نشر في موقع المسلم (http://almoslim.net)
النووي المصري :دعاية أم توازن قوي ؟
تم الإنشاء 16/10/2006 - 15:15

رغم إعلان القيادة المصرية فتح حوار شعبي حول اللجوء للخيار النووي وبناء محطات نووية لتوليد الطاقة ، فقد بدأت مصر الرسمية الخطوات العملية الفعلية لبناء سلسلة من المحطات النووية بعدما أصبح الحديث عن نفاذ مصادر الطاقة في غضون سنوات قليلة وخصوصا النفط أمرا علنيا تثار المخاوف بشأنه وأثرها علي المستقبل البعيد .
ومع أن الحديث يدور حول برنامج نووي سلمي لإنتاج الطاقة فقط ، ومراقب من هيئة الطاقة الذرية العالمية ، فقد ظهرت بين المصريين حالة من الفرحة الشديدة لبدء هذا البرنامج بعد غياب طال أكثر من 50 عاما هي عمر البرنامج النووي الصهيوني الذي تفوق الآن وأصبح يمتلك أسلحة نووية تهدد الدول العربية والإسلامية ، وتصور الكثير منهم أن بدء برنامج نووي معناه أن تمتلك مصر قنبلة نووية مستقبلا !.
وبالمقابل ، أثار الترحيب الأمريكي بسعي مصر لإنشاء مفاعل نووي وتقديم عروض لتوريد مفاعلات أمريكية لمصر ، مخاوف ، دفعت خبراء الطاقة النووية المصريون للتحذير من خطورة اشتراك الولايات المتحدة في تنفيذ مشروع مفاعلات توليد الكهرباء بالطاقة النووية ، أو تغيير مكان المحطة المزمع إنشائها من منطقة "الضبعة" بمحافظة مرسى مطروح إلى "العوجة" بسيناء على الحدود المصرية الفلسطينية.
حيث يسود تصور بأن أمريكا – التي تدرك أهمية بناء مصر مفاعلات نووية لتوليد الطاقة منها – تسعى لاحتواء هذا البرنامج منذ بدايته ومراقبته عبر بيع مفاعلات أمريكية لمصر يشرف عليها خبراء أمريكان وتتولى واشنطن توفير الوقود النووي لها ، ما يضمن السيطرة عليها وعدم خروج البرنامج النووي المصري عن خط سيره المحدد في إنتاج الطاقة ، وبالتالي ضمان أمن الدولة الصهيونية .
وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد سلامة (رئيس جهاز الأمان النووي السابق) أن دخول الولايات المتحدة بتأييدها المشروع بعد أن عرقلت تنفيذه عدة مرات، بدأت منذ عام 1976 يعكس أموراً سيئة قد تعرقله من جديد ، ويقول الدكتور عزت عبد العزيز (رئيس هيئة الطاقة الذرية السابق) أن الحديث عن إقامة محطات نووية كان الكلام عنها في عداد المحرمات منذ أيام فماذا حدث؟
فيما يحذر الدكتور أحمد حشاد (الخبير بهيئة المواد النووية وأمين عام نقابة العلميين) من اشتراك أمريكا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تغيير مكان المحطة من الضبعة بمحافظة مرسى مطروح إلي المنطقة الحدودية بين مصر وإسرائيل لإحياء المشروع الإسرائيلي لمنطقة العوجة .
ويقول أن الرئيسين الأمريكيين داويت إيزنهاور وريتشارد نيكسون سبق واقترحا خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم إقامة محطتين نوويتين في سيناء لتحليه مياه البحر لمساعدة "إسرائيل" في زراعة سيناء بالاشتراك مع مصر , إضافة لإنتاج مواد انشطارية لصالح الولايات المتحدة.
وأثار السفير الأمريكي بالقاهرة الدهشة حينما رحب مرتين بالبرنامج المصري ، وأعرب عن ترحيب بلاده بالتعاون الكامل مع مصر في مجال الطاقة النووية والبحث عن مصادر لتمويل هذا البرنامج إذا ما طلبت الحكومة المصرية ذلك بالإضافة إلى توفير الخبرة الأمريكية الفنية في هذا المجال ، ما أثار تكهنات حول الهدف الأمريكي من حصار البرنامج من بدايته والتحكم فيه.
وأثار السفير الدهشة أكبر حينما قال: إن عددا من الخبراء الأمريكيين في مجال الطاقة النووية سوف يصل إلى مصر خلال الأيام القليلة المقبلة لبحث مجالات التعاون بين البلدين في هذا المجال ، مشيرا إلى أن مصر على الرغم من توافر عدد من الخبراء في مجال الطاقة النووية لديها إلا إنها ستكون في حاجة لخبرات أخرى خاصة وأن البرنامج المصري توقف منذ عام 1986 وتحتاج إلى تطويره !.
دعاية أم برنامج حقيقي وعصر جديد؟
ويقول محللون سياسيون وخبراء في الطاقة الذرية أن ما أثار اللغط حول حقيقة البرنامج النووي المصري وهل هو حقيقي أم دعاية انتخابية ، أنه تم الإعلان عن استئنافه مرة أخري في مؤتمر الحزب الوطني الحاكم بعد تجميده طوال عشرين عاما وعلي لسان نجل الرئيس مبارك ، ما أثار شبهة أن يكون الغرض منه هو تحقيق شعبية لجمال مبارك ولنظام والده .
بيد أن إعلان الرئيس مبارك في ذكري احتفالات أكتوبر أن الخيار النووي يأتي "في إطار إستراتيجية شاملة لمستقبل الطاقة في مصر " ، وقوله : "ما من احد ينازعنا في حقنا الثابت في أن ننشغل بهذه القضية الإستراتيجية وان نقرر بشأنها " وضع حدا للشائعات والتكهنات بشأن نية دخول مصر العصر النووي بما يعنيه من عصر جديد من توازن للقوى في المنطقة العربية خصوصا أنه لا توجد أي دولة عربية لديها برنامج نووي ، كما أن مصر هي ثاني دولة أفريقية تلجأ لهذا الخيار النووي بعد جنوب أفريقيا .
ويقول المحللون إن مجرد إعلان والبدء في بناء هذه المفاعلات النووية المصرية – بصرف النظر عن القيود المشددة المتوقعة دوليا وأمريكيا- يعني دخول العالم العربي عالم التكنولوجيا النووية ، ويدفع باتجاه الاستفادة من الكفاءات المصرية المهاجرة للخارج في هذا المجال نتيجة توقف البرنامج المصري فترة طويلة ، كما أنه قد يكون حافز علي استثمار دول عربية في هذا المجال للاستفادة من الخبرة المصرية في بناء المفاعلات وإدارتها مستقبلا .
فيما يري آخرون أن ظروف محلية داخلية وأخرى خارجية عجلت بالقرار المصري بصرف النظر عما قيل عن تنسيق مع أمريكا قبل إعلان القرار ، وهو ما يلخصه د. محمد السيد سعيد (نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام) بقوله: إن "التوجه الراديكالي المتزايد في الدوائر السياسية المصرية ساهم في زيادة الضغوط على مصر في ما يتعلق" بالبرنامج النووي " ، كما أنه جاء في وقت يتصاعد فيه الحديث عن الترسانة النووية "الإسرائيلية"، والبرنامج النووي الإيراني وسعى تركيا لبناء ثلاثة مفاعلات نووية على الأقل .
وفي هذا السياق يرجح خبراء نوويون وسياسيون مصريون قيام دول الخليج بتقديم التمويل المادي اللازم للمشروع النووي السلمي المصري علي اعتبار أن دول الخليج حريصة أكثر من أي وقت مضي علي تقديم الدعم لمصر في هذا المجال بسبب تزايد مخاوفها من تصاعد البرنامج النووي الإيراني وتهديده لدول المنطقة ولخلق توازن جديد – تكنولوجي علي الأقل - في المنطقة العربية مع الترسانة الصهيونية .
وقال خبير نووي رفض ذكر اسمه لصحيفة "المصري اليوم" أن إعادة فتح ملف المشروع النووي المصري هذه المرة، تمت في إطار سياسي يسمح لمصر بتنفيذه بغرض تحقيق توازن نووي مع إيران، وأن الاختيار وقع علي مصر تحديداً بسبب استعدادها الكامل لهذا المشروع منذ فترة طويلة، إضافة إلي توافر الخبرات والإمكانيات والمواقع المناسبة لإقامة المحطات النووية.
وأبدي تخوفه من تراجع الموقف الأمريكي الداعم للمشروع المصري في حال توصل واشنطن إلي اتفاق سياسي أو صفقة مع طهران بشأن وقف برنامجها النووي، لكنه أشار إلي أن الحكومة المصرية لديها الجدية الكافية هذه المرة علي السير قدماً نحو تنفيذ مشروعها النووي السلمي بسبب الحاجة الملحة إلي طاقة أرخص.
ولكنه قال: حتى لو حدث تراجع في الموقف الأمريكي فإن الحكومة المصرية لن تستسلم بسهولة هذه المرة، وستستند إلي البند الخامس من معاهدة منع الانتشار النووي، الذي يسمح باستخدام الطاقة النووية السلمية، والقيام بعمليات تخصيب لكميات معينة، متوقعاً حدوث تراجع في موقف البنك الدولي للإنشاء والتعمير عن مسألة الوقوف ضد المشروع النووي المصري .
ومع هذا يخشى كثيرون في مصر أن تمارس علي مصر ضغوط جديدة من اجل أن توقع على ما يسمى (البروتوكول الإضافي) لمعاهدة حظر الانتشار النووي الذي يعطي صلاحيات اكبر للوكالة الدولية للطاقة الذرية في التفتيش على المنشات النووية ، والذي يعني – حسبما يقول عزت عبد العزيز (المدير السابق لهيئة الطاقة النووية) – إتاحة الفرصة للمفتشين الدوليين لدخول مصر عندما يشاؤون والذهاب إلى أي مكان بما في ذلك المستشفيات والمدارس" !.
سلسلة محطات نووية
ورغم هذا الجدال الدائر حول البرنامج النووي المصري وهل هو حقيقي أم وهم ؟ وهل يواجه بضغوط خارجية أم أن هناك تنسيق مع أمريكا ، يلاحظ أن البرنامج يجري على قدم وساق وتعقد اجتماعات مستمرة بين الخبراء وتحديث للدراسات القديمة حول بناء المفاعلات في مصر .
وفي هذا الصدد قال حسن يونس وزير الكهرباء المصري أن مصر تعتزم بناء "سلسلة" من المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة حسب متطلبات التنمية ، كذلك بدأت لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب (البرلمان) مناقشة حول ملف البرنامج النووي المصري والأسباب الحقيقية التي دعت مصر إلي استئناف برنامجها النووي الذي توقف عام 86 بعد حادث تشيرنوبل .
فقد أعلن (وزير الكهرباء) الدكتور حسن يونس أنه "عندما يتم البدء في برنامج نووي لتوليد الكهرباء سنبدأ في إنشاء سلسلة من المحطات النووية " ، و"عندما نبدأ في برنامج نووي لتوليد الكهرباء فلن نتوقف عند محطة أو اثنتين أو ثلاث وسيكون إنتاج المحطات مستمرا حسب متطلبات التنمية " ، مشيرا إلى أنه من الممكن في البداية أن يكون عدد المحطات في حدود محطة أو اثنين".
وقال الوزير المصري: إنه تم الانتهاء من الدراسات المبدئية للبديل النووي للطاقة في مصر ، وانه لا يوجد ما يمنع من دخول هذا البديل مصر طالما هناك اطمئنان لزيادة عوامل الأمان ، مؤكدا أن مصر لن تبدأ من الصفر في هذا المجال ، فهناك دراسة جدوى موضوعة منذ عام 1986 ستتم مراجعتها وتحديثها" .
أيضا أكد وزير الكهرباء المصري عدم وجود صعوبة في توفير الكوادر العلمية أو التمويل ، حيث أكد أن مصر غنية بعلمائها وأن لديها الكوادر القادرة على المشاركة في إنشاء المحطات النووية وإدارتها موضحا إن إنشاء محطة نووية يستغرق من ثماني إلى تسع سنوات ، وقال انه لا توجد مشكلة في التمويل الكافي لإنشاء المحطات عبر مؤسسات التمويل الدولية التي تبحث دراسة الجدوى وتقدم التمويل اللازم لتنفيذ الدراسة مشيرا إلى أن تكلفة إنشاء المحطة النووية تتراوح مابين مليار ونصف المليار والملياري دولار للألف ميجاوات وأن المحطة النووية تصل تكلفتها إلى ثلاثة أمثال المحطات الكهربائية العادية .
أيضا قال الوزير المصري أن الموقع الذي تمت دراسته وثبت أنه يصلح لإقامة محطة نووية هو "الضبعة" بالساحل الشمالي غرب الإسكندرية ويعتبر مكانا جاهزا لإقامة مثل هذه المحطة ، و"انه يتم دراسة المواقع المختلفة في سيناء والتي يمكن أن تصلح لإقامة مفاعل نووى عليها" ، وقال إن مصر غنية باليورانيوم اللازم لتشغيل المفاعلات.
استعدادت .. استعدادات
وقد أعلن خبراء أن هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء تستعد لإنشاء أول محطة من نوعها لإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية بمنطقة الضبعة‏,‏ وذلك فور صدور قرار المجلس الأعلى للطاقة بإنشائها وبالقدرات المطلوبة وفقا لخطط التنمية علي أرض مصر بالتعاون مع الجهات المعنية في الدولة دون أي ضغوط دولية علي تحديد القدرات ونوع المحطة التي يتم بناؤها‏.‏
وقال الدكتور يس إبراهيم الرئيس التنفيذي للهيئة في أول تصريح له إنه منذ أن تم تخصيص ارض الضبعة عام‏81‏ لإنشاء مشروع محطة توليد كهرباء من الطاقة النووية تم عمل الدراسات اللازمة لذلك وبعدها توقف المشروع بسبب الحادث الذي وقع في الوحدة النووية الرابعة من محطة تشيرنوبيل النووية بالاتحاد السوفيتي ابريل عام‏1986‏ .
وأضاف الدكتور يس أن الدكتور حسن يونس وزير الكهرباء والطاقة أصدر تعليماته لنا بضرورة الاستمرار في استكمال الدراسات وتحديثها دوريا أول بأول لمشروع الضبعة واستمرار إعداد الكوادر البشرية وتدريبها ليكونوا علي دراية بما يحدث والتطورات الحديثة في مجال التوليد النووي مشيرا إلي أن نتائج هذه الدراسات كانت مفيدة جدا في مجال التصنيع المحلي للوحدات البخارية التي استفاد بها قطاع الكهرباء ‏.‏
وأوضح الدكتور يس أنه تم إعداد نموذج للمحطة النووية كماثل لتدريب المهندسين علي المحطات النووية قدرة‏900‏ ميجاوات مع دراسة بعض الحوادث التي يمكن حدوثها في المحطات النووية مشيرا إلي أن الهيئة تعمل علي مدى الساعة في رصد وقياس العوامل المؤثرة في تراخيص المحطات النووية‏,‏ والمستوي الإشعاعي القاعدي لمنطقة الضبعة مثل الأرصاد الجوية‏.‏
أفضل ماء ثقيل في العالم بأسوان
أيضا بدأت استعدادت مصرية للاستفادة من الماء الثقيل في أسوان جنوب مصر في تشغيل المفاعلات خصوصا أن بعض الدراسات أكدت إن استخدام مفاعلات الماء الثقيل هو الأفضل لمصر لأنها أكثر أماناً بالإضافة للاعتبارات السياسية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم .
وفي هذا الصدد تؤكد الدراسات العالمية الحديثة أن مياه أسوان هي الأفضل عالميا لإنتاج الماء الثقيل حيث تحتوي علي ذرتي أوكسجين بينما الماء العادي يحتوي علي ذرة واحدة.
وأكدت الدراسات جدوى إنشاء مصنع لإنتاج الماء الثقيل بأسوان وتصدير إنتاجه خاصة إلي كندا التي تعمل جميع مفاعلاتها بالماء الثقيل ، أوضحت دراسة لشركة "بكتيل" العالمية بالتعاون مع الهيئة النووية الكندية وهيئة المحطات النووية المصرية أن مصر يمكنها فوراً بدء تنفيذ المشروع باستغلال جزء من مصانع كيما المتعثرة وذلك بتركيب مرشحات لاستخلاص الماء الثقيل بدلاً من تصنيعه بالشكل المتعارف عليه .

البرنامج النووي المصري أصبح بالتالي حقيقة ، ولكن المشكلة أن انطلاقه هذه المرة بهذه السرعة وبعد طول رفض من جانب الحكومة المصرية ، دفع لإثارة العديد من علامات الاستفهام التي ربما يكون لها تأثير مستقبلي عليه ، والأكثر أهمية هو أن تسعي أمريكا والغرب لدعمه وتغيير دفته بهدف مواجهة البرنامج النووي الإيراني لا "الإسرائيلي" .
وقد كشفت آراء خبراء الذرة المصريون أنهم يتنبهون تماما لهذه الضغوط والمكائد الأمريكية التي تستهدف إبقاء التفوق الصهيوني في المنطقة والسيطرة علي البرنامج المصري لحساب الصهيوني ، وتصاعدت الدعوات السياسية لشراء مفاعلات صينية أو فرنسية لا أمريكية لمنع أي ضغوط سياسية ما يعني أن البرنامج المصري قد ينشأ مستقلا ويتعرض بالتالي لضغوط أمريكية مستقبلا .

article4 [1]

رابط المادة: http://almoslim.net/node/85823