آخر الطريق ..
9 جمادى الثانية 1439
د. خالد رُوشه

عادة ما يكون الختام علامة على المسير ، وتكون النهاية تعبيرا عن الخطا ، فهي بشرى لمن اختار طريق البشريات ، وصبر وثبت ، وهي خسارة عميقة لمن غفل .

 

والخاتمة الصالحة نعمة من الله سبحانه ومنة وتفضل وكرم ، فهي ليست مقدورة لأحد ، ولا في ملك أحد ، بل غاية ما يملكه احدنا تجاهها هو الدعاء والرجاء والعمل الصالح .

و حسن الخاتمة أن يوفق المؤمن قبل موته للتوبة والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة .

 

 ومما يدل على هذا المعنى ما صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله" قالوا: كيف يستعمله؟ قال : " يوفقه لعمل صالح قبل موته" أخرجه أحمد وصححه الألباني .

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد الله عز وجل بعبد خيراً عسله" قيل: وما عسله؟ قال: " يفتح الله-عز وجل-له عملاً صالحاً قبل موته، ثم يقبضه عليه" أخرجه أحمد وصححه الألباني

 

فمَنْ وفَّقه الله لحُسن الخاتمة؛ فقد سَعِد سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، ولا كربَ عليه بعد ذلك التوفيق، ومَنْ خُتِم له بسوءِ خاتمةٍ؛ فقد خَسِر .

 

اللحظات الأخيرة التي يختتم بها المرء حياته يصح أن نقول أنها تختصر شريط الحياة كله , فالمرء يموت على ما عاش عليه , يموت على ما اعتقده من عمق قلبه , يموت على ما اعتاده من العمل , بل ربما يموت على ما اعتاده أيضا من القول .

 

كان سفيان الثوري رحمه الله يبكي فيشفق عليه أهله وقالوا: أتبكي الذنوب؟ فقال: الذنوب أهون علي من هذه، وأشار إلى تبنة بيده، إنما أخاف سوء الخاتمة

 

الله سبحانه وتعالى يوفق كل من اعتاد خيرا ونوى خيرا وعلّم نفسه خيرا , وعقد قلبه على خير , في لحظاته الأخيرة يختم له بها , فكل الصادقين المخلصين لحظاتهم الأخيرة لحظات مضيئة مشرقة , وكل الخائنين والمنافقين , والكاذبين , لحظاتهم الأخيرة لحظات كثقب أسود تتداعى فيه ذكريات الأيام حالكة السواد .

 

لقد مات أبو ثعلبة الخشني ومجاهد بن جبر وهما ساجدان لله تعالى، وعبد الرحمن بن أبان بن عثمان يخرج من بيته إلى المسجد فيصلي الضحى وتقبض روحه في المسجد، ويحيى بن عمار يموت وهو يفسر سورة القيامة، وأبو زرعة المحدِّث يفارق الدنيا وهو يسرد سند حديث قال سبحانه " يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ "

 

عن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: (يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ)، فتلا معاذ: " رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا " أخرجه الترمذي

واخرج البخاري قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإنما الأعمال بالخواتيم" ، قال ابن رجب : أي: "صلاحها وفسادها، وقبولها وعدمه بحسب الخاتمة"

 

 

الصالحون في لحظاتهم الأخيرة يؤكدون على هذه المعاني تأكيدا تطبيقيا .. يقول عبد الله بن الإمام أحمد " حضرت أبي الوفاة , فكان يغشى عليه ثم يفيق , ويقول لا بعد , لا بعد , فعل هذا مرارا , فقلت له : يا ابتي , أي شيء يبدو منك ؟ , قال : الشيطان قائم بحذائي , عاض على أنامله , يقول فتتني يا أحمد , وأنا أقول لا بعد حتى أموت " ..

 

وكان سفيان الثوري يقول أخاف أن أفتتن عند الموت , يشتد الأمر عليّ فأفتتن ثم يدعو الله " اللهم ثبتني عند الممات " .

 

وظل الجنيد رحمه الله في أيام مرضه الأخير يقرأ القرآن لا يفتر , فقيل له : ارفق بنفسك , فقال الآن تطوي صحيفتي .

 

وتوفي شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يقرأ قوله تعالى " إن المتقين في جنات ونهر " .

 

وقال ابن الجوزي آخر ما تكلم به ابن الصلاح قوله تعالى " إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن وإلا وأنتم مسلمون " .

 

وقال أبو بكر بن عياش : دخلت على أبي عاصم وهو يحتضر فجعلت أسمعه يقول يقرأ كأنه في المحراب " ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين "

 

ولما احتضر العلاء بن زياد دعا بطهور , فتطهر ثم دعا بثوب جديد فلبسه و ثم استقبل القبلة وجعل يتوب ويستغفر ويصلي ثم أومأ برأسه ثم اضجع ومات .

 

ولما احتضر عامر بن عبد الله قال : لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون , اللهم اني استغفرك من تقصيري وتفريطي , وأتوب إليك من جميع ذنوبي , ثم ظل يردد لا إله إلا الله حتى مات .

 

ولما حضر الموت عمر بن عبد العزيز , قال : أجلسوني , فأجلسوه , فجعل يقول : أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت , ولكن لا إله إلا الله , لا إله إلا الله , إلى أن مات .

 

فاللهم اجعل لحظاتنا الأخيرة خير اللحظات , واجعل نهاياتنا من كد هذه الحياة , نهاية سعيدة , واجعلنا مع الصالحين من أهل الحسنى وزيادة .

 

 

9 + 5 =