مخاطر.. ما بعد نجاح الإخوان!!
لا شك أن "الإخوان المسلمون" حققوا نصرا سياسيا وانتخابيا كبيرا في معركة الانتخابات البرلمانية المصرية بمراحلها الثلاث، إذ هم غيروا بالفعل وعلى الأرض توازنات القوى السياسية أو هم حولوا التوازنات النظرية إلى واقع عملي إذ ظهروا كأقوى من كل قوة سياسية أخرى في مصر محيلين اليسار ذا الصوت العالي بكافة فصائله إلى المتحف السياسي،بنفس القدر الذي انهوا به التجربة الحزبية المقيدة التي دخلتها مصر منذ بدأها السادات في عام 1976، أو هم أحالوا هذه التجربة إلى المعاش "المتأخر" –وهو اخطر من المعاش المبكر إذ جاء إنهاء التجربة بعد أن تهالكت فانهارت كليا-ومن ثم هم وضعوا الحكومة المصرية في مأزق لا شك انه سيجعلها تعيد تقييم مجمل رؤيتها في الإدارة السياسية للمجتمع وفقا لهذه التطورات الجديدة وباتجاه توسيع الحريات السياسية.
الإخوان أحرزوا عددا من المقاعد في الجولة الأولى تفوق كل ما حققوه من نتائج في كل مراحل الانتخابات البرلمانية الماضية. وهم سجلوا رقما قياسيا كبيرا وهاما خلال الجولة الأولى من المرحلة الثانية بان أحرزا من المقاعد ما يزيد على ضعفي ما أحرزه الحزب الوطني (13 مقعد مقابل 6 للوطني) في سابقة لم تحدث منذ عادت التجربة الحزبية إلى الحياة في مصر، وهم في الجولة الثالثة أكملوا نصرهم رغم أن الضغوط تضاعفت والتشدد ضد مرشحيهم بلغ الذروة ليحصلوا في ختام الانتخابات على "خُمس" مقاعد مجلس الشعب المصري لأول مرة في تاريخهم ولأول مرة في تاريخ البرلمانات المصرية.وهم اثبتوا عمليا أن سلاح العقيدة أقوى من سلاح البلطجة ومن سلاح المال ومتفوق عليهما وقادر على حشد الأصوات أكثر من كليهما، كما هم ثبتوا فكرة أن الضغط الشعبي المنظم والمبرمج قادر على إحراز نتائج سياسية بالغة الأهمية.وهم اثبتوا أن العمل السياسي لا يحتاج إلى ترخيص من أحد، إذ هي جماعة لم تمنح شرعيتها "القانونية "-وظلت تنعت في الصحف الرسمية بالجماعة المحظورة -بسبب القوانين المعمول بها في مصر ومع ذلك هي حققت تصويتيا وانتخابيا أضعاف مضاعفة ما حققته أحزاب لها شرعية رسمية وتملك صحفا وتحظى بالرعاية والحماية –مقارنة بوضع الإخوان على الأقل -أو لان الجماعة بالدقة أثبتت على اقل تقدير إنها أقوى من كل الأحزاب في التجربة الحزبية المقيدة مجتمعة ومجمعة وبعدة أضعاف.
وقد وصل عمق المأزق الذي سببه الإخوان للحكومة أن البرلمان المقبل ووفق معطيات الانتخابات الراهنة بات في حد ذاته أحد المشكلات التي قد تنتج أزمة سياسية حقيقية، فهو ـ وحين كانت انتخاباته في مرحلتها الثالثة لم تنته بعد ـ بات يواجه شائعات بحله في اقرب وقت –بغض النظر عن السبب الذي سيجرى الاستناد إليه أو السيناريو الذي سيجرى وفقه حل مجلس الشعب –استنادا إلى تجربة سابقة فعلها الرئيس السادات مع برلمان 79 حيث قرر السادات حل المجلس للتخلص من المعارضين النشطين به، بل أن هناك من يرى انه حتى لو لم يتم حل المجلس فان مجرد وجود هذا العدد من المعارضة فيه ومن تيار سياسي واحد وذي رؤية إسلامية سيشكل حالة جد مختلفة على الصعيد السياسي، ستؤجج الصراع داخل المجلس وفى المجتمع، في ظل نجاح كوادر من الجماعة في قيادة بعض النقابات المهنية، ومع الدور النشط للقضاة، وحيث يفترض أن أعضاء الإخوان في المجلس سيكونون سندا كبيرا لما سيجرى من تفاعلات سياسية هامة ومؤثرة في المجتمع.
لكن نصر الإخوان في هذه الانتخابات أمر تترتب عليه مترتبات كثيرة على عاتق الإخوان أنفسهم، ذلك أن الانتخابات نفسها ليست إلا وسيلة من الوسائل وليست هدفا في حد ذاتها، وكذا لان هذا التغيير السياسي الحادث سيولد قوى تضاغط مقابلة وقبل هذا وذاك لأن الأجواء أو البيئة السياسية التي جرت فيها الانتخابات ونتج عنها هذا الانتصار هي في ذاتها تحمل الكثير من الملامح الرمادية أو الضبابية أو المتحولة إلى أوضاع أخرى أكثر قابلية للاستمرار.
ذلك أن الانتخابات جرت في ظل ضغوط خارجية -لا داخلية فحسب –وهى ضغوط متغيرة ومتبدلة بسبب إنها ناتجة عن مصالح أمريكية وغربية لا عن رؤى تتعلق بالمبادئ، ومن ثم فهي قابلة للمساومة على الغير، كما أن حالة الحراك داخل الحكم الراهن التي أتاحت بعض المساحة لحركة الآخرين هي حالة متغيرة ولن تطول. وكذا بالنظر إلى أن هزيمة الأحزاب السياسية على يد الإخوان سيولد قوة تضاغط من قبلها بما يوفر الفرصة أمام الحكم لاستثمار تلك الحالة...الخ.
ومن ثم فان السؤال الذي يواجه الإخوان بعد الانتخابات هو سؤال أصعب من النجاح في الانتخابات على الأقل؛ لأنه سؤال ذو طابع استراتيجي عام يتعلق بكيفية تحويل تلك الأوضاع المؤقتة إلى حالة دائمة والحسابات التكتيكية إلى أوضاع استراتيجية وكيفية مواجهة الضغوط والمساومات الخارجية التي يعتبر نصر الإخوان أول بنودها وكيفية تحقيق تطوير استراتيجي للجماعة لتكون قادرة على التصدي لمهام المرحلة الاستراتيجية الجديدة.
وإذا كانت إجابة هذه الأسئلة الاستراتيجية تتعلق بالإخوان أنفسهم وبرؤاهم وخططهم وتصوراتهم المبنية على معطيات تحليلهم للواقع، فان ما يجب أن يتعاطى معه التحليل للحدث الجاري حالياً، هو توقع لما سيجرى في الصراع القادم في المجتمع وفى أي اتجاه سيصب؟ أو بالدقة كيف ستجري الحياة السياسية في مصر من الآن وحتى حل مجلس الشعب الجديد؟
بيئة الانتخابات وأهدافها:
قبل تحليل ما يجرى حاليا واستشراف التطورات المستقبلية المتوقعة، من المهم أن نتناول الظروف الخاصة التي جرت فيها هذه الانتخابات والتي تختلف تماما عن الانتخابات البرلمانية السابقة أو عن كل انتخابات سابقة شهدتها مصر.ويمكن تحديد الظروف والعوامل الأساسية التي شكلت البيئة السياسية لهذه الانتخابات من خلال قراءة العوامل التي جرت في ظلها وأولها الضغوط الخارجية في المنطقة وعليها، حيث تتكثف الضغوط الأمريكية والغربية على نظم الحكم الراهنة في المنطقة بهدف تحديث نظم الحكم وجعلها أكثر كفاءة في تحقيق أهدافها ومنحها شرعية جديدة بعد أن لم يعد لها شرعية شعبية كافية بسبب برامجها السياسية والاجتماعية والثقافية وسياستها الخارجية الراهنة.
وثانيها العوامل الداخلية الضاغطة المتمثلة في حالة التضاغط داخل النخب المسيطرة والمستفيدة من الوضع الراهن وهى نخب تتضاغط بين تيارين أحدهما تيار قديم يرى الاستمرار كما هو الحال السائر، بينما يرى التيار الأخر ضرورة تحديث النظام السياسي لمصلحة الحكم (طبعا)، والعلاقات بينها مجتمعين- أو بين محصلة صراعهما -وبين القوى السياسية المعارضة بأطيافها وتياراتها وأنواعها وأشكالها المختلفة (أو بين محصلة نشاطها أو تناقضاتها واختلافاتها واتفاقاتها).
وأخيراً يمكن فهم تلك البيئة السياسية من خلال رؤية محصلة صراع وتوازن القوى بين الأطراف الثلاث الممثلة للمعادلة الراهنة وكيف أثرت تضاغطاتها في تشكيل بيئة سياسية محددة جرت في أجوائها الانتخابات.
على صعيد الرؤية للضغوط الخارجية من قبل الولايات المتحدة (والغرب) فان الأمر العام الذي تجرى على أساسه تحركاتها الضاغطة في المنطقة أو الأساس فيها، أن الولايات المتحدة باتت تدرك أن النظم العربية فقدت مشروعيتها السابق أن تشكلت على أساسها –الصراع مع الكيان الصهيوني أو الوحدة العربية أو أحداث تنمية اقتصادية واجتماعية أو تحقيق الاستقلال كما كان الحال عند تأسيس النظم الراهنة –ومن ثم هي تحاول إعادة تأسيس مشروعية جديدة لهذه النظم تفاديا لحدوث تحركات شعبية تحدث تغييرات خطيرة التأثير على مصالح الغرب في المنطقة، وهى مشروعية جديدة ترى الولايات المتحدة أن تتأسس من خلال لعبة الديموقراطية التمثيلية الداخلية دون غيرها من العوامل -التي شكلت مشروعية للنظم -بحكم تعارض مصالح الغرب وتلك الأنماط السابقة -أو الأخرى -من المشروعية.
كما باتت الولايات المتحدة ترى أن هذه المشروعية من خلال العمليات التمثيلية (من خلال الانتخابات) يجب أن تستهدف في المرحلة الأولى وكهدف مباشر -وعلى المستوى التكتيكي -إبعاد ومحاصرة المجموعات المقاومة أو الراديكالية بالدرجة الأولى، وان ذلك يتطلب دمج أو استيعاب بعض النخب من الموجودين خارج اطر الشرعية التمثيلية الحالية في المنطقة(الذين كانت تستبعدهم) والسير نحو الاعتراف الرسمي والقانوني والسياسي بهم خلال المرحلة المقبلة –مرحلة مواجهة التيارات الراديكالية المقاومة -على الأقل كحالة مؤقتة.
وعلى صعيد الرؤية للتضاغط داخل مصر فعلى مستوى الحكومة والقوى المستفيدة من الوضع الراهن، فان ثمة محاولة للتجديد تجرى فعليا في داخل مؤسسات الحكم في ذاتها وذلك في مواجهة وخلاف مع رؤى ومصالح قوى وقطاعات أخرى تقليدية ترى إمكانية أن تسير الأوضاع في الحكم على ما كانت عليه مع بعض التحسينات الشكلية -ولو لم يكن الأمر كذلك لكان الأمر سار بشكل معتاد ومبسط–مما أوجد خلافات حقيقية ساهم في توسعها الضغوط الخارجية والداخلية (من قبل المعارضة) وكذا تصاعد الرغبة الشعبية في التغيير بالنظر إلى أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية باتت تشكل معاناة حقيقية لأعداد واسعة من المواطنين.
وهناك القوى السياسية المعارضة المتعددة بشقيها الرسمي (أحزاب المعارضة أو ما يمكن وصفه منها بذلك) وغير الرسمي متمثلاً في الإخوان والحركة الإسلامية. وتلك القوى تنظر إلى الوضع الراهن سواء على صعيد البيئة العامة الخارجية أو على صعيد التطويرات الداخلية وفق رؤية معينة يختلط فيها المبدأ والموقف والمصلحة عند البعض وتتعارض عند آخرين، غير أن كلاهما يرى بالإجمال –لأسباب تخص كل طرف-أن ثمة ما يمكن أن تتفق عليه كل القوى السياسية على صعيد البرامج السياسية، ومن ثم فان المحصلة العامة لما يجرى تميل إلى تشديد الضغوط لإحداث تغيير على مستوى الممارسة السياسية في مصر، بل أن بعضها يلتقي في ذلك مع بعض القوى داخل الحكم.
لقد جاءت المحصلة العامة للبيئة السياسية المصرية وللصراعات والتضاغطات الخارجية والداخلية، باتجاه أن يأتي التغيير في مصر على صعيد اطر ممارسة العمل السياسي أكثر من غيرها. فالدولة المصرية التي سمحت بتأسيس الأحزاب السياسية على أسس شكلية دون السماح للحركة الإسلامية بتشكيل أية أحزاب سياسية وبشكل خاص جماعة الإخوان المسلمين، باتت الآن وتحت الضغط الداخلي والخارجي مضطرة إلى الدخول في مرحلة إعادة تأسيس شرعية جديدة لها من خلال الممارسة للحقوق السياسية، حيث هي لا تملك مجالا آخر لذلك لأسباب تتعلق بمصالحها وبطبيعة الرؤية والضغط الخارجي. والأحزاب السياسية التي عانت مطولا من السلوك السياسي للحزب الحاكم، باتت تنشد تغييرا يتيح لها حرية الحركة والبقاء والنمو. وفى الخلفية كانت الضغوط الخارجية تدفع بهذا الاتجاه أيضا.
وبطبيعة الحال فان الإخوان والحركة الإسلامية هي الأطراف المستبعدة من كل الوضع الرسمي أو الشرعي بالمعنى القانوني. ومن ثم كانت المحصلة العامة للأوضاع تشير إلى أن دورة التغيير والإصلاح التي نشدتها قوى الضغط الخارجي والداخلي كانت جاهزة للدوران قبل هذه الانتخابات. غير أن الإشكالية الكبيرة التي وجدت الحكومة فيها حين جرت هذه الانتخابات، هو أنها لم تجد هي وقوى الضغط الخارجي على الساحة السياسية سوى جماعة الإخوان التي تواجهها في معركة تأسيس الشرعية الجديدة-ولعلها الآن تندم على كل ما فعلته مع الأحزاب السياسية حيث هي الآن أحوج ما تكون إلى هذه الأحزاب -فوقعت في مأزق بنجاح الإخوان وهو الأمر الذي يطرح في الوقت ذاته آفاقا أرحب للعمل السياسي، تختلف عن ما تراه دوائر الحكم صالحا لاستمرارها ومفاهيمها للحكم، ولو كان الأمر بيدها لما سمحت لأحد من الإخوان بالنجاح.
لقد دارت دورة التغيير بتسارع بسبب إجراء الانتخابات، لكن المشكلة هي أين تصب مياه نهر التغيير؟. ونهر التغيير ليس نهرا واحدا ومصبه ليس واحدا. وهذا ما يلقى عبئا كبيرا على من نجح في الانتخابات وهم الإخوان المسلمون، الذين يأتي انتصارهم في وقت بدأت فيه قوى أخرى في المجتمع التحرك خاصة نادى القضاة بما يلقى عبئا اكبر عليهم في القيادة والفكر الإستراتيجي. فنادي القضاة بات يرفض أن يظل مجرد شاهد صامت بل هو أصبح شاهد حي وفاعل إلى درجة الإصرار على الإشراف القضائي الكامل بل وإلى درجة الضغط بأقصى قوة من اجل إلغاء نتائج الانتخابات في الدوائر التي جرى فيها التزوير بل والى درجة الذهاب إلى طلب إقصاء الشرطة عن الإشراف على الانتخابات وإشراف القوات المسلحة على تأمين مقار التصويت في الانتخابات وهو المطلب الأول والأخطر وغير المسبوق الذي يصدر في تاريخ الأحوال السياسية منذ عام 1952 وحتى الآن، كما هو الطلب الذي يمكن أن يغير الأدوار السياسية لمختلف مكونات جهاز الدولة في مصر.
فإلى أين تصب مياه التغيير لا رياحها فقط؟
دلالات حكاية د.حشمت:
تحمل عملية التزوير التي جرت ضد بعض رموز الإخوان مثل الدكتور جمال حشمت (البحيرة) ود.محمد مرسى (الشرقية)وحازم أبو إسماعيل (الجيزة)، مؤشرات هامة على صعيد رؤية الحكومة للتعامل مع نجاح الإخوان بنسبة 20% من مقاعد مجلس الشعب المصري، حيث هي كشفت حرص الحكومة الشديد والاستماتة من اجل "تحديد " من يرسب ومن ينجح من الإخوان –بغض النظر عن صحة حساباتها -كما هي تطرح تصورات الحكومة لمجلس الشعب القادم ودور الإخوان فيه.
فعمليات التزوير هذه تظهر أن الحكومة ورغم كل ما جرى بصفة عامة من مشكلات ومواجهات ومحاولة منع نجاح لكل مرشحي جماعة الإخوان المسلمين، إنها قد ركزت شديدا على بعض المرشحين لمنعهم من النجاح مهما كانت النتائج، الأمر يذكرنا بما حدث خلال الانتخابات الماضية والتي نجح فيها للإخوان 17 مرشحا، حيث الحكومة ركزت شديدا على دائرة الدقي ومنعت بكل السبل والطرق نجاح المستشار المأمون الهضيبي (الناطق الرسمى باسم الإخوان وقتها).
وإذا كانت المصادفة هي ما جعل نفس المرشحة في دائرة الدقي هي نفسها المرشحة التي دخلت الانتخابات ضد مرشح الإخوان القوى حازم أبو إسماعيل وأن تتكرر نفس النتيجة التي جرت مع المأمون الهضيبى، فإن قصة جمال حشمت ود.محمد مرسى (رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان في المجلس السابق) هي شاهد آخر على أن الحكومة تركز بشكل خاص على عدم نجاح بعض المرشحين لرمزيتهم السياسية. فجمال حشمت كان سبق أن جرى فصله من عضوية المجلس بسبب نشاطه المتميز ودرجة راديكالية أفكاره ونمط وعيه السياسي كما كان نجاحه يمثل حدثاً كبيراً، ولذا كان مقرر منعه من النجاح بأية طريقة.
أما د.محمد مرسى فقد ابرز قدرة مالية على الصراع السياسي في مجلس الشعب كما حصل على خبرة عالية كانت تؤهله في المجلس الحالي ومع هذا العدد الكبير من الإخوان إلى التحول إلى قطب كبير ومؤثر داخل المجلس، وهذا وذاك جاء امتداداً إلى منع كثير من المرشحين من الترشح من الأصل بالنظر إلى سابق تعرضهم إلى محاكمات عسكرية أو صدرت ضدهم أحكام من محاكم عسكرية.
والأهم في أن الحكومة تحدد مجموعة من العناصر ولا تسمح لها بالنجاح، هو أن ذلك يكشف الدور الذي تراه الحكومة لمرشحي الإخوان ولا تسمح بالخروج عنه، ليس فقط بمنطق انه إذا لم يكن ممكنا منع مرشحي الإخوان من الوصول إلى مجلس الشعب فليكن منع أقوى العناصر، وإنما أيضا بمنطق تقليل قدرة ودور الإخوان في المجلس عن طريق منع القيادات القادرة على تفعيل دور الإخوان في المجلس من الوصول إلى داخله، وتقليل قدرتهم على المزج بين الضغط والعمل من داخل مجلس الشعب والعمل من خارجه ولإظهارهم بمظهر أقل قدرة في داخل مجلس الشعب، أو لإضعاف قدرتهم على الضغط والتغيير أو لإصابة المواطنين بالإحباط تجاه دور الإخوان المتوقع.
الصراع الحالي:
الآن وقد أحرز الإخوان نصرا كبيرا، فان مصر أمام تحول حقيقي لا شك أن الإخوان لعبوا الدور الأكبر في تحويله إلى واقع ملموس كما هم الذين فتحوا أفاقا كبيرة أمامه، حيث انتهت الآن اللعبة السياسية القديمة التي سادت مصر منذ إعادة تشكيل الأحزاب السياسية في عام 1976 وحتى الآن، ولم يعد ممكنا استمرار القوانين الحالية وطبيعة المؤسسات السياسية وقواعد الحكم على ما كانت عليه الأوضاع من قبل. كما أن القوى العلمانية التقليدية التي كانت على سطح الأحداث قد انتهى وجودها الفاعل والشكلي في الأحداث، ولم يعد دورها ممكنا في ظل المرحلة القادمة ممكنا. ومن ثم فإننا أمام وضع داخلي سياسي جديد.
وإذا كان عامل الانقلاب والتغيير السياسي بصعود الإخوان وسقوط الوطني والأحزاب السياسية الرسمية مؤشر على احتمالات حدوث الأزمة على نطاق سياسي، فإن الأجواء السياسية التي باتت تسري في المجتمع من قبل بعض قوى اليسار ومن قبل بعض الرموز القبطية وبعض رجال المال ومن الفئات الأكثر تغربا في المجتمع المصري، باتت تؤشر هي الأخرى إلى احتمالات اتساع حالة التوتر والاضطراب السياسي والسعي إلى حالة من تصعيد الصراع السياسي داخل المجتمع المصري أو دفعه إلى حالة صراعية لا يعلم إلا الله مداها وتوجهاتها.
فمن تابع ردود الأفعال على فوز الإخوان ولتصاعد نفوذهم في الجهاز التشريعي يلحظ علو نبرة التحريض السياسي ضد الإخوان (والإسلاميين بشكل عام) وكيل الاتهامات السياسية لهم وكذا بدء حملة تخويف للأقباط من سيطرة الإخوان والإسلاميين. وهى حملة لا يمكن وصفها فقط بأنها تعبير عن الاختلاف السياسي وعن أنها ناتجة عن الخلافات الانتخابية ولكن ما يخشى منه –وهو ما يستشف من التحريض وليس الخلاف –هو أن يكون خلف هذا التحريض رؤية وفكرة إذكاء لصراع إلى درجة الانفلات السياسي سواء لان الخوف السياسي قد استبد بالبعض أو لان البعض لم يعد يهمه في هذا الصراع أية نتائج يمكن أن تحدث على صعيد الاستقرار العام في المجتمع أو لأن هناك من يدفع بالأحداث إلى مداها لإدخال المجتمع في حالة من الصراع أيا كانت نتائجه لمصالح أطراف خارجية أو داخلية.
لقد ظهرت أصوات تخوف الأقباط إلى درجة قول أحد السياسيين منهم، بأنه سيحمل حقيبته ويغادر مصر إذا سيطر عليها الإسلاميون، كما بات البعض يخوف شرائح وفئات في المجتمع من سيطرة الإخوان إلى درجة التحفيز على حشد الصفوف لمواجهة خطر زاحف قادم، وهى أمور تجرى وسط حالة من الاضطراب في المجتمع والمنطقة وفى ظرف تستهدف فيه مصر من قوى لا شك إنها تبحث عن فرصة وعن ظرف يهيا لها التدخل أو لإثارة حالة أعمق من التوتر في مصر وحول مصر، بما يشكل حافزا ودافعا خارجيا لإحداث حالة أوسع وأعمق من الاضطراب والصراع تحرق الأخضر واليابس، حيث لا يمكن إهمال أن هذه التطورات السياسية تأتى في أعقاب أحداث الفتن الطائفية التي جرت بأشكال وفى أحداث متعددة في الفترة الماضية كما هي تأتى في ظل انعقاد مؤتمر لأطراف من أقباط مصر في الكونجرس الأمريكي يدعو للعلمانية ولتمثيل الأقباط في السلطة التنفيذية والتشريعية وفق منطق المحاصصة الطائفية.
الإخوان والمرحلة القادمة:
وسط تلك البيئة السياسية من ضغوط خارجية وأوضاع داخل مؤسسة الحكم وحالة المعارضة الرسمية وغير الرسمية جرت الانتخابات، جاءت النتائج الكبيرة التي أحرزها الإخوان. ووسط تلك الأجواء من التحريض ضد الإخوان والحركة الإسلامية تجرى محاولة لتشكيل تحالف سياسي واجتماعي لتخويف المجتمع المصري من هذا الانتصار ومحاولة لوقف تطوره مستقبلا، لتكون الحكومة قد كسبت مما حصل عليه الإخوان من عضوية بالمجلس على شرعية أنها أجرت انتخابات ديموقراطية، ومن التخويف منها بعد الانتخابات على شرعية بحكم طلب جهات التحالف (الداخلي) منها البقاء في الحكم ولاعتبار بعض الجهات أن وجود النخب المسيطرة الآن هو مطلب لها (لحمايتها).
وهنا فإن السؤال الأهم فيما سيواجه الإخوان إنهم وصلوا بانتصارهم إلى مفترق طرق استراتيجي أبعادة متعددة ومتنوعة.
البعد الأول فيه، أن النتائج الاستراتيجية العامة لما تحقق في المجتمع بشكل عام ما تزال مهددة بالتحول لمصلحة الذين خططوا لفكرة بقاء النظام السياسي للحكم في مصر مع إدخال بعض التعديلات عليه وإكسابه شرعية جديدة من خلال بعض آليات الديموقراطية ومن حالة انتخاب مرحلية غير مؤسسية أو كحالة مؤقتة. وهو ما يتطلب وضع خطة استراتيجية تقوم على طرح القضايا الديموقراطية كأصول لا كحالة مؤقتة والسعي لتحقيق تحول ديموقراطي حقيقي، وطرح القضايا المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني ومواجهة الهجوم الغربي والقضايا الاجتماعية لكشف الأبعاد الكاملة لشرعية أى حكومة.
والبعد الثاني فيه، يتعلق بطرح مشروع متكامل للمجتمع المصري يواجه حالة تخويف المجتمع من الإسلاميين وبالمبادرة بتشكيل جبهات واسعة تتبنى برنامجا موسعا للمجتمع ولكافة أطرافه ومن باب أولى وضع آليات موضوعية لجمع شتات الحركة الإسلامية. والبعد الثالث فيه يتعلق بمنع استخدام الإخوان في لعبة التغيير داخل النخب المستفيدة من وضع النظام الراهن، والاستدارة لمواجهة الإخوان فيما بعد من خلال ما يجرى من إظهار مطالبة شعبية بتثبيت نظام الحكم الراهن بعد تجديده باعتباره صمام أمن لاستقرار المجتمع، أو من خلال ما يجرى من استغلال نجاح الإخوان لتحقيق تعديلات في التوازنات داخل النخب المسيطرة لمصلحة القادمين أو الصاعدين الجدد.