هل الأسرة المسلمة اليوم أسوة حسنة لأطفالها، وهل تربيتها لأطفالها أسوة حسنة لغيرها؟ نعم مقارنة بالغرب لا تزال الأسرة المسلمة مترابطة إلا أنها بالمقارنة مع النموذج الأسوة ليست أغلب الأسر كذلك، وهي مهددة بالنموذج الغربي للأسرة، ولذلك فإن أمر الدعوة الجماعية وقضية التغيير يجب أن تأخذ حيزا أكبر في اهتمام المفكرين المسلمين حتى تكون الأمة أسوة لغيرها لا أن تنساق وراء الغير، ففي دينها ما يفتقده الآخرون.

قبل فترة اشترى رياضي غربي بيتا لعائلته بمبلغ 750 ألف دولار وكانت هذه الحادثة حديث الصحافة في الغرب وكأنه شيء خارق، لكن لو حدث ذلك في بلد إسلامي لكان أمرا عاديا.. فالمسلم مطالب شرعا بمساعدة الناس فضلا عن عائلته التي ترقى رعايتها إلى حد الواجب الديني في حالة الأقرباء المقربين. ولسائل أن يسأل ما أسباب ضعف الترابط الأسري في الغرب، وأعراض ذلك في العالم الإسلامي؟

أعتقد أن القرون الوسطى وما كان فيها من تحجر وتجبر وفساد كنسي أدت إلى ردة فعل عكسية، كفرت بالكنيسة وما تمثله داخل المجتمع الغربي آنذاك، وأسست لعلمانية متسيبة، متهتكة أفسدت الحرث والنسل، ونحن نشهد إرهاصات ثورة مضادة ضد تهتك علماني يقاد هذه المرة من المشرق، وهو ما سيؤدي في نظري إلى شكل من التدين المعتدل الذي يعترف بالإنسان كإنسان لا كإله في اللاهوت النصراني الذي يؤله رجلا واحدا هو عيسى عليه السلام، أو نقيضه اللاهوت العلماني الذي عدّد الآلهة وجعل كل إنسان إلهاً في حد ذاته. الإسلام يملك الفيصل إذ جاء بالحقيقة الأزلية: لا إله إلا الله محمد رسول الله. والسؤال هو هل المسلمون في حال يمكنهم من أن يمثلوا البديل أو الحقيقة أو النموذج المحتذى؟ لقد سقطت الحضارة الرومانية بسبب الفساد فهل نمثل ملجأ لكل المؤمنين بالله على طريقتهم الخاصة في الغرب والتي لا تمت للكنيسة بصلة!

أمر هام آخر هو موضوع ، موقع الشريعة في التعليم الإسلامي؟ وهل إزاحة الشريعة من الحكم ضرب للدولة؟

لقد توالت أجيال من المسلمين حوكمت بغير شريعة الله في كل شيء، ومع ذلك ظل العلماء في بعض الديار ساكتين وكأن الأمر ليس من الخطورة التي تهدد دين الله بعد أن غُيّب حارسه وهو الشريعة. ولا شك أن الله سيحاسبنا جميعا على هذا التفريط المخل بنسيج الإسلام المترابط وأحب أن أسأل دائما: هل طوَعَنا علمَنا ومعرفَتنا لتعبيد الناس لخالقهم من خلال المناداة المستمرة بتطبيق شريعته حتى تقام حدود الله في كل مناحي الحياة؟ كل مسلم مسؤول عن ذلك. وليست الشريعة فقط ،بل إن من أولويات التعليم الإسلامي تربية الطلبة على أن قيام دولة الإسلام واجب ديني عملا بقوله تعالى: )إن هذه أمَّتُكم أُمّةً واحدةً وأنا ربُكم فاعبدون(

مفهوم الماضي:

يجب أن ندرس الماضي ولكن لا يجب أن نظل معلقين به، لقد أصبح المستقبل علما يدرس، وهو علم مبني على القراءات الصحيحة للعوامل المؤثرة والاستقراءات والاستشرافات.. حتى الإنذار المبكر أصبح علما. وعلى مناهج التعليم الإسلامية الاستفادة من ذلك، وإعطاءه الروح والغائية التي يفتقدها. وأنا أقترح أن يترك الماضي للمؤرخين وأن نركز على الحاضر والمستقبل. تاريخنا على ما فيه من ضعف مشرف ، ومتفوق مقارنة بما كان يجري في نفس المراحل التاريخية داخل حصون الديانات والممالك الأخرى ، لكن واقعنا متخلف في كثير من الامور عن غيرنا لماذا ؟

كان هذا السؤال محور نقاش مع مجموعة من الشباب المسلم ، وكان من بينهم مسلمون جدد يحضرون الماجستير ، قلت لهم إن محرك التطور في الغرب وفي بلاد المسلمين مختلف ، الغرب تطور عندما ترك الكنيسة وتجاوزها ، ونحن تخلفنا عندما ( تركنا الاسلام وتجهلناه ) فأفضل مراحل ازدهارنا التاريخي كانت في الفترة التي قاد فيها الاسلام حياتنا . وعندما كان علماؤنا يطورون الطب والفلسفة وعلم لفلك بتحريض الاسلام كان (نستراداموس) في باريس يحاول إقناع الكنيسة بمعالجة المرضى عن طريق الطب الطبيعي بدل الخرافات والأساطير، وكان ممنوعا في باريس من قراءة كتاب (غاية الحكيم) الذي ألّفه عالم عربي وكان الكتاب ممنوعا من التداول بين الناس، وحبس نستراداموس وأحرقت الكتب العلمية العربية وخاصة المتعلقة بالطب لكن (نستراداموس) استطاع إخفاء نسخة من الكتاب واستطاعت زوجته تهريبها خارج البيت وعلمت الكنيسة بذلك فأعدمتها، وعندما تزوج نستراداموس ثانية أخرج الكتب التي كان يخفيها وأحرقها، وعندما سئل عن ذلك أجاب: (لا أريد أن أخسر زوجتي الثانية بعدما فقدت الأولى). ليس هذا بكاءا على الاطلال ، ولكنه تذكير بالسنن ، فطالما حاول الأعداء طمس هذه الحقائق ، تحت مقولة العيش في الماضي ، وهو ليس عيش في الماضي بقدر ما هو تأكيد على الأسباب التي يمكنها أن تعيدنا مرة أخرى تحت الشمس .

15 + 2 =