13 ذو القعدة 1439

السؤال

أسرفت على نفسي جداً، وخاصة في رمضان الذي يُقْبِل فيه كلُّ المسلمين على ربهم سبحانه وتعالى إلا أنا من شقوتي، فارتكبت جريمتين كبيرتين، وأخذت أدعو على نفسي بالموت كي لا أعصي الله مرة أخرى إذ إني يئست من نفسي، وكلما أردت التوبة تذكرت الماضي المظلم، كيف سيغفره الله لي وكيف سأصبح من عباده المتقين الذين لم يظلموا أنفسهم قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا أعلم ما الفائدة إذا تبت ولن أكون عند الله مثل عبد لم يعصه، وأعتذر عن التخبط فوالله لا يعلم حالي إلا الله.

أجاب عنها:
د. خالد رُوشه

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. الابن السائل.

من عرف ربه فقد وضع قدمه على الطريق الصائب، ولاشك أن طريق النور هو طريق الهداية والإيمان.

 

وأنت حق لك أن تتألم ، فقد ارتكبت الإثم في خير الأوقات وأعظم الأيام، أيام القرآن والإيمان، وإنما هو تسويل هوى نفسك وشياطين الإنس، وضعف القلب..

 

ولا يبدأ طريق الهدى إلا بالطهارة، والطهارة طهارتان : قلبية وظاهرية ، والمؤمن طاهر القلب طاهر الجسد.

 

والله سبحانه وتعالى يأمر عباده بالقلب السليم وبتعهد أمراضه {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، والقلب السليم هو ما سلم من الشبهات والشهوات ، فسلم من كل شبهه تخالف خبره ومن كل شهوة تخالف أمره.

 

وقد أمر سبحانه بالقرب إليه وأجزل العطية للتائبين العابدين ، وعلم سبحانه ضعف الإنسان ووهنه ، ففتح أبواب التوبة ، وشجع على الأوبة ..

 

وقال كما في الحديث القدسي "عبدي لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة" ، وقال سبحانه في كتابه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}.

 

فأتم توحيدك ، واحذر من الشرك بجميع صوره ، لتقبل على ربك موحدا نقيا مخلصا خالصا في توحيده ، فهو الباب الأول للنجاة.

 

واستمسك بالعروة الوثقى "لا إله الا الله" واحذر ما ينقضها ، وائت بشروطها ومقتضياتها ، علما بها ويقينا وإخلاصا وخضوعا وإنابة...

 

وسارع إلى التوبة إلى الله ، فإنه لا طريق إلا ذلك ، ولا سبيل غيره ، مهما وسوس إليك الشيطان بوساوس تبعدك عن التوبة، قال سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، فلا فلاح إلا بالتوبة ولا صلاح إلا بالتوبة، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}.

فوصفهم بكونهم بعد الفواحش التي سقطوا فيها سارعوا بالتوبة منها.

 

فلا تبالي بوسوسة الشيطان من الإنس والجن، وأقدم على ربك بالتوبة المخلصة ، يقبل عليك بالقبول والهداية.

 

واعلم أن الإنسان بعد التوبة قد يكون حاله أقل من حاله قبل الذنب، نعم، إذا أهمل في توبته ووقع فيها الخلل.

 

لكنه أيضا قد يكون في حال أحسن من حاله قبل الذنب إذا حسنت توبته.

 

فرُبَّ معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا.

 

ورُب توبة رفعت مقام صاحبها وأوصلته إلى عليين ، فلا تبال بشيء من الدنيا إلا بالسعي إلى التوبة والاستغفار.

 

واحرص على تنقية توبتك وتجديدها والصدق فيها.

 

واذكر ذنبك دائما واسأل ربك أن يستجيب لك ، ويقبل توبتك ، ويغفر زلتك ، ويتجاوز عن ذنبك، أسأل الله لك الخير كله.

د. صالح بن فوزان الفوزان
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الرحمن البراك