أنت هنا

إدارة الإجازة الصيفية
14 شوال 1439
الهيثم زعفان

مع انتهاء العام الدراسي يكثر الحديث داخل الأسر وفي أوساط الطلاب عن كيفية قضاء أجازة صيفية ممتعة، انطلاقاً من قاعدة شعبية ترسخت في أذهان الغالبية بأن اصطلاح "الإجازة الصيفية" يعني راحة استجمامية ترويحية، تلتقط فيها الأنفاس استعداداً للعام الدراسي الجديد.

 

والمتأمل للسياق التاريخي يجد أن هذه القاعدة تُعمد ترسيخها في العالم الإسلامي بالتوازي مع النظم التعليمية العلمانية إبان الاستعمار الغربي، في ذات الوقت الذي نجد فيه أن تحصيل العلوم في الإسلام لا تحرق معه هذه المساحة الوقتية الكبيرة المعروفة بالإجازة الصيفية

 

تلك المساحة التي يظن البعض أنها أربعة أشهر وفقط، ولكننا إذا حسبناها كلية على مدار رحلة الطالب الدراسية التي تتجاوز الستة عشر عاماً، فإن نصيب الإجازة منها سيكون أربع سنوات ميلادية كاملة. مساحة زمنية فراغية كبيرة، في أعمار تحصيلية عظيمة، قل ما يجود بها الزمان في الكبر، مما يجعلنا نطرح تساؤلاً مهماً وهو: كيف نقضي الإجازة الصيفية بطريقة جدية ينفع بها المسلم ذاته، وينعكس النفع على الإسلام والمسلمين؟

 

بداية! ينبغي أن تخلخل عندنا هذه القاعدة الشعبية ذات النهج الترويحي- لا ننكر الترويح ولكن بضوابطه الشرعية-، فليس من المعقول أن نضيع بأيدينا أربع سنوات أو يزيد في لهو ولعب، في وقت نجد فيه الصحابة رضوان الله عليهم، وعلماء الإسلام، والدعاة إلى الله قد فقهوا إلى توجيهات الشريعة الإسلامية بأن تكون جميع أوقات المسلم ذات ثمرات تكليفيه. فطبقوا ذلك في حياتهم اليومية فبلغوا ما بلغوا من المجد وحسن التحصيل، وهم قدوتنا وعلى دربهم نسير.

 

فالعلماء أفضل من يعرف شرف الوقت وأهميته، ودوره في خدمة الإسلام والمسلمين، واستثماره الاستثمار العملي الأمثل، حتى في أوقات الزيارات والضيافة نجدهم يوظفونها وظيفة مزدوجة، يُحسن فيها استقبال الضيف، ولا يتأثر هدفهم الجلي بمضي وقتها.

 

يقول ابن الجوزي رحمه الله عن نفسه: " رأيت خلقاً كثيرين يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، فلما رأيت الزمان أشرف شئ كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين، إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غُلبت قصَّرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالاً لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغاً، فجعلت من المستعدّ للقائهم قطع الكاغد (الورق)، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابُدَّ منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شئ من وقتي. نسأل الله أن يعرفنا شرف أوقات العمر" اللهم آمين.

 

فإذا نجحنا في خلخلة تلك القاعدة الترويحية في الإجازة الصيفية، وتولد لدى كل منا آباءً وأبناءً، الاستعداد التام لاستثمار تلك الإجازة استثماراً عملياً مفيداً، فسنكون بذلك قد وضعنا أقدامنا على أول طريق الثمرة التكليفية التي يعود نفعها على المسلم في الدنيا والآخرة.

 

* * دور الوالدين في إدارة الإجازة الصيفية
 يلمس المراقب ضعف الدور التربوي للوالدين في ترسيخ قواعد استثمار أوقات الفراغ في وجدان الأبناء، وهذا راجع لأن بعض الوالدين مشبعين بقاعدة القضاء الترويحي، وبالتالي فهم يورثون ما يعتقدون، بيد أن الدور التربوي إذا لعبه الوالدين جيداً، وعن طريق القدوة العملية لا التلقين النظري، فإن ثمرته ستورث إلى أجيال عديدة. بدليل أن عكس ذلك هو القائم، فكثير من الوالدين يخططون للذهاب إلى المصيف وقضاء أطول فترة ممكنة فيه، مما يرسخ في وجدان الطفل أن الإجازة الصيفية تعني قضاء أياماً وشهوراً على شواطئ البحار وفي المنتجعات السياحية، وعلى ذلك يشب وتدور العجلة.

 

وترسيخ قواعد استثمار أوقات الفراغ لا يأتي إلا بالتوجيه العملي لملكات وقدرات الأبناء، وأيضا استثمار العقل التحصيلي النابه في ملء المحل بالزاد الشرعي النافع. والوالدين وبخاصة الملتزمين وحملة العلم الشرعي هم أفضل من يقوم بهذا الدور لاعتبارات تربوية عديدة. كما أنه ليس من المعقول أن يكون عندنا أب أو أم يحملان القرآن الكريم ويحفظان أبناء الآخرين بمقابل مادي، أو ينشغلان في تجارتهما وأعمالهما وينسيان أو "يتناسيان" تحت ضغط الكسب المادي أن يحفظا ويلقنا أبنائهما القرآن والسنة في سن مبكرة، والشواهد العملية على ذلك كثيرة.

 

هذا بالنسبة للتعامل مع الأبناء في السن المبكرة، أما الأبناء في المراحل المتوسطة وفوق المتوسطة فمن المفيد النظر في أحوالهم، وتصنيفهم كلاً تبعاً لقدراته، تمهيداً لاستثمار تلك القدرات وتنميتها. فذوي الميول العلمية والبحثية والتحصيلية من الأبناء، ييسر لهم الآباء العوامل المساعدة لتطوير تلك الميول، من مواد سمعية وبصرية ومقروءة مُعينة، وكذا تيسير الاحتكاك بالعلماء وحضور حِلق العلم، فكم من القدرات الإبداعية للأبناء وُئدت بسبب إهمال الآباء لها.

 

ومن كان منهم ذو شغف تجاري وطموحات اقتصادية مبكرة، فلا عيب في ذلك ولا يري العلماء تعارضاً بين تحصيل العلم الشرعي والعمل التجاري، فهذا أبو حنيفة النعمان وهو من هو كان تاجراً، والأمثلة على ذلك كثيرة، بل إذا كيّف الآباء تلك التوليفة عند الأبناء، ففي الغالب ينجح الأبناء في الاثنين، كما ينجحون في تكوين خبرات مبكرة تحت إشراف الآباء أو أصدقاء الآباء الثقات، أما إذا سار الآباء عكس المسار متعمدين، وضيقوا الخناق على تلك الميول كما هو قائم في حالات كثيرة، سعياً وراء ما يطلق عليه كليات القمة، أو بتعبير العامة " أنه له علينا التعليم وبعد ذلك يفعل ما يشاء"، تلك القناعة التي رسختها خطة "دنلوب" بصناعة قطاع من المسلمين يلهث وراء الشهادات وفقط، دون أن يكون لذلك مردود عملي أو اقتصادي يفيد الأمة الإسلامية. إذا حدث ذلك التعنت، فنادراً ما يتفوق الابن، وفي الغالب ينضم إلى طابور البطالة، ويضيع وقته هباءً منثوراً، وفي أحسن الأحوال يبدأ بعد التخرج بمشروع تجاري هامشي لا يكفي زاد يومه.وهكذا يكون الحال التوظيفي التنموي في التعامل مع باقي ميول وقدرات الأبناء.

 

تبقي إشارة أخيرة في دور الوالدين في استثمار الإجازة الصيفية للأبناء وبخاصة طلاب المراحل فوق المتوسطة والجامعات، ألا وهي تزويج الأبناء في سن مبكرة، فكثير من الوالدين يعلقون زواج الأبناء لما بعد انتهاء التعليم وهذه دعوة غربية علمانية، يروج لها من خلال المؤتمرات الأممية الانحلالية، والتي ترعاها الأمم المتحدة ذاتها، ففي الوقت الذي يضيق فيه الخناق على منافذ الحلال عند أبناء المسلمين يروج للفاحشة وفعل المنكرات بل ويتم تيسير سبلها.

 

والعلاقة بين التعليم والزواج كانت محل بحث عدد غير قليل من الفقهاء والعلماء المسلمين، وهناك شبه اتفاق بينهم على عدم تقديم التعليم على الزواج، فعلى سبيل المثال نجد الشيخ ابن عثيمين –عليه رحمة الله- أفتى بأن الزواج مقدم على الدراسة، والشيخ مصطفى صبري –رحمه الله – في كتابه القيم "قولي في المرأة" يقول :"مما يعين على التعفف عدم تصعيب النكاح بتحديد سن الزواج وإرجاء النكاح إلى ما بعد بلوغ الجنسين ببضع سنين" – نلحظ هنا أن هذا الكلام كان في أوائل القرن العشرين، وكان رحمه الله ينتقد تأخير الزواج لما بعد البلوغ لبضع سنين فقط، وليس ضعف سن البلوغ أو يزيد كما هو حادث الآن- ويذهب الشيخ إلى أنه "لا داع أن يمنع التعليم الشباب من الجنسين عن الزواج وذلك للعفة خاصة أثناء مرحلة التعليم العليا، لذا يجب أن نألف التعليم مع الزواج للمحافظة على عفة المتعلمين". فهل للآباء أن يستعيدوا الدور المفقود في تزويج الأبناء مبكراً؟.

 

* * دور الأبناء المكلفين في إدارة أجازتهم الصيفية
 من المعلوم أن المسلم البالغ يُحاسب على أفعاله من لحظة بلوغه، ومن هذا المنطلق فإن الأبناء في المراحل فوق المتوسطة والجامعية ينبغي أن تكون أجازتهم الصيفية، وكذا كافة أوقات فراغهم ذات ثمرات تكليفيه، فهم لديهم ملكات وإمكانيات اكتسبوها من ينابيع متعددة كالأسرة، البيئة المحيطة، التعليم، ووسائل الإعلام، ومنهم من وهبه الله قدرات وملكات إبداعية خاصة ينفرد بها عن أقرانه، وكل هؤلاء مطلوب منهم "الإقدام" بمعني تقديم النفس سواء لجهة ما، أو القيام بأعمال ذاتية تبعاً لمهارات وملكات الشخص بما يعود بالنفع عليه وعلى أمته.

 

9 + 9 =