11 شوال 1439

السؤال

أنا باحث مميز بحمد الله وطالب علم نشيط ولي كتب، لكن متطلبات الحياة والنفقة على أسرتي وأولادي، تضطرني للعمل وترك العلم لجمع المال.. فكيف افعل؟!

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
لنا مع سؤالك عدة وقفات:
الأولى: مقام طلب العلم مقام عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنةِ" أخرجه ابن ماجه.

 

الثانية: العمل والكسب والنفقة على العيال من الأساسيات الحياتية والمعاشية، ولا يمكن إهمالها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" رواه أبو داود، وقال عليه الصلاة والسلام:  "لأن يحتطِبَ أحدكم حُزْمَةً على ظهرِهِ خيرٌ من أن يسألَ أحداً فيُعْطيَهُ أو يمنعَهُ"رواه البخاري.
وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه، فقال له عمر رضي الله عنه: "أصبت، استغن عن الناس يكن أصون لدينك، وأكرم لك عليهم".
وقال ابن الجوزي، قيل لأحمد: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتي رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم.

 

الثالثة: القضية قضية حسن ترتيب للوقت، فجميع العلماء لهم متطلبات حياة، ويعملون ويداومون، وأذكر الشيخ ابن باز رحمه الله مثلاً، فإلى أنْ مات لم يأخذ إجازة واحدة من عمله، وانظر ماذا ترك من العلم، وانظر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، إلى أنْ توفي وهو أستاذ في الجامعة وعضو في هيئة كبار العلماء أيضاً، وانظر آثار علمه ونتائجه.
فإذا وفقك الله لحسن ترتيب الوقت، ستجد ما تستطيع أن تعمله من أجل دنياك، وما تستطيع به أيضاً أن تجتهد في طلب العلم وفي البحث والتميز.

 

الرابعة: لازم العلماء الذين عرفوا بسلامة المنهج، البعيدين عن البدع ومحدثات الأمور.
 

الخامسة: ألفت نظرك هنا، فالعبرة ليست بكثرة الكتب وإنما بتميزها، فلأن يكون لك كتابان أو ثلاثة متميزة أفضل من مائة كتاب بلا قيمة، فكم ممن كتب عشرات الكتب ولم يستفد منه ولا منها شيء، وعلى جانب آخر فهناك علماء على مر الزمن ليس لهم إلا كتاب أو كتابان أو ثلاثة لكن تميزوا للغاية، ولا تبدأ التأليف إلا بعد أن تستوي ويشتد عودك، فكتب الإنسان مرآة عقله، ومن ألّف فقد استهدف.
 

السادسة: ليكن لك طلاب يأخذون عنك ما تعلمت من مشايخك، علماً وتربية.
 

وأخيراً: أهم من ذلك كله صدق النية والإخلاص، وأن تريد بعلمك وجه الله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، والعلم من أعظم العبادات، واحذر من الشهوة الخفية، كالشهرة ومدح الناس، وعليك بتقوى الله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}، وأنصحك بأن تستمع لمحاضرتين لي، بعنوان: "والسماء ذات الحبك" و"إنه كان صادق الوعد"، لعلهما أن تعيناك بإذن الله على تحقيق ما تريد، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء