الهدي النبوي في التربية والتعليم .. (1) مقدمة .. ومعنى التربية
24 رجب 1439
سليمان بن جاسر الجاسر

مقدمة:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

أما بعد: فمما لا شك فيه أن نهوض الأمة ورقيها معقود بصحة التعليم وجودة التربية، والمناهج الأرضية وطرائق البشر مهما أوتوا من قوة واجتمع لديهم من خبرة وثقافة فإنها تقف عاجزة عن تحقيق الكمال وبلوغ أقصى المراد المتوافق مع العقول والفطر السوية السليمة، والسبب هو أن هذه المناهج مهما ظُنَّ فيها بلوغ الكمال فإنها ـ كما تقدم ـ تظل قاصرة، وذلك لأن واضعها قاصر العلم وقليله، ولو كان عنده علم وخبرة فإنها لا تخلو من هوىً بشريٍ جهول، أو نظرةٍ ضيقةٍ محدودةٍ، مع ضعف في المراقبة وهو ـ بلا شك ـ مؤثر كبير على سير العمل التعليمي والتربوي، لذا فإن من المهم التأمل في الأساليب النبوية التربوية وذلك لأمور منها:

1- أن الله بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم معلمًا ومزكيًا، ومبشرًا ونذيرًا، كما قال الله تعالى: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [الجمعة:2]، وجاء عن جابر بن عبد الله ب أن النبي غ قال: «إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا»(1 ).

 فالحكمة من بعث النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلِّم الناس، لذا كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها تربية وتعليمًا، مما جعلها غنية جدًا بالأساليب التربوية والطرائق التعليمية التي أدهشت العلماء والمثقفين فوقفوا حيالها حيارى منبهرين.

2- أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي الكمال البشري، وعُصم من الخطأ الذي يقدح في تبليغه للدعوة، فأُعطي مع أميته علمًا لا يدانيه فيه أحد من البشر، قال تعالى: ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ [النساء:113].

 وكلما كان علم المرء كثيرًا كانت تربيته راسخةً مكينةً، وإنما ضعفت التربية وذبلت زهرتها عند قوم لعدم تمكنهم العلمي، وضعف معرفتهم بشرع الله ﻷ من كتابه وسنة رسوله غ وبأحوال الناس وميولهم.

3- أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بمختلف الظروف والأحوال التي يمكن أن يمر بها معلم أو مربٍّ في أي زمان ومكان؛ فما من حالة يمر بها المربي أو المعلم إلا يجدها نفسها أو مثلها أو قريبًا منها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم الفقر والغنى، والأمن والخوف، والقوة والضعف، والنصر، والهزيمة، عاش اليتم، والعزوبة، والزوجية والأبوة..

فكان يتعامل مع كل مرحلة وكل حالة بما يناسبها، ولقد رعى عليه الصلاة والسلام الغنم وما من نبي إلا ورعاها، وفي ذلك حكمة بالغة، وتمرس على سياسة الناس لأن مشاربهم مختلفة، وأهواءهم متباينة، فلا بد للمربي من تمرس وصبر وأناة وتحمل للأذى، الأمر الذي يكتسبه راعي الغنم مع طول إلفته، ورياضته لها.

فلا بد من أخذ العظة والعبرة منها، وترسم خطاه عليه الصلاة والسلام فيها حتى تبلغ أعلى درجات الكمال في التربية والتعليم. كما زكى الله نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴾ [الأحزاب:21].

4- وجود دعوات ضالة كانت ولا زالت تنادي بضرورة نقل أسلوب التربية والتعليم من الغرب أو الشرق إلى العالم الإسلامي دون نظرٍ إلى المبادئ والقيم والثوابت الشرعية التي تناقضها تلك الأساليب وتضادها.

 إننا قد نستفيد منهم في بعض الوسائل والطرائق في توصيل المعلومة ـ مثلًا ـ والتي اعتمدوا فيها على تجارب ودراسات وجهود مضنية وافقوا فيها الصواب ـ أحيانًا ـ أما أن نأخذ منهم ما نزاحم به ثوابتنا وقيمنا فلا يصح أن نختلف في رده والوقوف أمامه. إن من المحزن المبكي أنك تجد دول الغرب الكافرة تدافع عن مبادئها، وتخشى على قيمها( 2)، بينما ترى أهل الإسلام أهل الملة الخالدة يبقون سكوتًا صامتين، وكأن العبث بالثوابت لا يعنيهم؟

إذًا ما التربية؟ ما مفهومها في القرآن والسنة النبوية؟

**مفهوم التربية:

عرفت التربية بتعريفات منها:

1-    إصلاح الفرد وتهيئته ـ والجماعة تابعة له ـ حتى يبلغ درجة الاعتماد على نفسه والاستغناء عن غيره.

2-    التنشئة على الصلاح، مع التكفل بحسن القيام به، والتدرج في ذلك.

3-    المداومة وعدم الانقطاع المتضمن للنماء والزيادة، مع الحفظ والرعاية.

وذلك في كل ما يتعلق بالإنسان من جوانبه المتعددة: الروح والقلب والعقل والجسد.

 

بعض أقوال أهل العلم في معنى التربية:

1-    قال الأصفهاني ـ رحمه الله تعالى ـ: «الربُّ في الأصل من التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام»( 3).

2-    قال البيضاوي: «التربية: هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا»(4 ).

3-    قال المناوي ـ رحمه الله ـ: «التربية إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام»( 5).

4-    قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: «التربية وهي القيام على الشيء وإصلاحه»( 6).

5-    قال ابن عاشور ـ رحمه الله ـ: «التربية: كفالة الصبي وتدبير شؤونه»(7 ).

 

** لفظ التربية في القرآن الكريم :

ذكرت هذه اللفظة في القرآن الكريم في مواطن عدّة وبصيغ مختلفة هي:

1- قال الله تعالى: ﴿ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء:24].

قال القرطبي في قوله تعالى: «﴿ ربياني ﴾ خص التربية بالذكر؛ ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقًا لهما وحنانًا عليهما»( 8).

2- وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿ قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ [الشعراء:18]، قال ابن كثير: «أي: أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين؟»( 9).

3- قوله تعالى: ﴿ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ﴾ [آل عمران:79]، الربانيون: جمع واحدهم: رباني، منسوب إلى الرب، والرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.

4- النماء والزيادة من معاني التربية، ويؤيد ذلك قولُه تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويُربِّي الصدقات﴾ [بتشديد الباء المكسورة في قراءة]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها، كما يُربِّ أحدكم فلُوَّه، حتى يكون مثل الجبل»(10 ).

                                                                                            (يتبع )

______________________________

(1)    رواه مسلم (1478).
(2)    فانظر على سبيل المثال وليس الحصر أهل الديانة البوذية أو الهندوسية أو غيرهما من ديانات وعلى ما فيهما من خرافات لا يقرها العقل لا أحد من معتقديها يجروء على نقدها كركوع المرأة وأطفالها لزوجها عند خروجه من المنزل ورجوعه إليه أو إحراق الزوجة مع زوجها الميت؟! ولا أحد انتقدهم بذلك.
(3)    انظر: المفردات في غريب القرآن (ص:184)
(4)    تفسير البيضاوي (1/42).
(5)    التوقيف على مهمات التعاريف (1/169).
(6)    فتح الباري (1/121).
(7)    التحرير والتنوير (1/3004).
(8)    تفسير القرطبي (10/207).
(9)    تفسير ابن كثير (3/443).
(10)    أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، رقم (1321)، ومسلم: كتاب الزكاة، رقم (1684)، والفَلُوُّ: المهر الصغير.

 

* للاطلاع على الحلقة الثانية..
الهـدي الـنـبوي في التربية والتعليم.. (2) أساليب التربية.. القصة

2 + 2 =
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه
أ. د . ناصر بن سليمان العمر
د. خالد رُوشه